أديان ومجتمع

تعرف على أسباب ظاهرة الطلاق في الوطن العربي ونتائجها

نتائج ظاهرة الطلاق في الوطن العربي

يعد الطلاق من بين المشكلات الاجتماعية التي يعاني من نتائجها المجتمع، وهو يقع لأسباب عديدة ومتنوعة، لكنه غالبا ما يقع بسبب مشكلات يمكن أن تعالج، فأسبابه إذن تختلف من أسرة إلى أسرة باختلاف البيئات والمستوى الثقافي والتعليمي لكل من الزوجين. وسوف نستعرض في هذا المقال الأسباب التي غالبا ما تؤدي إلى الطلاق بين الزوجين في المجتمع العربي.

أسباب ظاهرة الطلاق في الوطن العربي

1- الأسباب المتعلقة بالزوج والأسباب المتعلقة بالزوجة:

ترجع أسباب الطلاق من جانب الرجال إلى أمور كثيرة أهمها: سوء التفاهم وتعدد الزوجات وسوء معاملة الزوجة أو عدم تحمل الزوج لنفقات الأسرة وكذلك الفرق بينه وبين الزوجة في السن، بالإضافة إلى المرض الذي يقعده عن العمل وعن واجباته الأسرية وانحطاطه الأخلاقي وسوء سريته.

أما الأسباب المتعلقة بالزوجة فترجع إلى عدة أمور أهمها كراهيتها للرجل خاصة إذا كان أهلها قد قاموا بتزويجها بشخص لا ترغب به مما يجعلها دائما في حالة توتر، وكذلك العقم أو سوء أخلاقها ورعونة تصرفاته بالإضافة إلى المرض بحيث تتعذر العلاقات الجنسية بينها وبين الرجل، زد على ذلك خيانتها للأمانة الزوجية وارتكابها الفاحشة وإهمالها لشؤون المنزل وكبر سنها، وعدم دخولها في طاعة زوجها وخاصة الاستماع إلى أهلها.[1]

إقرأ أيضا:إدارة الصراع في المنظمة: أسبابه وكيفية معالجته

2- الأسباب الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية:

يمكن حصر الأسباب الديمغرافية للطلاق في مدة الحياة الزوجية حيث أنه كلما زادت المدة كلما قلت حالات الطلاق والعكس، حيث تزيد المعدلات في السنوات الأولى من الزواج، بالإضافة إلى عوامل ديمغرافية أخرى تتعلق بعدم قدرة الزوجة على الإنجاب وكذا عامل السن عند الزواج، حيث تبين الدراسات أن السن المتوسط للزواج في المجتمع العربي يتراوح ما بين (27 سنة) بالنسبة للنساء الأميات و(29 سنة) للواتي أمين المرحلة الابتدائية في المدرسة، و(33 سنة) بالنسبة للنساء اللواتي واصلت دراستهن الثانوية والجامعية، فهناك إذن علاقة عكسية بين العمر والطلاق إذ نجد أن نسبة الطلاق عالية عند الفئات صغيرة السن وتنخفض هذه النسبة كلما تقدم العمر.[2]

أما عن الأسباب الاجتماعية فيمكن إجمالها في تدخل الأهل في الحياة الزوجية وخصوصياتها سواء من طرف أهل الزوج أو الزوجة وعدم التكافؤ بين الزوجين في المستوى الاجتماعي أو الثقافي أو التعليمي أو الأخلاقي أو الديني، وصراع الأدوار بين الزوج والزوجة، فكل منهما يريد لعب الدور الأساسي في الأسرة وحب السيطرة، وإهمال الواجبات والحقوق الزوجية من أحد الطرفين سواء الزوج أو الزوجة.

بالإضافة إلى تطور مركز المرأة الاجتماعي إذ أن “تطور مركزها الاجتماعي هو الأمر الذي يشعرها بحريتها وقيمتها وشخصيتها في الحياة أكثر من عدم عملها ويجعلها أكثر استعدادا للمناقشة حول الحقوق الزوجية وشؤون الأسرة “.

إقرأ أيضا:نظريات التوافق النفسي ومؤشراتها

هذا ويمكن القول بأن الانتقال من الحياة الريفية إلى الحياة الحضرية لدى المجتمع العربي أثر على النظم الاجتماعية الأخرى المكونة للبناء الاجتماعي ومنها النظام العائلي والاتجاه نحو الأسرة النواة بدلا من الأسرة الممتدة الكبيرة، وتبدلت القيم والعادات والمعايير المرتبطة بنظم الزواج والطلاق، وأصبح اللجوء إلى الانفصال بين الزوجين أمر خاصا بهما وحدهما وحظي بقبول اجتماعي وقل الازدراء نحوه.[3]

أما فيما يخص الأسباب الاقتصادية والتي هي من أهم العوامل التي يستند عليها الطلاق في المجتمع العربي، فإنها تظهر حين تضيق سبل العيش ويفشل الزوجان في تحقيق حياة سعيدة مؤدية لأغراضها، فيقلل الزوج من الإنفاق ولا يبالي بعد ذلك بما يكون، خاصة مع ما تعرفه الحياة العصرية من ارتفاع في التكاليف وانتشار البطالة والفقر وبذلك أصبحت العديد من الأسر العربية تعيش في ظروف اقتصادية صعبة وقد تزيد هذه الظروف من الشجار بين الزوجين وقد تنتهي في كثير من الأحيان إلى الطلاق كحل بديل لهذه المشاكل.

وعموما فإنه من الصعوبة بمكان الوقوف على الأسباب المحددة التي تدفع إلى اتخاذ قرار الطلاق، لأن هناك عوامل خاصة وعامة تتداخل وتتشابك فيما بينها تسهم في قرار الطلاق باعتباره قرار خطير يحدث على امتداد فترة زمنية طويلة.

نتائج ظاهرة الطلاق في الوطن العربي

يتم الطلاق بين الزوجين في المجتمع العربي بأكثر من طريقة فإما أن يكون من خلال القرار الشخصي للزوج (بالإرادة المنفردة) أو بطلب من الزوجة (خلع) أو عن طريق القاضي (تطليق) أو بالتراضي بين الطرفين. ومهما كانت الطريقة التي يتم بها الطلاق فإنه يبقى له آثار ونتائج على مختلف أبعاد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية التي تنعكس مباشرة على أطراف علاقة المصاهرة المتمثلة في الزوجين وأطفالهما وأسر والديهما وكذا على بقية أفراد المجتمع الكبير بصورة مباشرة وغير مباشرة. ويمكن إيجاز هذه النتائج فيما يلي:

إقرأ أيضا:مفهوم العولمة الاقتصادية وآثارها وأسباب بروزها

1) النتائج الديمغرافية للطلاق:

يعد الطلاق من الظواهر الاجتماعية الهامة التي تؤثر في الوضع الديمغرافي لتركيب السكان، لأنه يؤدي إلى توقف الحياة الزوجية في المجتمع ولذلك فإن الخصوبة السكانية تقل عادة في المجتمعات التي يرتفع فيها معدل الطلاق، خاصة إذا طالت الفترة التي تقضيها المرأة في حالة الانفصال أو دامت بشكل نهائي.

كما يؤثر الطلاق في نسب ومعدلات الزواج من خلال التأخير في سن الزواج بالنسبة للرجال وللنساء، وارتفاع عدد البالغين غير المتزوجين، وعلى الأرجح العزوبة الدائمة، وبالتالي تنخفض نسب الزواج، ما يؤثر سلبا على مستويات الخصوبة، وهذا بدوره يعد من أخطر المشكلات الديمغرافية التي تهدد التركيبة السكانية خاصة إذا استمرت هذه النسب في الهبوط.[4]

2) النتائج الاجتماعية للطلاق:

تتجلى نتائج الطلاق السلبية من الناحية الاجتماعية في كسره لسوية العلاقات الاجتماعية بين الأسر المتصاهرة وإحلاله القطيعة بين الأهل، فعلى المستوى الأخلاقي ومن منظور الثقافة المحلية يتخذ المجتمع العربي موقفا ونظرة سلبية تجاه المرأة المطلقة بصورة خاصة، إلى حدود تقييد حرية المرأة وشعور الأهل بالخشية والخوف عليها أكثر من الابنة غير المتزوجة، في حين يتسامح هذا المجتمع مع الرجل.

“فالمجتمع إذن يعتبر المرأة المطلقة مذنبة في حق نفسها وحق أولادها، وهي إما أن تحمل لقب مطلقة وتحتضن أولادها، أو أنها تتزوج وتحرم من أولادها وفي كلا الحالتين يؤثر ذلك سلبا على نمو الأطفال وتنشئتهم” حيث يؤدي بهم إلى عدم الإحساس بالثقة بالنفس والاكتئاب ويعزز لديهم سلوك الانحراف.

3) النتائج الاقتصادية للطلاق:

إن ما يترتب على الطلاق من ناحية الزوج هدر المال على الزواج السابق وتحمله دفع الحقوق المالية المستحقة للزوجة المطلقة، علاوة على كلفة زواجه من غيرها. كذلك دفع النفقات المالية لأطفاله الذين أصبحوا يعيشون بعيدا عنه مع والدتهم في بيت أهلها. أما المطلقة فتخسر ما كانت تتمتع به من استقلالية وإعالة مالية كانت من حقها ومن مسؤولية الزوج، الأمر الذي يضعها في موقع اقتصادي- اجتماعي متدين وتحت رحمة الشفقة والصدقة والبحث عن معونة اجتماعية أو رسمية حتى تتمكن من إعالة نفسها وأطفالها.

ظاهرة الطلاق المبكر بالوطن العربي

1) أسباب الطلاق المبكر بالوطن العربي:

الطلاق حالة اجتماعية تنشأ عند فشل الزوجين في الانسجام والتفاهم، وإمكانية التعايش تحت سقف واحد، وبالتالي فشل هذه المؤسسة الاجتماعية المتمثلة في الأسرة، وهو أمر مرفوض من حيث المبدأ اجتماعيا ودينيا إذ يعد أبغض الحلال، لكنه يصبح ضرورة لا بد منها عند استحالة العيش المشترك بمودة ورحمة، لإنقاذ أحد الطرفين أو كليهما. وقد أصبحنا اليوم نرى حالات مستعجلة ومبكرة من الطلاق، فقد يكون بعد زواج لا يتجاوز الأشهر، بل حتى قبل الدخول خلال ما يسمى بفترة الخطوبة. وهذه ظاهرة خطيرة في المجتمع الجزائري، لأنها تعبر عن خلل في نظرة أحد الجنسين إلى الآخر. ويمكن حصر الأسباب التي تكمن خلف بروز وانتشار هذه الظاهرة في مجتمعنا فيما يلي:[5]

  • غياب دور الأسرة العربية في التوجيه والمتابعة، خصوصا في الأشهر والسنوات الأولى من الزواج، فبعد أن كان نموذج الأسرة السائد هو الأسرة الممتدة التي يأتي التوجيه فيها من مصادر عدة للزوجين الجديدين، أصبح الواقع الذي يفرض نفسه اليوم هو ظهور أسرة النواة الصغيرة المكونة من الزوجين حديثي العهد بالمشاكل الأسرية والحياة الزوجية، ما يجعل حكمهما على الأحداث وعلاجهما للمشاكل وحسمهما للخلافات سريعا، بحيث يصبح أفضل وأسرع وأسهل حل قول الزوجة للزوج طلقني أو قول الزوج للزوجة أنت طالق دون مراعاة العواقب التي تحدث فيما بعد.
  • عدم الواقعية وتوقع المشاكل والعقبات عند الإقبال على الحياة الزوجية، وعدم الرغبة في تعلم طرق احتواء المشکلات الزوجية، خاصة إذا تدخل بعض أسر الطرفين بشكل مستمر في حياة الزوجين، وبطريقة هدامة غير بناءة، وهو سبب خارجي، كما أن عدم وجود قوانين صارمة تحد من استهتار الشباب وطلاقهم غير المبرر يزيد من حالات الطلاق.
  • التسرع في اختيار شريك الحياة من دون التمعن في فهم الآخر ونظرته للحياة، وهذا يعتبر من أهم الأسباب المؤدية للطلاق قبل الدخول أو في الأيام الأولى من الزواج وفق المختصين في علم الاجتماع، إذ يكتشف الخطيبان أو أحدهما أنه لا يستطيع التعايش مع الآخر بعد فترة قصيرة من التعامل اليومي، ولذلك يجب التفكير والتوقف كثيرا قبل الإقدام على الزواج، لأن الزواج مسؤولية، وهو قبل هذا موضوع تعايش يجب أن يكون مبنيا على المودة والرحمة والاحترام من كلا الطرفين لبعضهما.
  • الإهمال للحقوق والواجبات الزوجية حيث يمثل الزواج شراكة حقيقية بين الزوجين لقيام أسرة سعيدة متكاملة قائمة على المودة والمحبة، والرعاية التامة للأولاد، وقد رتب الشارع على عقد الزواج حقوق وواجبات على كل واحد من الزوجين بتجاه الآخر، فإذا قام كل واحد منهما بهذه الحقوق قامت بينهما العشرة بالمعروف، وأما إذا أهمل أحدهما بما عليه من حقوق تجاه الآخر فإن ذلك مدعاة لحدوث خلاف وشقاق بينهما يكون سبب في وقوع الطلاق إذا فشلت جهود الإصلاح بينهما.
  • حصول كثير من حالات الزواج عن طريق بعض وسائل الاتصال المعاصرة – كالإنترنت والهاتف النقال – والتي لا يمكن أن تكون وسيلة منضبطة لكلا الطرفين لاختيار الأمثل في الزواج.

2) الانعكاسات الاجتماعية لظاهرة الطلاق المبكر:

تصاعدت أعداد الطلاق المبكر في المجتمع الجزائري في الآونة الأخيرة، وهذه ظاهرة تنذر بالخطر الكبير على كل أفراد المجتمع ومؤسساته المختلفة، وربما كان الطلاق المبكر في ظاهره قضية امرأة استسلمت لقرار غير مسؤول يتخذه الرجل، ولكنه في الحقيقة قضية محتمع ومسؤولية تربية جيل على احترام الزواج كمؤسسة مقدسة لا يصح التلاعب بها. هذا ويترك الطلاق المبكر نظرة سلبية على المطلقة، حيث يتساءل المجتمع عن سبب تطليقها بعد فترة قصيرة من الزواج كما يعاملها على أنها امرأة منبوذة، ولا يمكن الوثوق بها، مهما كانت ظروف طلاقها.


المصادر

[1]  ابتسام حلوان، التقرير الفقهي، العدد السادس، مركز ابن إدريس الحلي، 2008، ص 9.

[2]  عمرية ميمون، تغير نموذج الزواج في الجزائر، رسالة ماجستير، جامعة الحاج لخضر، باتنة، 2008-2009، ص 91.

[3]  مصطفى الخشاب، دراسات في علم الاجتماع العائلي، القاهرة، دار النهضة العربية، د ط، 1985، ص 243.

[4]  محمد عاطف غيث، تطبيقات في علم الاجتماع، الإسكندرية، دار الكتب الجامعية، 1970، ص 229.

[5]  فيصل محمد خير الزراد، المرأة بين الزواج والطلاق في المجتمع العربي والإسلامي، دار الكتاب العربي، 2010، بيروت، لبنان، ص 257.

السابق
كل ما يخص العملية الإرشادية: مفهومها، أهدافها ومراحلها
التالي
تعريف وميادين الخدمات الإرشادية

اترك تعليقاً