الحياة والسياسة

تعريف الأزمة وأسبابها

تعريف واسباب الازمة

مفهوم الأزمة

يختلف مفهوم الأزمة باختلاف طبيعتها، فهناك الأزمة السياسية والأزمة الاقتصادية والأزمة الاجتماعية وغيرها، وارتباط هذه العناصر ببعضها البعض يدل دلالة قاطعة على وجود أزمة حضارية شاملة، ففي هذا الشأن يمكن تعريفها على “أنها علاقة اجتماعية بين متغيرين مختلي التوازن”.

ويمكن تقديم تعريفا آخرا للأزمة كما يلي: “إن الأزمة هي ذلك الخلل الهيكلي والوظيفي الذي يقع فيه النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي” ويمكن الاستناد في ذلك إلى أربعة تصنيفات لألموند باول وخمسة مظاهر للوباي فيما يخص الأزمة السياسية وذلك كما يلي:[1]

التصنيفات الأربعة هي كالآتي:

  1. أزمة بناء الدولة: ويعني بها وجود تهديد خطير للدولة.
  2. أزمة بناء الأمة: ويعني بها انتقال الولاء من شيخ القبيلة إلى السلطة المركزية.
  3. أزمة المشاركة: وهي زيادة المطالب حول المشاركة السياسية.
  4. أزمة التوزيع: وتحدث عند زيادة المطالب حول توزيع الموارد والقيم.

أما مظاهر لوباي الخمسة فهي كالآتي:

  1. أزمة الهوية: يقابلها أزمة بناء الدولة عند ألموند.
  2. أزمة الشرعية: اختلال العلاقة التي تربط الحاكم بالمحكوم.
  3. أزمة التغلغل: وهي مدى قدرة النظام على نشر مؤسساته السياسية.
  4. أزمة الاندماج: وتشير إلى مدى تنظيم النظام السياسي في شكل علاقات متفاعلة.
  5. أزمة التوزيع: وهي الزيادة السريعة في المطالب الشرعية المتعلقة بالمنافع المادية.

فالأزمة تخلق بالضرورة أوضاعا اجتماعية غير عادية تتخللها اضطرابات ضد الأوضاع السائدة، أو حتى رفض النظام السياسي القائم والمطالبة بتغيرات سياسية جذرية.

إقرأ أيضا:ماذا تعني الليبرالية

ويتداخل مفهوم الأزمة مع مفاهيم أخرى متقاربة معه، فهناك من يستعمل كلمة إشكالية، وهناك من يستعمل كلمة مشكلة، وذلك للدلالة على وجود نوع من الاختلال.

أما إذا عدنا إلى مفهوم الأزمة فإننا نقصد بها الخلل الذي يقع داخل النظام مما يؤدي إلى اختلال التوازن داخله، وعليه فإن مفهوم الأزمة أوسع من مفهوم الإشكالية ومفهوم المشكلة، ويمكن أن نقول إن مفهوم الأزمة يضم في ثناياه كلا من المفهومين، باعتبار أن الأزمة إنما تحدث بتوافر عناصر كامنة في ذاتية النظام نفسه وكذا ما يحيط بهذا النظام من مشكلات.

أسباب الأزمة

قد تتعدد الأسباب المؤدية إلى حدوث الأزمة، وقد تتداخل هذه الأسباب لتكون أزمة متعددة الجوانب والتأثيرات، وذلك حينما تتشابك المؤثرات الداخلية بالعوامل الخارجية والتي من شأنها أن تؤدي إلى وجود عدم التوازن بين المجموعات ومصالحها من جهة، وبينها وبين السلطات من جهة أخرى.

ويمكن أن تكون هذه الأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وقد تنعكس كذلك في أسباب ثقافية نابعة من صلب المجتمع وتشكيلاته المتعارضة. وبهذا سوف نتعرض لهذه الأسباب بشيء من الإيجاز فيما يلي:[2]

الأسباب السياسية

تمثل الأسباب السياسية عاملا هاما في حدوث وتطور الأزمة، وذلك من جانب كونها حادثة عن سوء العلاقة بين النظام وسلطته من جهة وبينهما وبين المجتمع من جهة أخرى، وقد تتطور هذه الأزمة إذا ما عرفت هذه العلاقات تدهورا مستمرا معبرا عن وجود هوة كبيرة بين ما ينتجه النظام وما يرغبه المجتمع، وبذلك فإن المسار السيئ لعناصر النظام السياسي يعتبر أهم مأزق وأخطر ما يمكن أن يقع في النظام والسلطة السياسية الحاكمة في مواجهة المطالب المجتمعية، وكذا في مواجهة التحديات التي تأتيهما من البيئتين سواء البيئة الداخلية أو البيئة الخارجية.

إقرأ أيضا:سياسات واستراتيجيات التسعير في التسويق

ويمكن أن نتعرض لهذه الأسباب وفقا لما تقتضيه ضرورات هذا البحث فيما يلي:

  • غياب سلطة قوية وموحدة تعمل على تنظيم الحكم وتوجيه العملية السياسية على إحداث تغيرات تنظيمية وسياسية.
  • انحسار مكانة السلطة وهيمنتها نتيجة لضعفها، وغالبا ما يقرن ذلك بعدم قدرة السلطة ونظامها السياسي على إدارة وتحقيق وظائف النظام، وهذا الفشل يمكن أن يفقد المواطن ثقته بالسلطة.
  • فشل مؤسسات النظام السياسي في القيام بوظيفة بلورة المصالح وتجميعها، وهذا ما ينعكس على العملية البيروقراطية، وهنا تتحول هذه الأخيرة من جهاز خدمة إلى جهاز حكم، ويؤدي ذلك إلى تقوية الجهاز البيروقراطي وإعطائه وظائف من شأنها أن تتولاها الأحزاب السياسية وجماعات المصالح الأخرى، وهذا ما يسفر عن تأزم حقيقي في العملية السياسية التي تتم من دون قواعد محددة للعبة السياسية.
  • اهتزاز شرعية النظام السياسي وسلطته، وهذا ما يمثل عنصرا رئيسيا في نشوء أزمة حادة، مما يؤدي إلى تقليص الحريات الأساسية وزيادة القهر والبطش ضد القوى السياسية، الأمر الذي يفتح المجال واسعا أمام إمكانيات تمرد وعصيان تكوينات اجتماعية ظرفية أو هامشية، مما يقوض الشرعية التي يقوم عليها النظام ويفقده رضا وقبول المجتمع به وبسياساته المتبعة.
  • استشراء الفساد السياسي والإداري الذي يمارسه شاغلو المناصب السياسية والإدارية والاقتصادية العليا في الدولة، وهو ما يطلق عليه البعض “فساد القمة” وهو ما يؤدي إلى انتشار الفساد على مستويات إدارية وظيفية أدني، وهذا ناتج عن ضعف أو غياب أجهزة الرقابة والمساءلة والمحاسبة على المستويين الرسمي والشعبي، الأمر الذي يهدد برامج التنمية، معبرا بذلك عن وجود أزمة.

هذا بالإضافة إلى جميع الأسباب التي تؤدي إلى اختلال التوازن بين النظام السياسي ومؤسساته، والتي تكون ناتجة أولا وأخير من مراكز سياسية عليا، وتؤثر تأثيرا مباشرا وفعالا في مراكز اتخاذ القرار السياسي الذي ينعكس على جميع المجالات.

إقرأ أيضا:مفهوم الاستثمار وأدواته

الأسباب الاقتصادية

تعد الأسباب الاقتصادية ذات أهمية كبيرة لا تقل عن سابقتها في نشوء وتطور الأزمة على اعتبار أن العامل الاقتصادي له تأثيرات مباشرة على الفئات الاجتماعية في كل المستويات، والذي من شأنه أن يؤدي إلى إحداث التوازن بين المطالب والقدرات، أو أن يؤدي إلى التوازن والاختلال في هذه العلاقة، وهذا ما يسفر عن أزمة حقيقية ذات أبعاد اقتصادية تنعكس على جميع المستويات.

وإذا أخذنا العوامل الاقتصادية التي يمكن أن تعبر عن وجود أزمة أو ربما تؤدي إلى حدوثها فإنها متشعبة وكثيرة، ولكننا نذكر في هذا المقام أهم هذه الأسباب على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، ويمكن أن نوجز هذه الأسباب فيما يلي:

  • ضعف الأداء والمردودية الاقتصادية للمنشآت والتجهيزات التي كلفت المجتمع تكاليف ضخمة وتضحيات كبرى، مما ينتج عنه العجز المالي المستمر الذي تعانيه الوحدات الإنتاجية.
  • عدم دفع الاستثمارات المنتجة وبخاصة في قطاعات الصناعة، إضافة إلى التأثيرات السلبية التي تحدثها عمليات إعادة الهيكلة والتي تزعزع استقرار القاعدة الاقتصادية، وينعكس ذلك في إضعاف فرص التنمية والتكامل الاقتصادي.
  • ندرة الموارد من جهة وسوء توزيعها من جهة أخرى، مما ينتج عنه تفشي الفقر وشيوع الفاقة داخل قطاعات واسعة، وهذا ما يصاحبه تفاوت اقتصادي واجتماعي يولد العنف السياسي، حيث يذهب ماركس إلى أن الاستغلال الذي تمارسه الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج على الطبقات التي لا تملك سوى قوة عملها هو سبب الثورة متى وعى المستغلون حقيقة مستغليهم وقدرتهم على تغيير هذه الأوضاع.
  • إجهاض الإصلاحات الاقتصادية بسبب بعض الآفات كالرشوة الواسعة النطاق والتي تمس أعلى المستويات، والرشوة والفساد يكلفان خزينة الدولة أموالا طائلة، وهذا ناتج عن غياب دولة القانون، الأمر الذي يسمح بنمو مثل هذه العمليات، وفي ظلها لن يستقيم الاقتصاد في ظل عدم الاستقرار السياسي وغياب العدالة التوزيعية.
  • إن وجود تبعية اقتصادية للخارج يجعل الاقتصاد الوطني مرهونا بما تمليه عليه المنظمات المالية الدولية، وهذا ما يجعل منه اقتصادا هشا تابعا غير قادر على المبادرة والتطوير، بل يقتصر دوره على التأقلم مع الظروف الخارجية، ومحاولة تحقيق نوع من التوازن الداخلي، وإذا ما عجز عن تحقيق هذا التوازن فإن ذلك سيؤدي إلى وجود خلل ضمن العملية الاقتصادية، لابد من معالجته حتى لا يتحول إلى فجوة تنفد من خلالها مشاكل أخرى قد تتحول فيما بعد إلى أزمة حقيقية داخل النظام بأكمله.

وعموما فإن العوامل الاقتصادية تعتبر من أبرز العوامل على تطور الأزمات وتعقيدها، خاصة إذا ما ارتبطت بعوامل سياسية، اجتماعية، ثقافية تغذيها، كما أن الأسباب الاقتصادية تنبع من كل مجتمع وحسب التطور الحاصل فيه، وكذلك تبعا لما يطلبه ذلك المجتمع، وقدرات النظام السياسي وما يستطيع تقديمه.

الأسباب الاجتماعية

قد تنشأ الأزمة من عوامل وأسباب اجتماعية ناشئة عن اختلال التوازن الاجتماعي بين مختلف الطوائف والشرائح، أو بينها وبين النظام السياسي والسلطة السياسية الحاكمة فيه، وينعكس هذا الوضع في أزمة اجتماعية يمكن أن تمس مختلف المجالات.

ويمكن أن نوجز أهم الأسباب الاجتماعية التي تؤدي إلى حدوث الأزمة فيما يلي:

  • تزايد لجوء الدولة إلى السياسات والممارسات القمعية لضمان سيطرتها على المجتمع.
  • التنافس بين مختلف القوى الاجتماعية المتعددة في المبادئ الفكرية والسياسية، الأمر الذي يؤدي إما إلى انتقال مدروس نحو توازن جديد للقوى الحزبية والسياسة، أو سقوط النظام تحت مطرقة الضغط الاجتماعي المتصاعد، وعدم وجود قنوات صالحة لاستيعاب هذا الصراع وإعادة تأسيسه سلميا.
  • الوعي بالحرمان، بمعنى إدراك الجماعات التي تعاني الحرمان حقيقة الأوضاع ومدى قدرتها على تغييرها، وهنا تبرز أهمية الإيديولوجيات والجماعات في تعبئة الجماهير ضد النظام وترسيم صورة المستقبل أمام الفئات التي تعاني الحرمان.
  • اتساع ظاهرة التهميش في المجتمع مما يؤدي بهذه الفئات المهمشة إلى العزوف عن الاهتمام بالسياسة ومؤسساتها، وهكذا يتولد الانفصام بين عالم التهميش والنخب السياسية والاقتصادية، وهو ما يولد علاقات الإقصاء والامتناع بين العالمين، وتتخذ ردود أفعال المهمشين في أشكال من التمرد الجماعي أو الارتباط بحركات الاحتجاج الديني.
  • فشل المؤسسات الاجتماعية وعجزها عن أداء دورها ووظيفتها، فضلا عن الجمعيات المهنية والتضامنية التي تعاني حالة من الاضطراب والاختلال نظرا إلى عمق التحولات التي تواجه المجتمع، واستخدامها من قبل السلطة في إنتاج نسق للقيم يعمق من حالة الاضطراب، ويرتبط بذلك اتساع الفجوة بين الشرائح والفئات الاجتماعية.

الأسباب الثقافية

يلعب العامل الثقافي دورا هاما في تقدم الأمم وتطورها، ولذلك وجبت العناية بهذا الجانب وعدم إغفاله.

وقد تحدث الأزمة نتيجة الاختلال في سلم القيم والمعايير التي تحكم وجود المجتمع وتنظمه، بما هو مجموعة من العلاقات ذات الطابع المؤسسي التي تخضع لقواعد تحظى بالاتفاق النسبي للأفراد والجماعات، “ويتجلى هذا الاختلال القيمي بحدة في غياب إطار مرجعي يمثل قاعدة مقبولة لبلورة نماذج الفعل وأنماط السلوك والعلاقات، وفي الوقت ذاته معيارا لتقويم تلك النماذج والأنماط الفعلية مقابل نموذج فعلي مثالي، وصولا إلى توزيع الجزاءات المستحقة في كل حالة”.

وتعتبر قضية الهوية هي البذرة الجنينية الأولى للمجتمع السياسي، ومازالت محل خلاف في معظم الأقطار العربية.

وفي إطار الاهتمام بالجانب الثقافي للأزمة فإن ذلك يرتبط إلى حد كبير بعجز المجتمع عن تحقيق النقلة النوعية من الوضعية التقليدية القائمة على أساس البنى الاجتماعية الخاضعة الروابط الدم والعرق والانتماء، لمجموعات تضامنية محدودة في الزمان والمكان تحدد هويتها عوامل مثل الدين واللغة، إلى مجتمع عصري يقوم على التنوع والتعدد.


المصادر

[1]  سالم صالح زرتوقة، أنماط الاستلاء على السلطة في الدول العربية 1950-1985، مكتبة مذيولي، القاهرة، 1993، ص73.

[2]  حسين توفيق إبراهيم، النظم السياسية العربية – الاتجاهات الحديثة في دراستها، ص66-67.

السابق
أساليب معاملة الوالدين للابناء في الإسلام
التالي
مفهوم ووظائف الأحزاب السياسية

اترك تعليقاً