علم الاجتماع

تعريف، أهمية، فوائد، ومعوقات تمكين الموارد البشرية

تمكين الموظفين

تعتبر التغيرات الهائلة في البيئة الخارجية للمنظمة المحرك الرئيسي لتطوير آليات وأساليب جديدة في العمل الإداري، ونظرا للمنافسة الشديدة فإن التوجه نحو العمل التطبيقي في بيئات الأعمال يؤكد على أهمية دور العاملين في إحداث التكيف المطلوب من البيئة الخارجية، الأمر الذي تطلب تبني استراتيجيات تدعم قدرات العاملين وتمكينهم من حرية التصرف المباشر لاستغلال الفرص المتاحة وتجنب المخاطر أو التقليل من آثارها.

لقد برز مفهوم تمكين العاملين أو كما يسمى أيضا تمكين الموارد البشرية أو تمكين الموظفين في أواخر الثمانينات ولاقى رواجا كبيرا خلال النصف الأخير من عقد التسعينات من الناحية النظرية والتطبيقية وتتميز هذه الفلسفة الجديدة بأن لا يكون تركيز المدير على التنظيمات المنافسة وإنما على العاملين في المقام الأول.

مفهوم تمكين الموارد البشرية (الموظفين)

إن مفهوم التمكين يعد من المفاهيم الحديثة التي جاءت مع التغيرات الهائلة والسريعة في بيئة الأعمال واتفاقيات التجارة العالمية وبروز المجتمع المدني فضلا عن تطور الفكر الإداري بشكل عام حيث لا يختلف التمكين من الناحية الفنية كثيرا عن المعنى اللغوي، فهو لا يعني مشاركة العاملين شكليا في صناعة القرار ولا يعني الاستماع لهم في اجتماعات مختلفة بل هو إعطاء صوت حقيقي للعاملين مع منحهم وتزويدهم بالمهارات والأدوات والمعلومات ومساعدتهم على التفاعل مع الآخرين وتمكينهم من اتخاذ القرارات المناسبة دون الحاجة إلى موافقة مسبقة من رئيس العمل لإعطائهم الفرصة لإتقان عملهم أو إدارته بطريقة يمكنهم من خلالها تقديم خدمة أفضل للمتعاملين مع المنظمة، ما يحقق التطوير والنجاح التنظيمي، والذي يعد اتجاه حيوي وهام في علم الإدارة الحديث وتزداد أهميته مع تزايد حاجات المنظمات بمختلف أنواعها لتحسين فاعليتها وكفاءتها عبر تكيفها مع البيئة التي تعمل فيها تمهيدا لتحقيق الأهداف التي وجدت من أجلها، فضلا عن التميز على المنظمات المنافسة أي أنه في ظل التمكين يتمتع العاملين بصلاحيات المدير مع بقائهم مسؤولين عن النتائج الناجمة عن قراراتهم.

إقرأ أيضا:بحث حول مفهوم، عناصر وخصائص الإعلام والاتصال

ويعتبر التمكين “نقل المسؤولية بشكل متكافئ من المديرين إلى المرؤوسين كما أنه دعم المرؤوسين بالسلطة ودعوة صادقة للعاملين بالمنظمة للمشاركة في سلطة اتخاذ القرار، وفيه يكون المرؤوس المسؤول عن جودة ما يقرره أو يؤديه”.

والتغييرات الكبيرة في البيئة المحيطة بنشاط المنظمة تعد هي الدافع الرئيسي للتطور الجوهري في الفكر الإداري النظري والتطبيقي للمنظمة، وقد تصاعدت الأهمية الاستراتيجية للعاملين في الخطوط الأولى لاحتكاكهم المباشر بالتغيرات البيئية (الخارجية) مما اقتضى تمكينهم من التصرف مباشرة في الأمور التي تعكس مخاطرا أو فرصا جوهرية للمنظمة.

ويمكن القول بأن تمكين العاملين مبني على المفهوم التشاركي التفاعلي لإنجاز الأهداف الرؤية ورسالة التنظيم الإداري.

تعريف تمكين الموارد البشرية

تعني كلمة التمكين لغة التقوية أو التعزيز، والتمكين هو دعم البنية التحتية في المنظمة، وذلك بتقديم المصادر الفنية وتعزيز الاستقلالية والمسؤولية الذاتية والتركيز على العاملين في المنظمة، ومنحهم القوة والمعلومات والمكافآت والمعرفة وحمايتهم في حالات السلوك الطارئ وغير المتوقع خلال خدمة المستهلك، والتركيز على العاملين الذين يتعاملون مع المستهلك ويتفاعلون معه.

تمكين العاملين والمفاهيم الإدارية الأخرى

حظي موضوع تمكين العاملين باهتمام كبير من قبل العديد من الباحثين منذ بداية عام 1990، مما حذا ببعض الباحثين إلى تسمية عصر التسعينيات بأنه (عصر التمكين) إلا أنه رغم تعدد البحوث والدراسات مازال الغموض والتناقض الشديد بين الباحثين قائما حول مفهوم تمكين العاملين والفرق بينه وبين المفاهيم الإدارية الأخرى مثل: التفويض، والمشاركة، والإثراء الوظيفي.

إقرأ أيضا:مفهوم، خصائص، مستويات، واستراتيجيات التعلم التنظيمي والمنظمة المتعلمة
  • تمكين الموظفين وتفويض السلطة:

يسود اعتقاد كبير أن تفويض السلطة مرادف للتمكين، وفي الواقع إنه يختلف عنه لأن تفويض السلطة يعني ” تحويل جزء من الصلاحيات إلى الآخرين لتسهيل عملية التنفيذ والوصول إلى الأهداف التنظيمية”، فالتفويض لا يلغي مسؤولية المفوض عن النتيجة النهائية للعمل، كما أن التفويض حالة مؤقتة تنتهي بانتهاء المهمة التي تم التفويض لها، أما في التمكين فإن الأفراد الذين تم تمكينهم أي إعطاؤهم سلطة اتخاذ القرارات هم المسؤولون عن النتيجة النهائية، كما أن التمكين أكثر ثراء من التفويض، ففي التفويض تجد المستوى الأعلى يفوض الأدنى في جزئية محددة، ولا يتيح له إلا قدرا يسيرا من المعلومات بالكاد ما يساعد على تنفيذ المهمة، وتكون المسؤولية عن النتائج منوطة بالمفوض وليس بالمفوض إليه، أما في التمكين فتتاح للمستوى الأدنى صلاحيات للعمل أوسع وأعرض في نطاق متفق عليه، وتكون المعلومات مشاركة على المشاع بين الإدارة والعاملين فيما عدا المعلومات الاستراتيجية التي تحتم مقتضيات موضوعية معينة أن تظل سرية، وتقع المسؤولية عن النتائج على الموظف المعني، فإن كانت إيجابية فالحوافز له وإن كانت سلبية فالغرم عليه، حيث يتعين أن يتعلم من ذلك الدرس حتى لا يكرر الخطأ.

 ويعرف مصطلح علم الاجتماع التنظيمي تفويض السلطة على أنه “الحالة التي يتنازل فيها الرئيس عن جزء من صلاحياته لأحد مرؤوسيه، وفي الغالب يكون أحد نوابه لأسباب تتعلق بالبحث عن الفعالية في فترة مؤقتة في غياب وربح الوقت والجهد وتقديم الخدمات في مدة زمنية أقل وأحيانا يتم التفويض الرئيس”.

إقرأ أيضا:تعريف القيادة التربوية، خصائصها وأنماطها
  • تمكين العاملين والمشاركة:

هناك خلط لدى بعض الباحثين بين مفهوم التمكين والمشاركة، ووفقا لتعريف تمكين العاملين تعد عملية المشاركة هي المفتاح الأول والركن الرئيسي لتمكين العاملين خاصة في الصفوف الأولى من التصرف السريع في المواقف الجديدة التي يواجهونها، فالأفراد بدون معلومات لا يمكن أن يتحملوا المسؤولية ولا أن يساعدوا في حل الأزمات التي تعترض العمل.

  • تمكين العاملين والإثراء الوظيفي:

يعرف الإثراء الوظيفي بأنه إعادة تصميم الوظائف بحيث تتضمن تنوع في الأنشطة، بجانب الاستقلالية والحرية للعامل في السيطرة على وظيفته، وتحديد كيفية تنفيذها والقيام بالرقابة الذاتية لأعماله، علاوة على حصوله على معلومات عن نتائج أعماله واتصاله المباشر بمن يستخدم نتاج وظيفته، وبناء على ذلك فالإثراء الوظيفي يعد عملية أساسية لتطبيق تمكين العاملين، حيث يتطلب التمكين إعادة تصميم العمل وإحداث تغيير فيه حتى يشعر الموظف بالفعالية الذاتية وقدرته على التأثير على الأحداث والأفراد والظروف المحيطة بالعمل ومخرجاته.

أهمية تمكين الموظفين

على اعتبار أن التمكين هو أحد الأساليب الإدارية الهادفة للوصول إلى الفعالية التنظيمية، فإن للتحفيز بركنية المادي والمعنوي أهمية قصوى في توجيه السلوك نحو الأداء الإيجابي المطلوب تحقيقه، ولكون الحوافز المادية والتي لها الأثر الكبير في إشباع حاجات متنوعة لدى العاملين فإن الجانب المعنوي أيضا له تأثير عندما يعزز إرادة الفرد نحو العمل والعطاء لرفع كفاءة الأداء في العمل، لذلك فإن على القيادة الإدارية والمنظمات توفير الدعم المعنوي الكافي للوصول إلى تطبيق مفهوم تمكين العاملين، ولعل من الأهداف الإدارية الحديثة هو تطوير الموارد البشرية من أجل التجديد والاستحداث، لذلك فإن أهم متطلبات تمكين العاملين تكمن فيما يلي:

  • إتاحة المعلومات لجميع المستويات التنظيمية وعدم احتكار المعلومات على أنها جزء من القوة.
  • بث المعلومات التي يحتاجها الأفراد بناء على المعرفة المسبقة باحتياجاتهم.
  • تشجيع الأفراد على البحث (Seek Out) عن المعلومات ومحاولة توظيفها بالشكل المطلوب والفعال.
  • نشر المعلومات الخاصة بالأهداف والخطط وتوضيحها للأفراد العاملين.
  • استخدام الوسائل الملائمة لتقديم المعلومات بشكل مستمر.
  • منح حرية التصرف والمشاركة لجميع أفراد التنظيم الرحاحلة.

مبررات تمكين العاملين

إن من مبررات التمكين تفويض السلطة بسبب التحول الكبير في مهام المنظمات والانتقال من الدور التقليدي إلى الحديث في مجتمع معاصر، وهذا ما أدى إلى جعل ممارسة السلطة معقدة جدا ولاسيما أنها تنحصر في أيدي أشخاص يمارسونها في اتخاذ القرارات، كما يعتبر اتساع نطاق الخدمات وتشعبها وتوزيع السلطة على عدد كبير من الأشخاص لتلبية الاحتياجات المتجددة من مبررات التمكين، كما أن التمكين يساهم في تحقيق إنجاز الأعمال بصورة أكثر فعالية من خلال استعمال أفضل الجوانب المتعلقة باستثمار الموارد البشرية، كما وجعل الأداء المراد انجازه من قبل الأشخاص أكثر معنی وحرية وواقعية.

فوائد تمكين العاملين

  • يساهم التمكين في تحسين نوعية الخدمات المراد تقديمها للزبائن من خلال تصميم المنتجات والعمليات على وفق متطلباتهم وحاجاتهم وتعزيز سرعة الاستجابة لحاجات الزبائن.
  • السماح للأشخاص بحرية التصرف واستقلالية التفكير مما يترتب عليه بذل الجهود المضاعفة في العمل وبكفاءة أكبر تخدم أهداف المنظمة وتوجهاتها.
  • تعزيز الفاعلية التنظيمية جراء تحمل جميع الأشخاص من العاملين المسؤولية في تحقيق ذلك والتأكد من فاعلية الأداء المنجز، إيجاد مواقع عمل تمتاز بتوافر الممارسات الديمقراطية فيها وإزالة القيود البيروقراطية في الأداء من جراء انتقال سلطة صنع القرارات واتخاذه من مواقعها التقليدية إلى مواقع أدنى وذلك من شأنه أن يساهم بتسريع الانجاز الكفء والفاعل.
  • تطبيق التمكين يؤدي إلى تعزيز المواقف السلوكية الايجابية للعاملين كالرضا والولاء والالتزام ودافعيتهم للإنجاز وبذلك يعطي للعمليات المنجزة بعدا أشمل في التطوير والتحسين.
  • تعزيز الثقة بالقدرات الذاتية للأشخاص وتقليل الأخطاء الناتجة عن العمل وتخفيض الكلفة ويكون القرار المتخذ من قبل العاملين أكثر تأثيرا على الزبائن ولاسيما أن التصاقهم بالمستهلكين وحاجاتهم أكبر من الأداء.

معوقات تمكين العاملين

إن للتمكين مزايا كثيرة يعبر عنها بمؤشرات ارتفاع الانتاجية وتحسين جودة المخرج (خدمة أو منتج) وانخفاض نسبة الغياب ودورات العمل وزيادة التعاون مما قد يؤدي الى حل المشاكل وعدم وجود صراعات وهذا بدوره يؤدي إلى التطوير والتحسين المستمر الناتج عن ابتكارات الأفراد وبالتالي ارتفاع قدرة المنظمة على التنافس.

وبالرغم من المزايا التي يحققها التمكين إلا أن هناك معوقات في تطبيق وانتشار هذه الممارسة الإدارية وأهم هذه المعوقات:

  • تمسك المدراء بالصلاحيات والمسؤوليات خوفا من مقدرات النفوذ والسيطرة والتمسك بالمركزية الشديدة.
  • الخوف من الانجاز الذي سوف يحقق للأفراد نتيجة ممارسة التمكين الإداري وبالتالي فإن القادة والمدراء الذين لا يملكون المهارات والقدرات الإبداعية سوف يؤثر على موقفهم هذا الانجاز ويشعرهم بالضغط وفقدان ما يميزهم.

الخلاصة

يعتبر تمكين الموظفين من الأساليب الإدارية الحديثة التي تتبناها الإدارات المعاصرة في مختلف المنظمات على اختلاف نشاطاتها، وهذا الأسلوب يعتمد على أداء الموظفين في المرتبة الأولى واجتهادهم وكذا كفاءتهم المهنية الجيدة والتي تؤهلهم إلى تحمل مسؤولية قراراتهم.

السابق
مفهوم، خصائص، مستويات، واستراتيجيات التعلم التنظيمي والمنظمة المتعلمة
التالي
بحث كامل عن القيادة التحويلية: مفهومها وأبعادها

اترك تعليقاً