علم الاجتماع

بحث كامل عن القيادة التحويلية: مفهومها وأبعادها

القيادة التحويلية

يمكن اعتبار القيادة التحويلية على أنها الأسلوب الذي يتبناه القائد للتأثير في سلوك تابعيه (أفرادا أو جماعات) في ضوء امتلاكه رؤية واضحة لرسالة المنظمة وتغيراتها وإلهامه وقدرته على خلق الإثارة في تابعيه على النحو الذي يكسب ثقتهم وولائهم ويحفزهم نحو إدراك تلك التغييرات وقبولها والالتزام بها.

تعريف القيادة

كلمة قيادة ذات أصول يونانية ولاتينية، وكلمة (Leadership) مشتقة من الفعل يفعل أو يقوم بمهمة ما، ويتفق الفعل اليوناني (Archein) بمعني يبدأ أو يقود أو يحكم مع الفعل اللاتيني (Agere) ومعناه يحرك أو يقود، وكان الاعتقاد السائد بين المفكرين يقوم على أن كل فعل من الأفعال السابقة ينقسم إلى جزأين: بداية يقوم بها شخص واحد، ومهمة أو عمل ينجزه آخرون، ومن هذا يتضح أن مفهوم القيادة ينطوي على علاقة اعتمادية متبادلة بين من يبدأ بالفعل وبين من ينجزه، فالقائد هو الذي يتولى القيام بالعمل واعطاء الأوامر وهو حق وقصور عليه وحده، والأتباع هم الذين ينجزون العمل ويقومون بتنفيذ الأوامر وهذا واجب عليهم، وقوة القائد إنما تتجسد في روح المبادرة بالفعل والمخاطرة في سبيله أكثر من تجسدها في إنجاز المهمة.

لا شك أن القيادة Leadership ليست قدرة خارقة، والقادة ليسوا سلالة خاصة من البشر قادرة على تحقيق ما لم يستطع الآخرين مهما فعلوا أن يأتوا به. ولكن في المقابل وفي نفس الوقت فإن القيادة توصيف وظيفي كالذي نجده في نظام وصف الوظائف، أو مركز إداري يستطيع تحقيق متطلباته كل من يوضع في ذلك المركز، لهذا لابد من التأكيد على أن القيادة هي ذلك المزيج الفريد من القدرات الخاصة للقائد ومن الظروف التي توفر الدور للقائد والعاملين الذين يعززون القائد بالقدرة على القيام بالأشياء الجديدة أو تحقيق ما لم يتحقق في السابق.

إقرأ أيضا:ماذا نقصد بالطموح والعوامل المؤثرة فيه

وتعتبر القيادة على أنها عملية تفاعل عدد من العوامل منها القائد والمرؤوسين والمواقف التي تمارس فيها وظيفة القيادة، وتختص القيادة بالإشراف على المرؤوسين وتوجيههم ودراسة احتياجاتهم، بالإضافة إلى تنسيق وإدارة الوقت بشكل يساعد على تحقيق أهداف المنظمة.

وهذه التعريفات تؤكد على العلاقة الوطيدة بين القائد وأتباعه من الموظفين، والمبني أساسا على مزج قدرات القائد مع إمكانيات الموظفين لتنفيذ أوامر ذلك القائد.

ونستنتج من التعريفات السابقة أن القيادة بمفهومها العام هي القدرة على التأثير على سلوك أفراد الجماعة أو المنظمة وتوحيد جهودهم وتوجيههم لبلوغ الأهداف المسطرة للمنظمة.

التطور التاريخي لنظرية القيادة التحويلية

تعتبر نظرية القيادة التحويلية من النماذج البارزة في النظريات الجديدة التي احتلت مكانة رئيسية في العقدين الأخيرين من القرن الحالي، فعملية تطوير المرؤوس وتحسين أدائه كانت من المخرجات الأساسية لمثل هذه القيادة، والمبدأ الأساسي لها يؤكد على تطوير المرؤوسين وتحسين أدائهم، وتقدير الطاقة الكامنة داخلهم، بحيث تزداد قدراتهم الإنجاز الالتزامات الحالية والمستقبلية المطلوبة منهم.

وتمت صياغة مفهوم القيادة التحويلية لأول مرة من قبل “داوتون” سنة 1973، إلا أن ظهورها كمدخل هام في القيادة فقد بدأ مع العمل الذي قام به عالم الاجتماع السياسي ” بيرنز ” سنة 1978 تحت عنوان “القيادة”، حيث أعاد النظر في ممارسات وسياسات القيادة، منقحا السمات والعناصر الأساسية للقيادة الفعالة في أعماله، وقد كان أول من اقترح أن القيادة ارتباط في العلاقة بين وضمن كل من التحفيز والموارد من جهة، والقادة والمرؤوسين في المنظمة من جهة أخرى.

إقرأ أيضا:تعريف ونظريات علم اجتماع التنمية

مفهوم القيادة التحويلية

أصبح مصطلح التحويلي والإجرائي أساس لدراسة القيادة وقد استخدم في الغالب للتمييز بين الإدارة والقيادة، وقد ظهر مصطلح القيادة التحويلية عام 1978 على يد “بورنز” Burns في كتابه القيادة، وذلك للتمييز بين أولئك القادة الذين يبنون علاقة ذات هدف وتحفيزية مع مرؤوسيهم من أولئك القادة الذين يعتمدون بشكل واسع على عملية تبادل المنافع للحصول على نتائج.

وتسعى القيادة التحويلية إلى النهوض بشعور التابعين وذلك من خلال الاحتكام إلى أفكار وقيم أخلاقية مثل الحرية والعدالة والمساواة والسلام والإنسانية، فسلوك القيادة التحويلية يبدأ من القيم والمعتقدات الشخصية للقائد وليس على تبادل مصالح مع المرؤوسين، فالقائد التحويلي يتحرك في عمله من خلال نظم قيمية راسخة كالعدالة والاستقامة، ويسمي “بورنز” تلك القيم (القيم الداخلية)، والقيم الداخلية قيم لا يمكن التفاوض حولها أو تبادلها بين الأفراد، ومن خلال التعبير عن تلك المعايير الشخصية يوحد القائد التحويلي أتباعه ويستطيع أن يغير معتقداتهم وأهدافهم. وقد ميز “بورنز” بين نوعين من القيادة، القيادة الإجرائية والقيادة التحويلية: فالمبدأ الرئيسي لنمط القيادة الإجرائية هو تبادل المنافع بين الرئيس والمرؤوس حيث يؤثر كل واحد في الآخر وذلك بأن يحصل كل من الفريقين على شيء ذو قيمة.

ويرتكز جوهر القيادة التحويلية على القدرة على موائمة الوسائل مع الغايات وتشكيل وإعادة تشكيل المؤسسات لتحقيق أغراض إنسانية عظيمة وتطلعات أخلاقية، ويقوم هذا النمط القيادي على إدراك الحاجات الظاهرة والكامنة للمرؤوسين والعمل على إشباع تلك الحاجات واستثمار أقصى طاقات المرؤوسين بهدف تحقيق تغيير مقصود.

إقرأ أيضا:ماذا نقصد بالطموح والعوامل المؤثرة فيه

ومن هذا المنطلق فإن القائد التحويلي يسعى إلى زيادة وعي مرؤوسيه باحتياجاتهم، وتحويل هذا الوعي بالاحتياجات إلى آمال وتوقعات، ومن ثم تتولد لديهم الدافعية لإشباع حاجاتهم فيما يتعلق بإدراك وتحقيق الذات في حياتهم العملية.

وتعرف القيادة على أنها “هي التي تغير الأفراد وتحولهم، وترفع مستوى المرؤوسين من أجل الإنجاز والتنمية الذاتية، مرتكزة على القيم والأخلاق والمعايير والأهداف طويلة الأجل، ومتضمنة تقويم دوافع الأفراد واشباع حاجاتهم ومعاملتهم بإنسانية، ليبذلوا جهودا عالية لتحقيق أهداف المنظمة”.

تعريف القيادة التحويلية

هناك عدة تعريفات للقيادة التحويلية لأهم الباحثين في نظرية القيادة: حيث عرف بورنز القيادة التحويلية بأنها “القيادة التي تبحث عن تحفيز المرؤوسين ما أمكن، وإشباع احتياجاتهم المتزايدة، والانغماس معهم بشكل متكامل”. كما عرف روش القيادة التحويلية بأنها “قدرة القائد على التأثير في قيم واتجاهات ومعتقدات وسلوكيات الآخرين بالعمل معهم أو من خلالهم من أجل تحقيق هدف المنظمة ومهمتها”.

وفي حين أن العولمة وتقنية المعلومات (الأنترنت) والتداخل الاقتصادي بين دول العالم جعل درجة اليقين عالية جدا وحجم التغيرات الخارجية كبيرا، الأمر الذي ترك أثرا بالغا على جميع المؤسسات بغض النظر عن طبيعة نشاطها، وفي ظل هذه التغيرات كان لابد أن يكون هناك قادة قادرون على قيادة منظماتهم إلى بر الأمان وهؤلاء القادة هم من يسمون بالقادة التحويليين.

وحسب جيمس بورنز (Burns) فإن القيادة التحويلية هي نمط من القيادة المعيارية بمعنى أنها لا تصف كيف يتصرف القادة في الواقع، بل كيف عليهم أن يتصرفوا، وإن بورنز يرى أن القادة يجب أن يعملوا أكثر من أجل رغبات وحاجات الأفراد، لهذا فهذه القيادة يجب أن تتحرك إلى ما بعد رغبات الأفراد من خلال الاهتمام بحاجاتهم وقيمتهم الحقيقية، فعند الارتقاء بالقيادة والمرؤوسين إلى مستويات أعلى من التحفيز والقيم الأخلاقية، فإن القيادة التحولية تمثل الاختيار الملائم.

الفرق بين القيادة التبادلية والتحويلية

1. القيادة التبادلية:

إن الأساس في القيادة التبادلية هو تبادل المعلومات بين القائد والمرؤوسين، فالقائد التبادلي يعمل ضمن ثقافة المنظمة الموجودة ليتعرف على رغبات المرؤوسين واحتياجاتهم، ثم يوضح الأدوار والمسؤوليات بالنسبة لهؤلاء المرؤوسين لتحقيق هذه الاحتياجات والرغبات، والتي سوف تكون مرضية لمقابلة أهداف محددة أو أداء مهام محددة، وبالتالي تحقيق النتائج المرغوبة.

فالمرؤوسون يتلقون المكافآت مقابل أداء أعمالهم عندما يستفيد القادة من إتمام هذه الأعمال، ودور القائد هو مساعدة المرؤوسين في بناء الثقة، بالإضافة إلى إشباع حاجاتهم لأنه من الممكن أن يحسن الإنتاجية والأخلاق معا.

2. القيادة التحويلية:

تبنى القيادة التحويلية وتركز على التوعيات الغير ملموسة مثل القيم الإنسانية، والمعتقدات والرؤية، والقيم، والأفكار، أكثر من اعتمادها على عملية التبادل بين القادة والمرؤوسين، وذلك من أجل بناء علاقة سليمة مع المرؤوسين تشجعهم من خلالها على إحداث عملية التغيير. فالقيادة التحويلية تحدث عندما يرفع مستوى الإدراك حول أهمية النتائج المرغوبة وقيمتها، وعندما توسع حاجات ورغبات المرؤوسين وتعطيهم الإمكانية لتحقيق ذلك معتمدين على أنفسهم.

مهام القائد التحويلي

لأجل بلوغ أهدافهم يمارس القادة التحويليون عدة مهام منها:

  • إدراك الحاجة إلى التغيير.
  • تحديد الرؤية أو صورة المستقبل المنشود، إذ يوضح القائد للتابعين الهدف النهائي الذي يسعى إلى تحقيقه.
  • إيصال الرؤية إلى التابعين بطريقة عاطفية مقنعة وواضحة تجعلهم يؤمنون بها ويتحمسون لها ويندفعون للعمل على تحقيقها والتضحية من أجلها. وبهذا الصدد يمكن الإشارة إلى أن القائد الناجح هو الذي لديه القدرة على إيصال رؤيته ويشجع التابعين بتحديد مساءلة رسالته ويحفز الإدارة الوسطى بتولي زمام الأمور القيادية.
  • تطبيق الرؤية إذ يتطلب کسب احترام وتفاعل التابعين وقيام القائد بتطبيق الرؤية والتأكد من تطابق كل الأعمال مع هذه الرؤية والقيم الجديدة.
  • رفع التزام التابعين تجاه الرؤية.

ويشير آخرون إلى أنه في حالة الأزمة أو التغيير السريع فإن القادة التحويليين يجب أن يحددوا من يستطيع فرض التغييرات الرئيسية في المنظمة ولعمل ذلك فإن القادة التحويليين يجب أن يؤدوا بنجاح الأنشطة الثلاثة الآتية:

  • خلق رؤية جديدة: لرؤية حالة المستقبل المرغوبة تتطلب تحرر المنظمة من الأنماط التقليدية السابقة وان الهياكل القديمة والعمليات والأنشطة تصبح غير مفيدة.
  • تعبئة الالتزام: إذ يعد القبول للرسالة أو الرؤية الجديدة والالتزام بها من قبل التابعين ضروريا وحاسما.
  • التأسيس للتغيير: (جعل التغيير مؤسسيا) يجب أن تتخذ التطبيقات والأهداف الجديدة والقيم بشكل دائم ومستمر، وهذا يعني أن الموارد الرئيسية يجب أن تخضع إلى برامج تدريب وإعادة تأهيل وحشد التابعين لتنفيذ النموذج (التغيير التنظيمي الجديد وعلى النحو الذي يجعل التغيير مستمرا وعملا مؤسسيا.)

أبعاد القيادة التحويلية

توصف القيادة التحويلية بأنها قيادة واثقة وبأنها تضع مستويات إنجاز عالية، كما أنها تتميز بقيمها وبخاصة عند تحديد الأعمال والقيام بها، فالسلوك الملاحظ يجب أن يكون مطابقا لما يقتنع به الفرد، وتتضمن القيادة التحويلية استباقا للاتجاهات المستقبلية، ودفع وإلهام المرؤوسين ليتفهموا ويعتنقوا الرؤية والمسؤوليات الجديدة، وتتكون هذه القيادة من أربعة أبعاد كما يلي:

1-الكاريزما (تأثير القدوة): يعرف هذا البعد بأنه ” إيجاد القائد لرؤية واضحة وإحساس بالرسالة العليا للمنظمة، وغرس روح الفخر والاعتزاز في نفوس مرؤوسيه وتحقيق الثقة والاحترام من جانبهم “، كما أن هذا البعد يظهر من خلال احترام الآخرين وبناء ثقتهم الثقة بالمنظمة ككل، فالقادة التحويليون يكونون أكثر قدرة على تطوير المرؤوسين وجمع قواهم والتأثير عليهم، خاصة عندما يرى المرؤوسون أن قادتهم يحققون النتائج المرغوبة، فيصبحون أكثر تحمسا للعمل معهم ويعتبرونهم المثل في القيم، والاتجاهات، والسلوكيات.

القائد الكاريزمي في النمط التحويلي ينسجم مع مرؤوسيه ويحقق لهم كل ما بداخلهم بشكل كامل ويعيرهم جل اهتماماته، كما أنه يبتكر مع مرؤوسيه القدرة على قيادة ذاتهم عندما يكون ذلك ضروريا ومرغوبا فيه.

2-الحافز الإلهامي: ويعبر عن تصرفات وسلوكيات القائد التي تثير في التابعين حب التحدي وقدرة القائد في إيضاح وإيصال توقعاته لهم، ويصف أسلوب الالتزام بالأهداف التنظيمية واستثارة روح الفريق من خلال الحماسة والمثالية.

3-الاستثارة الفكرية: وهناك من الباحثين من يسميها بالتشجيع الإبداعي وهي إثارة العاملين لجعلهم أكثر وعيا بالمشاكل التي تعترض تحقيق الأداء الجيد الذي يفوق التوقعات، ويتم ذلك من خلال التعاطف مع الآخرين والاستماع لأفكارهم ومقترحاتهم ومشاركتهم في أحاسيسهم ومشاعرهم.

4-الاعتبار الفردي: ويشير إلى اهتمامات القائد بمشاعر تابعيه من حيث التشجيع والتوجيه والنصح والاستماع إليهم والاهتمام باحتياجاتهم وإنجازاتهم من خلال تبني استراتيجيات التقدير والإطراء واعتماد الاتصال المفتوح معهم، وإسناد الأعمال الصعبة إلى الأفراد الذين يستحقونها. ولغرض تطوير العاملين يفترض بالقائد التحويلي عدم معاملتهم بنفس المستوى لكونهم مختلفين في الصفات والسلوك والقدرة على الأداء الفاعل.

القيادة التحويلية والأداء

إن القيادة التحويلية تعمل على مساعدة العاملين لتجاوز مصالحهم الذاتية، والوصول إلى أهداف جماعية عامة لتحقيق رسالة المنظمة والرؤية المشتركة، فقد توصلت العديد من الدراسات إلى وجود علاقة ايجابية بين عناصر القيادة التحويلية والأداء، حيث تشجع القيادة التحويلية العاملين على إعادة النظر في فرضياتهم، وطرح أفكار جديدة، وهي بذلك تعمل على تطوير قدراتهم وترفع من مستوى أدائهم، كما أن للقيادة التحويلية آثارا إيجابية على فعالية المنظمات، إذ أنها تعمل على رفع مستوى الرضا الوظيفي للعاملين، وتحسين أدائهم، وتقود إلى مستويات عالية من الالتزام التنظيمي، وعلى المستوى الفردي تجعل القيادة التحويلية العامل راضيا عن وظيفته واثقا من قيادته.

الخلاصة

إن القيادة التحويلية هي من أهم الأسس التي تؤهل المنظمات إلى الرقي والابتكار وذلك لا يكون إلا من خلال تبني الإدارة لأسلوب التمكين، والذي يرتكز على إعطاء فرصة للموظفين الأكفاء في تولي جزء من صلاحيات المسئول المباشر وتحمل مسؤولية قراراتهم المتخذة بشأن ذلك.

السابق
تعريف، أهمية، فوائد، ومعوقات تمكين الموارد البشرية
التالي
بحث حول مفهوم، عناصر وخصائص الإعلام والاتصال

اترك تعليقاً