علوم الإدارة

تعريف الإدارة العامة وعلاقتها بالعلوم الأخرى

الادارة العامة

الإنسان اجتماعي بطبيعته يتكتل مع بني جنسه في مجموعات بشرية ذات اهتمامات مختلفة ومتنوعة. لذا “فوجود الإدارة حتمي في كل التجمعات البشرية التي تمتلك إمكانيات مادية وفنية وطبيعية، تساعدها على تحقيق أهدافها وتنفيذ واجباتها”.

وهذا، ما أدى إلى ظهور ما يطلق عليه في وقتنا الحاضر “دولة الخدمات العامة” أو الإدارة العامة ممثلة في الأجهزة التنفيذية للدولة التزمت بوضع هذه البرامج موضع التنفيذ. فاهتمامات الحكومة تحولت خلال هذا القرن من الأنشطة التقليدية التي كانت تضطلع بها – كجباية الضرائب، والجمارك، الدفاع، الأعمال البريدية ..إلخ. إلى مصممة ومنفذة لبرامج تعنى بتقديم كافة أنواع الخدمات العامة لمواطنيها وتنميتهم اقتصادية واجتماعيا. ومسؤولية الأجهزة الإدارية هي استخدام الموارد المتاحة لوضع هذه السياسات موضع التنفيذ.

إذا فالإدارة العامة هي الركيزة الأساسية للدولة الحديثة، حيث أن رسم السياسة العامة بدقة ليس كافيا، بل لا بد من وجود جهاز تنفيذي فعال يعتمد على أساليب إدارية حديثة تكفل تقديم الخدمات العامة في أقصر وقت وبأقل تكلفة ممكنة. إن أي تنظيم، أيا كان هدفه يحتاج إلى الإدارة، الوزارة، الجامعة، المصنع، الشركة، المدرسة… وغيرها، لا بد لكل منها من وجود إدارة تعينها على أداء أنشطتها المختلفة. ونجاح أي من هذه التنظيمات يعتمد على كفاءة ونوعية جهازها الإداري ومقدرته على التطوير والتجديد والإبداع ليواكب متطلبات مجتمعه وبيئته الخارجية.

إقرأ أيضا:بحث كامل حول اتخاذ وصنع القرار الإداري

مفهوم الإدارة العامة

الحديث عن الإدارة العامة لا بد أن ينطلق من وضع تعريف لهذا الحقل يبين حدوده ويميزه عن غيره من العلوم الاجتماعية. لكن حتى الآن لم يتفق الكتاب والمهتمون بموضوع الإدارة العامة على مثل هذا التعريف. والصعوبة في إيجاد مثل هذا التعريف المجدد والمقبول لدى الجميع ناتجة عن تباين الخلفيات العلمية ووجهات النظر في دراسة ظاهرة الإدارة العامة ومن النمو السريع للإدارة العامة خلال هذا القرن، واتساع اهتماماتها لتشمل جميع أنشطة الدولة. بالإضافة إلى إشراك الإدارة العامة مع العلوم الاجتماعية كعلم النفس والاجتماع والاقتصاد وغيرها في كثير من المبادئ والنظريات والمفاهيم.

إلا أن هناك العديد من المحاولات من المنظرين والمهتمين لوضع تعريف للإدارة العامة. ليونارد وایت (Lionard White) وهو أول من كتب مؤلفا علميا في هذا الموضع بعنوان “مقدمة في دراسة الإدارة العامة” في عام 1929م عرفها بأنها “جميع العمليات التي من شأنها تنفيذ السياسة وتحقيق أهدافها“.

هذا التعريف يغطي مختلف العمليات في كافة الميادين كما يتناول كافة أوجه أنشطة الحكومة الأمن والتعليم والصحة والأشغال العامة… نایجرو ونایجرو عرفا الإدارة العامة على أنها مجهودات جماعية تعاونية تشمل فروع السلطات الحكومية الثلاث: القضائية، والتشريعية والتنفيذية وعلاقتها مع بعضها. وهي تلعب دورا مهما في صناعة السياسات العامة وأخيرا تختلف اختلافا جوهرية عن الإدارة الخاصة”.

إقرأ أيضا:كيفية ومراحل تشكيل وتطوير فريق عمل ناجح

بينما أشار دوايت والدو (D . Waldo) إلى صعوبة إيجاد تعريف جيد للإدارة العامة إلا أنه بالإمكان صياغة جمل تعريفية قصيرة تعرف الإدارة العامة، فقد عرفها بأنها “عملية تنظيم وإدارة الأشخاص والموارد لتحقيق أغراض الحكومة“.

كما عرف “والدو” الإدارة أيضا بأنها هي فن وعلم الإدارة كما يطبقان في شؤون الدولة.

ويؤخذ على هذا التعريف إغفاله للعمليات الإدارية كالتخطيط، التوظيف والتمويل… الخ. لذا حاول بعض العلماء معالجة هذا القصور بجمع أكبر قدر ممكن من وظائف العملية الإدارية في تعريفهم للإدارة. فقد عرف العطار الإدارة بأنها “هي تنظيم وتوجيه وتنسيق ورقابة مجموعة من الأفراد داخل المنظمة لإتمام عمل معين بقصد تحقيق هدف معين”.

كما أورد الغلاييني أربعة تعاريف للإدارة العامة أولها أن الإدارة العامة هي: “إدارة تنظيم الطاقة البشرية والمالية التحقيق الهدف بشرط أن يكون الهدف مقبولا” وقد يقصد بها “تنظيم الأعمال التي تختص بها منظمة حكومية موكل إليها تنفيذ السياسة العامة” قد تطلق على “إدارة وتنظيم أعمال الحكومة“. وأخيرا قد عرف “بإدارة وتنظيم وتنسيق المجهودات المختلفة لتنفيذ السياسة العامة.

غير أن هناك بعض المآخذ على هذه التعاريف لمفهوم الإدارة العامة منها على سبيل المثال: يعمد بعض هذه التعاريف إلى إسقاط مواضيع تعتبر من صميم أعمال الإدارة العامة، والبعض يلجأ إلى الإسهاب والشمولية في التعريف مما يجعل الإدارة العامة تتداخل مع غيرها من العلوم الاجتماعية.

إقرأ أيضا:أنواع التنظيم في الإدارة

إلى ذلك يشير فريدريك موشير (F Mosher) بأن تعريف الإدارة العامة إما أن يأتي ضيقة للغاية لا يفي بوصف واقع الحال، أو واسعا ومع ذلك لا يمكنه التعبير عن كل موضوعاتها، لذا فمن الضروري تحديد المقصود بمصطلح “الإدارة” أولا ثم مصطلح “عامة” ثانية للوصول إلى فهم حقيقة الاصطلاح “إدارة العامة”. كلمة إدارة (Administration) أصلها اللاتيني “Ad” بمعنى To من أجل و(minister)، بمعنى serve يخدم والكلمة كلها تعني To Serve ومعناها لكي يخدم. فالإدارة بذلك تعني: مجهودات بشرية لإنجاز أهداف محددة هي خدمة الآخرين.

لفظ إدارة دائما يأتي مقرونا بأحد الصفتين “عام” أو “خاص”. فإذا ما قورن بالصفة الأولى “عام” دل على إدارة الدولة التي تستهدف الصالح العام. وإذا ما أضيف إلى الصفة الثانية “خاصة” دل على إدارة المشروعات الصناعية والتجارية التي تستهدف الربح.

والإدارة العامة بهذا المفهوم تعني “توجيه الجهود البشرية من خلال التخطيط، والتنظيم، التنسيق…وغيرها من العمليات الإدارية لممارسة الأعمال والأنشطة الحكومية بما يحقق أهداف المجتمع.

علاقة الإدارة بالعلوم الأخرى

العلاقة بين الإدارة العامة والعلوم السياسية

من الأهمية بمكان أن نعرف طبيعة العلاقة بين الإدارة العامة وعلم السياسة، لذا تعتبر الإدارة العامة النشاط الذي يتعلق بتنفيذ الأهداف العامة للدولة. وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الصلة قوية بين الإدارة العامة وعلم السياسة.

فالأهداف العامة ورسم الخطوط العريضة والخطط الأساسية والمحافظة على القيم الاجتماعية ترسم عن طريق السياسة العامة للدولة بمعنى أنها خارجة عن نطاق الإدارة. فالإدارة تقوم بعملية التنفيذ وما يتعلق بالتفصيلات للأهداف العامة والتطبيق العملي.

وعلى الرغم من الاختلاف المتباين بين علمي الإدارة والسياسة، إلا أن علم الإدارة يعتمد على علم السياسية اعتمادا كبيرا. فالسياسة تحدد وترسم الاتجاه العام للدولة، والإدارة العامة تشرف على الوصول إلى تحقيق الأهداف المنشودة وهذا يوضح لنا أن رقابة السلطة التشريعية على الإدارة العامة لا يعني بأنها فرع من فروع علم السياسة. فالإدارة العامة تهدف إلى تحقيق وإنجاز الأهداف العامة كما أشار الخبراء بأنها “نشاط الجماعات المتعاونة في خدمة الحكومة في الإدارة التنفيذية على وجه التخصيص لتحقق أهدافا عامة مرسومة يعبر عنها بالسياسة العامة.

الإدارة العامة تلعب دورا هاما في المشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات وإبداء الرأي والمشورة ورفع التوصيات إلى الجهات العليا للأخذ بها لأنها الجهات ذات الصلة الوثيقة بالتنفيذ.

العلاقة بين الإدارة العامة والقانون الإداري

ينحدر علم الإدارة العامة والقانون الإداري تحت ما يعرف باسم العلوم الإدارية، إلا أن لكل منها ذاتية الخاصة به، فالقانون الإداري يعتبر مجموعة من القواعد القانونية الملزمة المتعلقة بتنظيم المصالح العامة ونشاطها، وبعلاقات هذه المصالح العامة بالأشخاص، لذا فالقانون الإداري يوضح الأنظمة والقواعد التي تنظم الإدارة العامة من ناحية تأسيسها وتنظيمها ونشاطها. إضافة إلى ذلك يحدد القانون الإداري الطرق والوسائل والأساليب والإجراءات التي تمارسها الإدارة العامة في نشاطها.

وعلم الإدارة العامة يعني بإيضاح كيفية أداء الإدارة العامة للمهام المنوطة بها، لذا فهو نشاط يهتم بإنجاز الأعمال في المجال الحكومي. والإدارة العامة تخضع لأحكام القانون الإداري ولكنها ليست جزءا منه، وفي نفس الحال ليس القانون مساوية أو موازية للإدارة العامة وفي هذا الشأن أشار الخبراء إلى “أن الإدارة العامة تسير وتحيا في فلك القانون الإداري، وخضوع الإدارة العامة الأحكام القانون الإداري لا يجعلها جزءا من القانون الإداري.”

إن لعلم الإدارة العامة صلة وثيقة بالقانون الإداري. فالإدارة العامة تتأثر بالقانون، فإذا كان أفراد المجتمع يلتزمون باحترام القانون فإن مسئول الإدارة العامة أكثر التزاما في عمله وفقا للأنظمة المطبقة. وإن جنح إلى ارتكاب خطأ، فإنه يحال إلى المحاكم الإدارية التي تقوم على أساس المواءمة بين مصالح الأفراد ومصالح الإدارة في نفس الوقت. ومن هذا المنطق نجد أن بعض المحاكم لا تتقيد بأحكام قانونية معينة بل تلجأ أحيانا إلى ابتكار بعض القوانين المناسبة لإقرار الصالح العام دون المساس بمصالح الأفراد.

العلاقة بين الإدارة العامة وعلم الاجتماع

يركز علم الاجتماع اهتماماته في المشكلات المتعلقة بالمجتمعات الإنسانية ويعتبر أحد الروافد الرئيسية في العلوم السلوكية والمفاهيم المتعلقة بالسلوك الإداري. ويعتبر دراسة المجتمع والجماعات مجالا مهما لعلم الاجتماع، حيث يركز على دراسة أنواع الجماعات والأسس التي تقوم عليها وعلاقاتها ببعضها البعض، ولذلك أهمية كبيرة لكون الجماعات ذات تأثير كبير على تفكير الإدارة وسياساتها وبرامجها ونشاطها.

ولرواد علم الاجتماع إسهامات في دراسة جانب من جوانب الإدارة العامة، إذ يعتبر ماكس فيبر (Max Weber) أحد المهتمين بدراسة البيروقراطية، وقد توصل إلى تنظيم له خصائص وقواعد الحكم العمل والعاملين في الإدارة.

إن علم الاجتماع ذو صلة وثيقة بالإدارة والتنظيمات الاجتماعية فهو يهدف إلى دراسة ومعرفة القواعد والتقاليد التي تحكم العلاقات بين الأفراد داخل المنظمة، مما سهل على المدراء معرفة أمور كثيرة عما يدور أو يحكم عمل الجماعة أو الفرد وخاصة التنظيمات غير الرسمية وعلاقاتها بالتنظيمات وأي مفاهيم أخرى لها صلة تؤثر على الجماعة بما يخدم أهداف التنظيم والعاملين.

العلاقة بين الإدارة العامة وعلم النفس

تركز دراسات علم النفس على الاهتمام بالعنصر الإنساني، فدارسو علم النفس تنصب اهتماماتهم على دراسة الفرد وانطباعاته ومشاعره، فالمفاهيم الشخصية، والدوافع والإدراك، وسيكولوجية النمو، والقيم والاتجاهات والعوامل البيئية والوراثية في نمو الفرد وسلوكه هي مفردات علم النفس وتلعب هذه الأنماط السلوكية دورة أساسية في التأثير على سلوك الفرد وإنتاجيته داخل المنظمة.

فأهداف علم النفس مثلا تساهم في خدمة الإدارة العامة ومنها زيادة الكفاءة الإنتاجية والانسجام، إيجاد نوع من الاستقرار الوظيفي عن طريق حل الصراعات والمنازعات ومصادر الشكاوى، تحسين نوعية العمل بشكل لا يفقد الموظف الاهتمام والحد من قدرته. وأخيرة معرفة النمط الثقافي وخاصة القيم والاتجاهات السائدة في داخل التنظيم.

العلاقة بين الإدارة العامة والاقتصاد

تتوافق دراسة الاقتصاد مع دراسة الإدارة العامة في كثير من الوجوه، إذ أن المالية العامة والميزانية والحساب الختامي والإدارة المالية مثلا تعتبر موضوعات أساسية حيث يشترك في دراسة هذه الموضوعات دارسو الإدارة العامة الاقتصاد على حد سواء.

فالدولة تقوم بإرساء القواعد الأساسية للاقتصاد العام وتوكل مهمة التنفيذ إلى الأجهزة الإدارية، وعليه فالإدارة الحديثة تمارس نشاطات ذات طابع اقتصادي مثلا تحديد مصادر الإيرادات وأوجه الإنفاق والحسابات الختامية والرقابة المالية…الخ.

السابق
أنواع التخطيط والعوامل المؤثرة فيه
التالي
ما هو الفرق بين الإدارة العامة وإدارة الأعمال

اترك تعليقاً