علم الاجتماع

تعريف ومناهج ونظريات علم الاجتماع السياسي

علم اجتماع السياسي

علم الاجتماع السياسي هو علم حديث لم يتبلور إلا في منتصف القرن العشرين، فهو فرع من فروع علم الاجتماع العام يهتم بدراسة الظواهر السياسية في ضوء المقاربة الاجتماعية بالتركيز على الدولة أو السلطة أو النظم السياسية. كما يعنى بدراسة علاقات السيطرة والخضوع وعمل الجماعات ومجموعات المصالح والمشاركة السياسية للأفراد، وغيرها من المواضيع السياسية التي لا يمكن فهمها إلا باعتماد مقاربة اجتماعية في دراستها.

مفهوم السياسة

هي مشتقة من السوس بمعنى الرياسة، وإذا رأسوه قيل سوسه وأساسوه، وساس الأمر سیاسة: قام به. والسوس هو أيضا الطبع والخلق والسجية والسياسة هي القيام بالأمر بما يصلحه.

وجاء في معجم أكسفورد OXFORD أنها: “فن الحكم وعلمه، العلم الذي يتعامل مع شكل وتنظيم وإدارة دولة أو جزء منها، وتنظيم علاقاتها مع الدول الأخرى”. ويعرفها برنارد كرك بأنها طريقة حكم مجتمعات منقسمة بعملية نقاش حر وبدون عنف غير مستوجب. ويحددها تالکوت بارسونز في القدرة على تعبئة موارد المجتمع لتحقيق أهداف يمكن تحقيق التزام عام شعبي بها.

مفهوم علم الاجتماع السياسي

تباينت الآراء حول تعريف هذا العلم وحدوده فمنهم من يعتبره فرعا من علم الاجتماع ومنهم من يعتبره علم مستقل وسنحاول إدراج أهم التوجهات في تعريف هذا العلم.

إقرأ أيضا:تعريف القيادة التربوية، خصائصها وأنماطها

1- التعريفات التي عرفته كفرع من علم الاجتماع:

عرفه لويس كوزر بأنه: “ذلك الفرع من علم الاجتماع الذي يهتم بالأسباب والنتائج الاجتماعية التوزيع القوة داخل المجتمعات أو بين بعضها والبعض الآخر. وكذلك دراسة الصراعات الاجتماعية والسياسية التي تؤدي إلى تغيرات في توزيع القوة.”

واعتبره سارتوري بأنه علم هجين متداخل من المعرفة، وعرفه بأنه العلم الذي يدرس الروابط بين السياسة والمجتمع، وبين الأبنية الاجتماعية والأبنية السياسية، وبين السلوك الاجتماعي والسلوك السياسي فهو قنطرة نظرية ومنهجية بين علم الاجتماع وعلم السياسة.

وعرفه غاستون بوتول بأنه فرع من علم الاجتماع العام يحلل الأنظمة كما يحلل سائر الظواهر السياسية في علاقتها بالنظم والظواهر الاجتماعية الأخرى. وهو يدرسها بوصفها إنجازات وتصرفات نوعية للمجتمعات البشرية وبالتالي يمكن ملاحظتها.

2- التعريفات التي عرفته كعلم للدولة:

يرى بعض المؤلفين أنه الفرع الذي يهتم بالدولة باعتبارها صنفا من التجمعات الإنسانية أو من المجتمعات، ويأخذ هذا الاتجاه السياسة بمفهومها الشائع في “معجم الأكاديمية الفرنسية” يعتبره: “معرفة كل ما له علاقة بين الدولة وبتوجيه علاقاتها مع الدول الأخرى.”

3- التعريفات التي عرفته كعلم للسلطة:

إقرأ أيضا:نظريات علم اجتماع الجريمة والانحراف

فعلم الاجتماع السياسي هو علم السلطة والحكم والقيادة في كل المجتمعات الإنسانية. ويرتبط هذا المفهوم بما دعا له ليون دوجي عن التمييز بين الحاكمين والمحكومين. فضمن كل فئة إنسانية من أصغرها إلى أكبرها ومن أسرعها زوالا إلى أكثرها استقرارا: هناك من يحكم ومن يحكم، من يصدر الأوامر ومن يمتثل لها، من يتخذ القرارات ومن يتلقاها التنفيذ. فهذا التمايز يشكل الظاهرة السياسية الأساسية التي يجب دراستها بطريقة المقارنة على كل المستويات وفي كل المجتمعات.

ظهور ونشأة علم الاجتماع السياسي:

من العوامل التي كان لها الأثر الكبير في ظهور ونشأة هذا العلم نذكر:

  • تزايد عدد المهتمين بموضوعات وقضايا علم الاجتماع السياسي.
  • الاهتمام المتزايد بالقضايا والظواهر السياسية من قبل رجال السياسة وأصحاب صنع القرار في الدول المتقدمة والنامية.
  • تعدد مراكز البحث العلمي والمعاهد المتخصصة التي أعطت اهتماما ملحوظا لدراسة النظام السياسي وتقييم العديد من الظواهر والمشكلات السياسية التي تزايدت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
  • تطور المناهج والأساليب العلمية المستخدمة في الدراسات والبحوث السياسية سواء النظرية منها أو التطبيقية.
  • زيادة الاهتمام بالدراسات المقارنة في علم الاجتماع السياسي وخاصة عند دراسة الظواهر والنظم السياسية في عالمنا المعاصر.

أهداف علم الاجتماع السياسي

علم الاجتماع السياسي باعتباره علم متكامل له أهداف يعمل على الوصول إليها، نذكر منها:

إقرأ أيضا:العوامل المؤثرة في عملية اتخاذ وصنع القرار في المؤسسة
  1. الوصول إلى مجموعة من التصورات العامة والأفكار المجردة التي بواسطتها يتم تحليل وتفسير الظواهر السياسية بصورة علمية محددة.
  2. يسعی علم الاجتماع السياسي لتبني المناهج السيسيولوجيا التي يستخدمها علماء الاجتماع في دراسة الظواهر والنظم السياسية وتحليلها تحليلا سيسيولوجيا.
  3. يركز علم الاجتماع السياسي على دراسة الظواهر والعمليات السياسية، وذلك من حيث بناء اتها ووظائفها في إطار المجتمع ونوعية الترابط الذي يحدث بين هذه النظم.
  4. يهتم هذا العلم بدراسة الرابطة المتبادلة بين النظام السياسي ومختلف الأنظمة الاجتماعية الأخرى كالأنظمة الدينية، التربوية، العائلية وغيرها من النظم الاجتماعية ومكوناتها المختلفة.
  5. يهدف علم إجماع السياسي إلى دراسة طبيعة التغيير المستمر الذي حدث ويحدث على المكونات البنائية والوظيفية للمؤسسات والنظم السياسية المختلفة عبر التاريخ مثل دراسة التغيير الذي طرأ على هيكل ووظائف الاحزاب السياسية، وعمليات التمثيل والسلوك السياسي للمواطنين وغيرها من المؤسسات والنظم السياسية.
  6. يهتم بمعالجة التغيرات المستمرة على نوعية الأيديولوجيا السياسية التي عرفتها المجتمعات البشرية لمعرفة أطرها العامة ومدى تأثيرها على النسق السياسي في إطار البناء الاجتماعي العام. ومن أهم هذه الأيديولوجيات الشيوعية (البدائية والماركسية، الرأسمالية الليبرالية، الفاشية …إلخ.
  7. يهتم بدراسة قضايا ومشكلات التنمية السياسية باعتبارها جزءا هاما من التنمية الشاملة، ومنه يدرس الثقافة والتنشئة السياسية للمواطنين ومدى مشاركتهم في العمليات السياسية وفي صنع وتنفيذ القرار السياسي.
  8. يهدف للتعرف على مكونات وطبيعة النظم السياسية التي توجد في مرحلة تاريخية معينة، وعلاقته بالواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يوجد في المجتمع، وذلك من خلال إجراء الدراسات المقارنة بين النظم السياسية.

مجال البحث في علم الاجتماع السياسي

من الموضوعات التي تشكل محور الدراسة بالنسبة لعلم الاجتماع السياسي نجد:

  • علم الاجتماع السياسي يسعى لدراسة واقع الأحوال والظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية على البناءات السياسية.
  • عمل علم الاجتماع السياسي يدور حول وصف أشكال التماثل بين جميع الجماعات السياسية السائدة في البناء الاجتماعي.
  • علم الاجتماع السياسي يعالج النظم السياسية الرسمية منها وغير الرسمية كأجزاء من النسق الاجتماعي، مثل الأحزاب السياسية أو النظم الدكتاتورية الاستبدادية وغيرها.
  • علم الاجتماع السياسي يركز على دراسته الصفوات ومجموع أعضائها وعلى تنسيق مظاهر الصراع بين جماعات المصلحة والجماعات ذات النفوذ الرسمي بالإضافة إلى التركيز على دراسة تشكيل وجهة النظر السياسية.
  • ارتبط هذا العلم بصورة الدولة الحديثة على أنها آخر صورة تاريخية للمجتمع السياسي أي الدولة القومية، مما يحدد مجال هذا العلم. فكلمة الدولة تعني تمييز نوع واحد من التجمعات الإنسانية أو من المجتمعات على وجه الخصوص.
  • اتسع مجال علم الاجتماع السياسي ليهتم بموضوعات تبتعد عن موضوعه الأصلي ” القوة ” مثل الأحزاب السياسية والتنشئة السياسية والمشاركة لسياسية وجماعات الضغط.
  • علم الاجتماع السياسي هو علم القوة باعتبار القوة قائمة وموجودة في أي جماعة بشرية سواء كانت صغيرة أو كبيرة حيث تمثل القوة ظاهرة عامة في المجتمعات الإنسانية.

مناهج البحث في علم الاجتماع السياسي

يعتمد علم الاجتماع السياسي عدة مناهج أهمها:

1- المنهج التاريخي:

إن الظاهرة السياسية هي محصلة لمجموعة من العوامل التي تفاعلت مع مرور الزمن لتعطيها الصورة التي تظهر بها في وضعها الراهن، أي أنه توجد هناك رابطة بين الماضي والحاضر وبالتالي فإن دراسة الماضي تساعد على التعرف على الحاضر. فمثلا إن السلطة التشريعية ذات المبادئ الديمقراطية قد تكون وليدة السلطة التقليدية التي تعتمد على قوة التقاليد والأعراف الاجتماعية.

– إن دراسة الماضي تساعد على فهم الحاضر والتنبؤ بمستقبل الاحداث والوقائع الاجتماعية السياسية كالثورة أو الانقلاب أو الحرب أو الحركات الاجتماعية السياسية أو الانقسامات الفكرية والمذهبية …الخ، التي ستنفع في المجتمع.

– إن المنهج التاريخي قديم قدم كتابات ارسطو الذي اعتقد بأن فهم أي شيء يتطلب فحص بدايات الأولى وتطوراته اللاحقة. فهو يسعى إلى تفسير النظم المختلفة في وجودها الواقعي واتجاهاتها ويزودنا بمعرفة حول أصولها وتطوراتها المتوقعة، كون الأحداث ليست منعزلة أو مستقلة بعضها عن بعض ولكنها مترابطة في سياق زمني محدد.

2-المنهج المقارن:

هو المنهج الذي يعتمده عالم الاجتماع السياسي في جمع معلومات وصفية وتحليلية حول مجتمعات سياسية مختلفة ومتباينة من ناحية درجة تقدمها الحضاري والاجتماعي ونضجها السياسي والقانوني. وبعد جمع هذه المعلومات يقوم بمقارنتها ثم يستخرج القوانين الاجتماعية الكونية منها.

هذه القوانين تستند على أدلة وبراهين إحصائية أو مشاهدة موضوعية لها الأهمية في تفسير وتحديد طبيعة الأنظمة السياسية لهذه المجتمعات، وكذا لها الفضل في التنبؤ بالحوادث والظواهر السياسية التي تأخذ مكانها في هذه المجتمعات. فمثلا قد يقسم العالم الاجتماعي السياسي الدول إلى ثلاثة أنواع من حيث درجة ديمقراطيتها كالدول الديكتاتورية والدول الأوتوقراطية والدول الديمقراطية، وبعد هذا التقسيم يقوم بدراسة خصائص وميزات كل نوع منها ثم يستنتج القوانين الكونية والشمولية التي تحدد هياكلها البيروقراطية ووظائفها، ايديولوجياتها وأنماط علاقتها بالجماهير. ومثل هذه الدراسة تساعد على مقارنة هذه الانماط من الدول بتشخيص أوجه الشبه والاختلاف بينهما.

3- المسح الاجتماعي:

يعتبر المسح الاجتماعي من أساليب البحث العلمي الحديثة نسبيا مقارنة بالمنهج التاريخي. ويمكن تعريف المسح الاجتماعي بأنه محاولة تحليل وتفسير الوضع الراهن للنظام السياسي أو الاجتماعي أو لجماعة معينة. وأهم الأغراض التي تستخدم فيها المسوح الاجتماعية نذكر:

أ- دراسة البيئة الاجتماعية والسياسية للجماعات مثل معرفة متوسط دخل الأفراد ومستوياتهم الاجتماعية والجماعات المؤثرة في العملية السياسية.

ب- دراسة أوجه النشاطات المختلفة لأفراد الجماعة مثل أين يذهبون في عطلتهم وأنواع الجرائد التي يطلعون إليها والأندية والأحزاب التي ينتمون إليها … إلخ

ج- دراسة أراء الناس واتجاهاتهم ودوافع سلوكهم كما هو في حالة دراسات الرأي العام والتصويت في الانتخابات وأخيرا دراسة الخصائص السكانية للمجتمع مثل حجم الأسرة وتوزيع فئات العمر.

تعتبر طريقة المسح الميداني الطريقة الحديثة التي يستعملها العالم الاجتماع السياسي في جمع معلوماته وبياناته الميدانية التي تساعده في بناء فرضياته ونظرياته بناءا دقيقا على الواقع الاجتماعي السائد. كما تساعده على الضبط والقياس والتأكد من صحة ما يحصل عليه من البيانات التي تفسر الظواهر والعلاقات الاجتماعية والسياسية لأنها تعتمد على مبدأ التجريب والتحليل الاحصائي والاستنتاج الموضوعي للحقائق والمتغيرات التي يهتم بها الباحث الميداني.

نظريات علم الاجتماع السياسي

تغير وتطور الفكر السياسي بتطور المجتمعات والحضارات، وسنحاول فيما يلي عرض أهم التيارات الفكرية التي ميزت هذه المراحل:

1- الفكر السياسي الاجتماعي الاغريقي:

كان للإغريق الفضل الكبير في نشأة علم السياسة وقد مثل كل من “أفلاطون” و”أرسطو” الاتجاهات الأساسية في هذا العلم.

– أفلاطون: طرح ” أفلاطون” نموذجة للدولة المثالية في كتابه “الجمهورية” وتضمنت تحليلاته عن التطبيقات الاجتماعية معادلة اجتماعية واقتصادية ونفسية، حيث ربط بين الحاجة والطبقة والنفس، ويمكن تلخيص أفكاره في النقاط التالية:

  1. تقسم النفس إلى ثلاثة أجزاء: النفس العاقلة ومركزها الرأس، النفس العضوية ومركزها القلب والنفس الشهوانية ومركزها البطن.
  2. قسم الناس إلى ثلاثة طبقات:
    • طبقة الحكماء: تغلب عندهم النفس العاقلة ويمثلون رأس المجتمع وعقله. تتكون هذه الطبقة من الحكماء الذين ينبغي أن تتوفر لديهم الحكمة والشجاعة والعدالة، وبالتالي فهم مؤهلون لممارسة الحكم ويرمز لهذه الطبقة بالذهب.
    • طبقة الجند: تغلب عندهم النفس العضوية، يمثلون قلب المجتمع. ويتميزون بالنزعة القوية والشجاعة وعدم الخوف من الموت. وظيفتهم الدفاع عن الدولة وحمايتها داخليا وخارجيا ويرمز لهذه الطبقة بالفضة.
    • طبقة العمال والمنتجين: تغلب عندهم النفس الشهوانية ويمثلون بطن المجتمع. يتولون المهمة الانتاجية الزراعة، حرف، تجارة …الخ) تحتل هذه الطبقة مكانة دنيا في التنظيم الاجتماعي ويرمز لها بالحديد والنحاس.
  3. من أهم أفكاره فكرة أرستقراطية المثقفين، حيث لا تعطي السلطة السياسية للأغنى أو الأقوى، لكن الأكثر تعليما ومعرفة. لذلك نادى بإيجاد نظام للتعليم العام تعطى فيه الفرصة لكافة أبناء الشعب وطبقاته، بصرف النظر عن الوضع الاجتماعي أو الجنس، كما أشار إلى العلاقة بين الفرد والدولة حيث يجب على رئيس الدولة أن يضحي بنفسه من أجل الجماعة، لأن الجماعة أهم من الفرد، ما دعا إلى اعتباره من أوائل زعماء الاشتراكية والمبشرين بها.

– أرسطو: خلافا لأفلاطون يستند أرسطو التجريبي في جزء كبير من معلوماته إلى دراساته المقارنة، وينسب إليه تحليله 158 شكلا من الأشكال الدستورية. وحكم على الدساتير العديدة التي أحصاها من وجهة نظر أخلاقية، فميز بين التي تهدف لتحقيق العدالة والمصلحة العامة، وتلك التي لا تسعى إلا لتحقيق مصلحة الحكام الشخصية. فالأولى هي دساتير عادلة والأخرى جائزة لأنها تبدي طابعا استبداديا في حين أن المدنية ليست إلا جماعة من رجال أحرار.

2- الفكر السياسي الاجتماعي المسيحي:

يصنف الفكر السياسي المسيحي في إطار النظرية السياسية الأخلاقية، حيث أكد على ضرورة الربط بين السياسة والأخلاق. وتنطوي أفكار توما الإكويني على أهم الأفكار السياسية التي أدت في العصور الوسطى، حول العلاقة بين السلطتين الروحية ممثلة في البابا، والزمنية ممثلة في السلوك والحكام. حيث أكد الإكويني على أهمية القانون في تنظيم شؤون المجتمع، في تبرير شرعية وجود السلطة السياسية، ومنه فلا وجود لسلطة سياسية بدون قانون.

– اعتبر توما الإكويني القانون جزء من نظام الحكم الإلهي الذي يسيطر على كل شيء في السماء والأرض وقسم القانون إلى أربعة أقسام:

  • القانون الأزلي: هو الحكمة الإلهية التي تنظم الخليقة كلها، ويسمو هذا القانون على الطبيعة البشرية ويعلو فوق فهم الإنسان، مع أنه ليس غريبا عن إدراكه أو مضادا لفهمه.
  • القانون الطبيعي: هو انعكاس للحكمة الإلهية في المخلوقات، يتجلى في رغبة الإنسان في فعل الخير والحياة الطبيعية، وقدرته على الإدراك.
  • القانون الإلهي: أو القانون المقدس هو الوحي والتبليغ الذي جاء عن طريق الكتب المقدسة ويقوم رجال الدين بنشره بين الناس.
  • القانون الإنساني: بما أن تطبيق القوانين الثلاثة الأولى تطبيقا كاملا على البشر كان متعذرا، وضع الإكويني قانونا خصيصا ليلائمهم، عرفه بأنه شريعة تستهدف الخير العام، أملاها العقل وصاغها من يرعى شؤون الجماعة ثم أشهرت.

3- الفكر السياسي الاجتماعي الاسلامي:

يعتبر ابن خلدون أحد أبرز العلماء المسلمين وقد كان له الفضل في دراسة المجتمع دراسة علمية ممنهجة مما جعل الكثير يعتبره المؤسس الفعلي لعلم الاجتماع قبل أوغست كونت. فقد أدخل مبدأ العلمية في دراسته للظواهر الاجتماعية والسياسية والتاريخية. ويمكن تحديد أهم أفكاره في النقاط التالية:

  • السياسة موضوع علم نظري مقسم إلى ثلاث أقسام: الأول موضوعه تحديد العلاقة بين السلطان والرعية، الثاني يحدد تصرف الحكومة تجاه أفرادها، ويختص الثالث بنظام الخلافة وضرورياتها وأساسها من الدين والعقل.
  • الاجتماع الإنساني ضروري فالإنسان مدني بطبعه، وهذا الاجتماع لا يتحقق بالإكراه الذي تقوم عليه الدولة لتحقيق المصلحة العامة.
  • ربط بين السياسة والأخلاق التي تكسب الدولة قوة وزوالها يؤدي إلى ضعف وانهيار الدولة، حيث ربط بين الظلم وخراب الدول.
  • قدم أربع أصناف للسياسة:
    • أولا سياسة دينية مستمدة من الشرع ومنزلة من الله نافعة في الدنيا والآخرة.
    • ثانيا سياسة عقلية تتمثل في القوانين المفروضة هدفها جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار.
    • ثالثا سياسة طبيعية وترتكز على مبدأ الغرض والشهوة.
    • رابعا سياسة المدينة أي المدينة الفاضلة وهي نادرة الوقوع يتكلمون عنها من جهة الفرض والتقدير.
  • يرى أن الدولة تقوم على أربع دعائم هي: العصبية، الفضيلة، الدين عماد الدولة السابقة لتقوم الدولة الجديدة على أنقاضها. والعصبية هي أساس القوة وأساس التغلب الذي هو أساس الرئاسة.
  • شبه الدولة بالكائن الحي يعيش وينمو ثم يضعف ويموت. وعمر الدولة يقابل عمر ثلاث أجيال: الجيل الأول يتغلب ويقيم دعائم السلطان، أما الجيل الثاني فيتحول بالدولة من حال البداوة إلى حال الترف والحضارة فتضعف العصبية، والجيل الثالث ينسى عهد البداوة والعصبية ويبحث عمن يدافع عليه بين الموالي، وتظل كذلك حتى الانهيار.

4- فكر الاجتماع السياسي في عصري النهضة والتنوير:

يضم هذا التيار مجموعة من المفكرين أهمهم:

– نيكولا ميكافيلي والنزعة الإنسانية الطبيعية: يرى ميكيافيلي أن الطبيعة الإنسانية في جوهرها أنانية، لذلك يؤكد على أن النظم والمؤسسات القديمة التي صحبتها ضروب الولاء والتقوى يجب القضاء عليها عن طريق القوة السافرة، وإقامة حكم ملکي مطلق يقوم على القسوة ومهابة الملك. يقول ميكيافيلي: ” لا يتردد الناس في الاساءة إلى ذلك الذي يجعل نفسه محبوبا، بقدر ترددهم في الاساءة إلى من يخافونه. إذ إن الحب يرتبط بسلسلة من الالتزام الذي قد تتحطم بالنظر إلى أنانية الناس، (عندما يخدم تحطيمها مصالحهم)، بينما يرتكز الخوف على الخشية من العقاب.

هدف ميكايفيلي من خلال كتابة ” الأمير” إلى عرض طرائف الحكم والممارسات السياسية التي يمكن أن يعتمدها الحاكم حتى يبقى أطول فترة ممكنة في الحكم. كما يظهر كيفية الايقاع بخصوم الحاكم أو الأمير وتصنيفهم بطريقة ذكية تعتمد أساليب الفكر والدهاء والمراوغة التي تؤمن للحاكم التفرد بالحكم وإدارة شؤون الدولة حسب رغباته وادارته وطموحاته. تحت مبدأ “الغاية تبرز الوسيلة”، والظروف التي لا تعرف القانون.

– توماس هوبز: “جاءت أفكار هوبز في مؤلفة ” الطاغوت” الذي يعده الدارسين لأعماله بأنه قدم حلا لبناء نظام اجتماعي يتحول بالأفراد من الحالة الطبيعية اللانظامية إلى المجتمع المدني والدولة الحديثة”.

يفترض هوبز أن هناك قيمة ” أساسية هي قيمة الحفاظ على الذات، حيث يجتهد كل عضو للحفاظ على حركته الحيوية أي أن يتحاشى الموت. وبما أن حفظ البقاء الخاص بكل فرد هو القيمة الأعلى، فإن كل فرد سيتصرف بشكل أناني، وبالتالي لا وجود إطلاقا لأي مقياس يتعالى على هذه القيمة. فالكل يقرر بنفسه ما يراه خيرا له.” وهذا هو أساس قيام الدولة بالنسبة لهوبز.

منع الناس من الاقتتال فيما بينهم في سبيل تحقيق مصالحهم: يرى هوبز أن ” الأمان يمكن الحصول عليه فقط عندما لا يبقى القانون قانون الكل ضد الكل، بل حين يعهد إلى بعض القوانين أو حين يتم التحول عن بعض القانون الفردية. هذا ما يتم إنجازه على قاعدة عقد يربط كل المتعاقدين. وهكذا تكون نشأة الدولة المؤسسة التي توازي إرادتها بفضل موافقة الجميع، إرادة الجميع. ”

– جون لوك: “كان جون لوك يختلف في تصوره عن توماس هوبز فهو يرى أن حالة الفطرة الأولى أو الحالة الطبيعية التي كان يعيشها الإنسان تتميز بالسعادة والحرية والمساواة.” لأن الطبيعة البشرية خيرة بالفطرة، تنزع نحو الخير.

– ” في الحالة الطبيعية وقبل توافق الناس على الدولة سادت حرية كاملة ومساواة مطلقة بين الجميع، وهكذا يمنع القانون الطبيعي الإضرار بالحياة والصحة والحرية وبالملكية ناهيك عن القضاء عليها. كما يرى أن الإنسان وفقا للقانون الطبيعي من حقه أن يمتلك من الأرض بقدر ما يستطيع أن يستصلح: ” فلكل الحق في الملكية، ملكيته الشخصية ولما يكسبه بعمله من الطبيعة، بحيث يضيف إليها وإلى ذاته شيئا.

– إن طريقة القانون الطبيعي تساعد الأغنياء على الاستيلاء على الأراضي لأنهم أقدر على استصلاحها والعمل فيها وقد لا يبقى الفقراء شيئا، لهذا نشأت حسب رأيه حاجة الناس إلى دولة وسلطة سياسية تقوم بالحرص على التوزيع العادل للثورة بموجب عقد اجتماعي ضامن بينها وبين الناس، ويلتزم الحاكم أو السلطان باعتباره طرفا في العقد، بتسخير سلطته في تحقيق الصالح العام واحترام الحقوق الطبيعية للأفراد، في حين أنه إذا أخل بالالتزام فإنه يحق للأفراد فسخ العقد والثورة عليه.

– جان جاك روسو: طرح جان جاك روسو فلسفته الاجتماعية والسياسية في كتابه “العقد الاجتماعي” سنة 1762م، ويری روسو أن العقد الاجتماعي يقوم على أساس تنازل الأفراد عن حقوقهم للجماعة، فينشأ شخص عام تكون له السيادة. والسيادة تكون للشعب وليس الفرد محدد أو أفراد معينين. فالعقد الاجتماعي حسبه يعطي السلطة المطلقة للمجتمع السياسي على كل الشعب والتي تتولاها الإرادة العامة. كما أن الالتزام الاجتماعي للسلطة لا يمكن أن يكون على أساس القوة لأن ذلك يعني إنكار الحق كلية.

– يرى أن الناس يجب أن يخضعوا لسلطة عامة وهذه السلطة ليست خارجة عن إرادتهم لأنها موجودة بتفويض منهم وبموجب عقد اجتماعي يخضعوا له. وعليه يكون العقد الاجتماعي هو: الكفيل بضمان حرية الأفراد والمساواة فيما بينهم، ويكون ” التخلي عن الحرية الطبيعية قد سهل الوصول إلى الحرية المدنية.”2 الممثلة في الدولة.

– الدولة ليست سلطة مطلقة ” فالسلطة ليست سلطة فرد بل سلطة الكل باعتبار أن صاحب السيادة هم الأفراد الذين يشكلون كيانا واحدا يمثل السيادات الفردية. والحكومة هنا ليست إلا خادمة أو على الأقل حارسة لهذه السيادة، وسلطتها نشأت عن توكيل الشعب لها. ” و” يستطيع الشعب أن يغيرها (الحكومة) لأنهم ليسوا سادة الشعب بل مجرد موظفين يعملون في خدمة الشعب وتنفيذ قوانينه.

– مونتيسكيو: قدم مونتيسكيو فلسفته الاجتماعية السياسية في كتابه ” روح القاونين ” سنة 1748م، الذي ميز فيه بين أشكال ثلاثة في الحكم، بحيث يكون كل شكل قائما على مبدأ معين: الطغيان: ويقوم على مبدأ الخوف، الملكية: وتقوم على الشرف والجمهورية: التي قد تكون ديمقراطية أو أرستقراطية وهي تقوم على الفضيلة.”

– كما دعى مونتيسكيو إلى ضرورة الفصل بين سلطات ثلاث في الدولة:

  • سلطة تشريعية: هدفها مراقبة السلطة التنفيذية وتتكون من مجلسين، مجلس أعيان يراقب، ومجلس أدني يشرع.
  • سلطة قضائية: ويجب أن تفصل كليا عن السلطة التنفيذية.
  • سلطة التنفيذية: تملك حق النقد تجاه التشريعية. وهذا ما من شأنه على حسب مونتيسكيو أن يمنع الطغيان والملكية، ويكون أساس قيام الجمهورية التي تقوم على الفضيلة.

علاقة علم الاجتماع السياسي بالعلوم الأخرى

بحكم المواضيع التي يدرسها علم الاجتماع السياسي فإنه يستعين بمجموعة من العلوم الأخرى سنحاول عرضها فيما يلي:

1- علاقته بعلم الاجتماع:

علم الاجتماع السياسي هو فرع من علم الاجتماع العام وهدفه إقامة منظومة معارف عامة أو مجردة من الوقائع السياسية سواء أخذت شكل مؤسسة أو غير مؤسسة، أي أنه يقوم بتحليلاته على قواعد منهجية بهدف اكتشاف القوانين الطبيعية المتعلقة بالوقائع الاجتماعية. وهذا ما يتفق مع الآراء التي تقول ” أن كل من علم الاجتماع وعلم السياسة رغم اختصاص كل منهما بمواضيع معينة إلا أنهما يعالجان موضوعا مشتركا هو مشكلة السلوك السياسي ضمن النظام الاجتماعي.”

فعلم السياسة يهتم أساسا بحجم وأبعاد السلطة والعوامل التي تتحكم في توزيعها، أما علماء الاجتماع فيهتمون أساسا بالإشراف والسيطرة الاجتماعية. كما يهتم علم الاجتماع بالروابط الاجتماعية أكثر وتأكيده على البني الشكلية وتحديد المراكز القانونية، أما علم الاجتماع السياسي فهو يتمركز أساسا في مجال الترابطات القائمة بين المجتمع والنظام السياسي بين البنى الاجتماعية والمؤسسات السياسية.

2- علاقته بعلم السياسة:

رغم كون علم الاجتماع السياسي على الصعيد الأكاديمي والعلمي والمؤسساتي لم يتبلور إلا في منتصف القرن العشرين، إلا أنه يتداخل كثيرا مع العلوم السياسية إلى درجة يصعب التفريق بينهما، لاشتراكهما في كثير من المواضيع الاجتماعية والسياسية مثل: الدولة، جماعات الضغط، الحزب، النخبة، الدستور، الرأي العام، المنظمات الاجتماعية والسياسية… إلخ.

وقد يعكس مصطلح علم السياسة الاهتمام بعزل الظواهر السياسية بعيدا عن تفاعلها مع بقية الظواهر الاجتماعية الأخرى. أما علم الاجتماع السياسي فيهتم بوضع الظواهر السياسية في مكانها الملائم داخل نطاق الظواهر الاجتماعية.

وهناك من حدد العلاقة بين علم الاجتماع السياسي وعلم السياسة في:

  • أولا: علم الاجتماع السياسي وعلم السياسة يدرسان نفس الظواهر الاجتماعية. فعلم السياسة يبدأ بالدولة ويدرس كيف يؤثر في المجتمع في حين أن علم الاجتماع السياسي يبدأ بالمجتمع ويدرس كيف يؤثر في الدولة.
  • ثانيا: علم الاجتماع السياسي يؤكد الحقائق بموضوعاتها وماديتها وتجردها من الشوائب الثقافية والتأثيرية أما علم السياسة فعكس ذلك موضوعه الأفكار والمعتقدات والآراء السياسية العامة والخاصة.
  • ثالثا: علم الاجتماع السياسي علم وصفي أو قائم على أساس العلة والمعلول وعلم السياسة قاعدي يساعده على الوصول إلى الحقائق التي تتعلق بفن السياسة. فعلم الاجتماع السياسي هو جسر نظري يربط بين علم السياسة بنظرياته ومذاهبه وعلم الاجتماع بمنهجه ومذاهب دراسته.
  • رابعا: علم الاجتماع يهتم بدراسة كافة جوانب المجتمع بينما علم السياسة يكرس معظم اهتماماته الدراسة القوة المتجسدة من التنظيمات الرسمية فالأول يولي اهتماما كبيرا بالعلاقات المتبادلة بين مجموعة النظم، بينما الثاني يهتم بالعمليات الداخلية كالتي تحدث داخل الحكومة. وقد عبر سيمور مارتن ليبست Seymour Martin Lipset عن ذلك بقوله: ” يهتم علم السياسة بالإدارة العامة أي كيفية جعل التنظيمات الحكومية فعالة، أما علم الاجتماع السياسي فيعني بالبيروقراطية وعلى الأخص مشكلاتها الداخلية.”
السابق
تعريف ونظريات علم اجتماع السكان
التالي
تعريف وخصائص وأهداف علم اجتماع الصحة

اترك تعليقاً