تعاريف ومفاهيم منوعة

بحث كامل حول اتخاذ وصنع القرار الإداري

نظريات صنع واتخاذ القرار

تعتبر صناعة القرار من الأسس الرئيسية لكل العمليات الإدارية، بدءا بالتخطيط، التنظيم، التوجيه، الميزانية، الرقابة، إدارة الأفراد، المتابعة إلى غير ذلك من أنشطة التنظيم المتعددة. وصناعة القرار بوجه عام ما هي إلا عملية اختيار من بين البدائل المتاحة سواء كانت وسائل أو غايات تسعى المنظمة إلى تحقيقها.

تعريف صناعة القرار

من الممكن تعريف صناعة القرار على أنها عملية اختيار بديل من مجموعة من البدائل المعقولة والمتاحة بالطبع ما هو معقول لدى شخص ما قد لا يكون كذلك عند آخر. هنا لا بد أن نفرق بين صناعة القرار وحل المشكلة. إذا واجه القائد مشكلة ما وليس هناك إلا خيار واحد للتعامل مع هذه المشكلة نكون بصدد مشكلة تحتاج إلى حل. أما إذا توفر للقائد خياران أو أكثر في هذه الحالة لا بد أن يتخذ القائد قراره ويختار من بين هذه البدائل. مع الأخذ في الحسبان بأن نوعية المعلومات ووفرتها لدى صانع القرار تحدد مدى ثقته في قراره المتخذ، بمعنى آخر، كلما كانت المعلومات أكيدة، كلما زاد احتمال اتخاذ قرار صائب. لكن فهم هذه المعلومات وتفسيرها قد يختلف من متخذ قرار لآخر وبالتالي يؤثر على نوعية البديل المختار.

مناهج صناعة القرار

خلال العقود الزمنية الماضية تباينت وجهات النظر حول عملية صناعة القرار الإداري. ومن الممكن تصنيف هذا التطور في منهجين رئيسين:

إقرأ أيضا:مفهوم الاتصال الجماهيري، خصائصه ومميزاته
  • أولا : نظريات المنهج التقليدي.
  • ثانيا : نظريات المنهج السلوكي.

أولا : نظريات المنهج التقليدي “العقلاني”

سادت نظريات هذا المنهج الجزء الأول من القرن الماضي، وركز على مبدأ العقلانية من وجهة النظر الاقتصادية بمعنى القائد دائما يتخذ القرار الذي يخدم المنظمة، اقتصاديا. فالعقلانية في اتخاذ القرار تقوم على مبدأ اختيار أفضل البدائل بناء على معايير يحددها متخذ القرار. هذا البديل المختار لا بد أن يكون أكثر البدائل من ناحية الفعالية والكفاية. إضافة إلى ذلك يقوم هذا المنهج على مجموعة من الفرضيات ومنها:

  1. صانع القرار لديه المعلومات الكافية عن كل الظروف المحيطة بموضوع القرار.
  2. صانع القرار لديه المعلومات الكاملة عن كل البدائل المتاحة.
  3. لدى صانع القرار نظام عقلاني يستطيع من خلاله حصر كل البدائل وترتيبها حسب الأفضلية.
  4. هدف صانع القرار دائما ينحصر في اختيار البديل الذي يحقق أعلى قدر ممكن من العائد الاقتصادي للمنظمة.

غالبية منظري الفكر الإداري في تلك الحقبة الزمنية افترضوا العقلانية التامة في صانع القرار وأكدوا على مبدأ المثالية في عملية اتخاذ القرار الإداري، لكن في حالات كثيرة اتضح أن هناك بعض الصعوبات والمشاكل التي تحول دون استخدامها ووضعها موضع التنفيذ ومنها:

إقرأ أيضا:تعريف الإدارة العامة وعلاقتها بالعلوم الأخرى
  1. المعنى: الذي يعطيه الشخص لموقف ما أو الانطباع الذي يحصل عليه من ذلك الموقف قد يختلف عن المعنى الذي يعطيه شخص آخر لنفس الموقف وهذا يؤثر على عملية المفاضلة بين البدائل المتاحة لدى الشخص.
  2. الإدراك ، القيم، الاتجاهات والجوانب العاطفية تؤثر في سلوك صانع القرار.
  3. جمع واستخدام المعلومات أثناء مراحل صناعة القرار في هذا المنهج يعترضها بعض الصعوبات ومنها:
    • جمع كل ما يتعلق بالقرار من معلومات قد تكون عملية مكلفة.
    • جمع كل المعلومات عن كل بديل متاح قد يستغرق وقتا أطول مما تتحمله عملية صناعة القرار، بمعنى آخر قد تكون أطول مما يجب.
    • يتطلب هذا المنهج جمع كل المعلومات المتعلقة بموضوع القرار وقد يكون هذا متعذرا لأن بعض المعلومات قد لا تكون أصلا موجودة.
  4. مقدرة متخذ القرار على استخدام المعلومات قد تكون محدودة. من الأمور المسلم بها أساسا أن قدرة الإنسان العقلية محدودة، لذا حتى لو توفرت لدى صانع القرار كل المعلومات وكل البدائل المتاحة فسيكون من الصعوبة بمكان تصور كل هذه المعلومات والخيارات ومقارنتها واتخاذ أفضلها كأساس لقراره.
  5. المعايير والقواعد التي بناء عليها تتم المفاضلة بين البدائل المتاحة قد لا تكون ثابتة وواضحة. ويكون هذا ظاهرا في قرارات القطاع العام الذي يهدف إلى تنفيذ السياسة العامة للدولة.

ثانيا : المنهج السلوكي

إقرأ أيضا:تعريف إعادة الهندسة، متطلباتها ومراحل تطبيقها في المؤسسات

يعتبر هربرت سايمون ( H . Simon ) من أوائل الكتاب السلوكيين الذين أدركوا قصور المبدأ التقليدي، أو ما يسمى بالعقلاني أو الاقتصادي، في وصف عملية صناعة القرار. فقد أكد سايمون على صناعة القرار تتم وفقا للقاعدة العقلانية المحدودة السبب في ذلك يرجع إلى:

  • عدم مقدرة النظام على توفير كل المعلومات التي يحتاجها صانع القرار، وإن توفرت فلا تكون مفيدة بالدرجة الكافية.
  • عدم القدرة الذهنية لدى صانع القرار على التعامل مع كل المعلومات المتوفرة لديه.
  • لا يستطيع صانع القرار أن يحصر كل البدائل المتاحة.
  • متخذ القرار قد لا تكون لديه القدرة أو الرغبة أو الاثنان معا لتحديد النتائج المتوقعة لكل بديل من البدائل المتاحة.
  • الفرد مهما توفرت لديه من قدرات يظل محدود العقلانية في استيعاب كل الظروف والمتغيرات التي لها علاقة بموضوع القرار.

من المحددات كذلك التي تؤثر على صناعة القرار قيم وقدرات متخذه، هناك أيضا أسباب أخرى تحد من عقلانية صناعة القرار منها:

  • صناع القرار أنفسهم قد لا تتفق مصالحهم الشخصية مع مصلحة المنظمة.
  • بعض القيادات الإدارية قد يتخذون القرار أولا ثم يحاولون إيجاد مبررات لاتخاذه.

وجود هذه المحددات، من وجهة نظر سيمون، جعل من تطبيق خطوات الطريقة التقليدية لعملية اتخاذ القرار أمرا غير ممكن. فالأسلوب الأمثل لاتخاذ القرار إذا هو البحث عن مستوى الرضا لدى القائد بدلا من استنزاف الجهد والوقت للحصول على أحسن وأفضل البدائل المتاحة.

أنواع القرارات

من الأهمية بمكان التفرقة بين نوعين من القرارات: القرارات المبرمجة والقرارات غير المبرمجة.

أولا : القرارات المبرمجة

يقصد بالقرارات المبرمجة القرارات التي تتخذ للتعامل مع مشكلات روتينية متكررة وحلها من خلال إجراءات ثابتة ومتعارف عليها وغالبا ما يكون متخذو مثل هذا النوع من القرارات في المستويين الأوسط والتنفيذي ضمن البناء الهيكلي للمنظمة. ويتميز هذا النوع من القرارات بالآتي:

  1. يأخذ هذا النوع من القرارات صفة التكرار.
  2. الظروف التي يؤخذ فيها مثل هذا النوع من القرارات غالبا ما تكون ثابتة ويمكن توقعها.
  3. درجة المخاطرة قليلة أو قد تكون معدومة.
  4. في أغلب الحالات تتوفر لدى متخذ القرار المعلومات الكافية.

ثانيا : القرارات غير المبرمجة

يتعلق هذا النوع من القرارات برسم السياسة العامة للمنظمة ومستقبلها من حيث الاتساع أو الانكماش وإنشاء فروع ووحدات جديدة أو إلغاؤها. كما تتخذ في حالة الأزمات والمشكلات المفاجأة سواء المتعلقة بعناصر الإنتاج، الأيدي العاملة، الانخفاض غير المتوقع في جودة الخدمات أو السلع التي تقدمها المنظمة للمستفيدين…الخ.

وتحتاج هذه القرارات إلى قدرات قيادية عالية لدى متخذها خاصة فيما يتعلق بفهم واستيعاب المشكلة وتحديد معالمها. لذا يتركز مثل هذا النوع من القرارات في الإدارة العليا للتنظيم. وبوجه عام تتميز القرارات غير المبرمجة بالآتي:

  1. لا تأخذ صفة التكرار.
  2. البيانات والحقائق التي يعتمد عليها متخذ القرار في هذه الحالة قد تكون غير متوفرة وإذا توفرت قد يصعب التحقق من صحتها.
  3. الظروف التي يتخذ فيها مثل هذا النوع من القرارات متغيرة وديناميكية.
  4. فعالية مثل هذه القرارات يعتمد على مهارات وقدرات المدير في استيعاب وقياس الأبعاد الحقيقية للمشكلة.

خطوات صناعة القرار

تمر صناعة القرار الإداري بالعديد من المراحل وتتمثل في الخطوات التالية:

أولا : بالشعور بالمشكلة

أولى الخطوات التي تمر بها صناعة القرار هي الشعور بموجود مشكلة وأن هناك حاجة ماسة لاتخاذ قرار معين للتفاعل معها. هذا الإحساس الداخلي يعتبر من البواعث الضرورية لتبدأ عملية اتخاذ القرار. هذا الباعث قد يكون إيجابيا أو سلبية. اتخاذ قرار لاستثمار فائض مالي… أو إيصال خدمات إضافية تعتبر من الحالات الإيجابية، وعلى العكس من ذلك اتخاذ قرار لخفض النفقات للتعامل مع عجز مالي يلم بالمنظمة… إلغاء بعض الأقسام أو الوحدات يعتبر من القرارات غير المرغوب فيها أو التي تتسم بنوع من السلبية بمعيار منسوبي التنظيم والمستفيدين من خدماته.

تعتبر هذه الخطوة من أهم مراحل عملية اتخاذ القرار، وهي تحدد فاعلية ونجاح الخطوات اللاحقة. لنفترض، على سبيل المثال، وجود مشكلة الغياب والتأخر عن العمل في أحد المنظمات الخدمية. البعض قد يفسر هذه الظاهرة على أن حدوثها نتيجة لعدم وجود نظام رقابي صارم يوقع العقاب على من يستحقه وبالتالي خلق جو من التسيب. فيتخذ قرارا للتعامل مع المشكلة بناء على هذا التحليل. شخص آخر قد ينظر للمشكلة على أنها أحد أعراض انخفاض الروح المعنوية لدى الأشخاص لأسباب قد تكون متعلقة بعدم فاعلية نظام الأجور والحوافز وبالتالي يعمل على تصحيح الوضع من هذا المنطلق، فنجد أن هناك حلين متباينين لمشكلة واحدة.

كما لابد لمتخذ القرار أن يفرق بين المشكلة الرئيسية والمؤشرات التي تدل على وجودها. إضافة إلى أن هذه المرحلة من مراحل صناعة القرار تتأثر بمتغيرات سلوكية تشمل الاستعداد المسبق لدى الفرد لفهم واستيعاب هذه الحالة موضع القرار، قيم الفرد، اتجاهاته، مستوى إدراكه…الخ.

ثانيا : تحديد المعايير

تتمثل الخطوة الثانية من خطوات صناعة القرار في وضع معايير واضحة تستخدم للمفاضلة بين البدائل المتاحة ويشترط في هذا المعايير الآتي:

  • لابد أن تكون ضمن الإطار العام لسياسة المنظمة.
  • لابد أن تتفق مع أهداف المنظمة واستراتيجياتها.
  • ضرورة أخذ إمكانيات المنظمة في الاعتبار أثناء وضع هذه المعايير.

فالقرار يمكن الحكم عليه بأنه قرار جيد أو خلاف ذلك من خلال استخدام معايير عن البدائل المتاحة لحل المشكلة. كما أن وجودها يقلل من احتمال قبول حلول لا ترقى إلى درجة الرضا.

ثالثا: جمع البيانات والمعلومات اللازمة

تتطلب هذه المرحلة جمع كل ما يمكن من المعلومات والحقائق ذات الصلة. مصادر هذه المعلومات تتنوع حسب طبيعتها. فقد تكون في شكل آراء ووجهات نظر للمهتمين بالموضوع، وقد تأخذ الطابع الاستشاري من الخبراء والمختصين، وقد تكون في شكل أرقام وإحصائيات…الخ. متخذ القرار لابد أن يراعى ضرورة تنوع المصادر، الدقة، الموضوعية وحداثة المعلومات التي سيبنى عليها قراره.

رابعا: تحديد البدائل

هذه المرحلة من مراحل صناعة القرار الإداري تتمثل في تحديد الحلول الممكنة للمشكلة موضع القرار. إمكانية القائد الإبداعية والابتكارية تحدد مقدرته على إيجاد أكبر عدد ممكن من البدائل ذات العلاقة بالمشكلة المراد حلها، إضافة إلى وجود عوامل أخرى تؤثر على نوعية البدائل المختارة ومنها:

  1. السلطة الممنوحة: الصلاحيات الممنوحة للفرد من قبل رؤسائه تحدد نوعية البدائل التي يستطيع طرحها لحل المشكلة. فقد تكون تكلفة أفضل البدائل المتاحة أكثر مما هو مسموح لمتخذ القرار بإنفاق لحل هذه المشكلة فلابد من اختيار بديل أقل تكلفة.
  2. الوقت المتاح أمام متخذ القرار قد لا يمكنه من حصر أكبر عدد ممكن من البدائل المتاحة.
  3. معوقات اقتصادية لها علاقة بوضع المنظمة المالي ومدى قدرتها على تحمل الأعباء المالية لوضع بعض الحلول المكلفة موضع التنفيذ.
  4. المعايير الاجتماعية غير الرسمية السائدة في بيئة التنظيم.
  5. مدى توفر الإمكانيات البشرية والتكنولوجية التي تشجع وتدفع متخذ القرار للتصور والتفكير والإبداع.

هناك أيضا بعض المحددات على تعدد البدائل منها القوانين والأنظمة ، معايير أخلاقيات العمل، التقنية المتاحة، الاعتبارات الاقتصادية…الخ.

خامسا: تحليل وتقييم البدائل

يتم التمييز بين البدائل واختيار الأفضل باستخدام المعايير التي سبق لمتخذ القرار تحديدها في خطوات سابقة. ولابد أن يتم ذلك في ضوء أهداف وخطط وسياسات المنظمة.

سادسا: اختيار البديل المناسب

ينتج عن تقييم البدائل، في الخطوة السابقة، تحديد أفضل بديل وبالتالي اتخاذ القرار ويشترط في البديل المختار:

  • أن يساهم بفعالية في تحقيق الهدف.
  • أن يكون قابلا للتطبيق العملي.
  • يتوافق مع متطلبات البيئة الخارجية من عادات وتقاليد، وقيم، وأنماط سلوكية.
  • أن يكون سهل التنفيذ.
  • أن يحظى هذا البديل المختار بالقبول من قبل أفراد المنظمة وأن يكون لديهم الاستعداد لتنفيذه.
  • أن يكون ممكن التنفيذ في الوقت المحدد.
  • أخيرا، أن يتفق البديل المختار مع قيم المنظمة ونظمها وإجراءاتها.

سابعا: التنفيذ، التقييم، والمتابعة

لابد أن يصاغ القرار بطريقة مبسطة واضحة ومختصرة ليسهل فهمه ولكي لا تتعدد تفسيراته. وأثناء التنفيذ لابد من المتابعة من قبل متخذ القرار للتأكد من تحقيق الهدف الذي اتخذ من أجله، ولشرح جزئياته وتذليل ما قد يعترض التنفيذ من مشكلات والمساهمة إما بحلها، أو الحد منها بقدر الإمكان، وقد يصل الأمر إلى سحب القرار أو إلغائه أو تعديله كليا أو جزئيا.

السابق
العوامل المؤثرة في عملية اتخاذ وصنع القرار في المؤسسة
التالي
بحث كامل حول القيادة والقوة: مفاهيمها، مصادرها ومناهجها

اترك تعليقاً