علم الاجتماع

تعريف ونظريات علم اجتماع السكان

علم اجتماع السكان

علم اجتماع السكان هو أحد الفروع الأساسية في علم الاجتماع يهتم بدراسة الظاهرة السكانية وما تلعبه من دور هام في حياة الفرد والجماعة والمجتمع. والاهتمام بالظاهرة السكانية قديم حيث حظي بمكانة متميزة في التفكير الفلسفي القديم والحديث، كتأكيد لارتباطها بالبناء الاجتماعي والظواهر الاجتماعية الأخرى حيث لا توجد ظاهرة اجتماعية، اقتصادية، سياسية، ثقافية أو عمرانية إلا ولها اتصال مباشر أو غير مباشر بالجانب السكاني.

مفهوم علم اجتماع السكان

هو علم يهتم بدراسة الظواهر السكانية سواء الخاصة ببناء السكان أو بتغيرها، فهو يدرسها من منظور سوسيولوجي وفي ضوء وجودها داخل البناء الاجتماعي، ومن حيث ارتباطها وعلاقتها بالظواهر الاجتماعية الأخرى. فهو لا يقف عند الاعتماد على الأرقام، بل يهدف إلى الوصول إلى فهم وتحليل أعمق للعلاقات التي تربط بين هذه الظواهر ويفسرها في ضوء العوامل الاجتماعية من ثقافة ومعايير وقيم وأدوار ومكانات وطبقات وأسرة وغيرها، وبالتالي فإن فهم ظواهر السكان على نحو أفضل لن يتحقق إلا بإرجاعها إلى بقية عناصر البناء الاجتماعي للمجتمع.

وفي تعريف آخر اعتبر علم اجتماع السكان العلم الذي يدرس الظواهر السكانية دون تجريد عن ارتباطها بغيرها من الظواهر، وإنما يبحث عن تفسير لهذه الظواهر السكانية في ضوء ظواهر أخرى على علاقة قوية بها، أي ظواهر البناء الاجتماعي للمجتمع. حيث يمثل السكان عنصر هاما في هذا البناء وبالتالي فإن فهم الظواهر السكانية (سواء الخاصة ببناء السكان أو بتغير السكان) هو موضوع اهتمامه.

إقرأ أيضا:تعريف القيادة التربوية، خصائصها وأنماطها

وهو يختلف عن الديموغرافيا في طريقة التحليل أو التناول كونه يدرسها من منظور سوسيولوجي وفي ضوء وجودها داخل بناء اجتماعي، ومن حيث ارتباطها وعلاقتها بالظواهر الاجتماعية الأخرى. فعلم اجتماع السكان إذا يربط في دراسته بين موضوعات علم اجتماع وبين الظواهر السكانية موضع اهتمام الديموغرافيا، ولكن لا يقف عند حد الاعتماد على الأرقام بل يهدف إلى الوصول إلى فهم وتحليل أعمق للعلاقات التي تربط بين هذه الظواهر، وتفسيرها في ضوء العوامل الاجتماعية من ثقافة ومعايير وقيم وأدوار ومكانات وطبقات وأسر وغيرها.

عوامل ظهور علم اجتماع السكان

إن الإحصائيات الخاصة بالظواهر السكانية تكتسب معناها في ضوء المجتمع وظروفه الثقافية، وذلك من خلال الحقبة التاريخية التي ينتسب إليها ومقارنة ذلك بأرقام مجتمعات أخرى مثل الدخل وطبيعة العمل والوضع الاجتماعي والمستوى الثقافي، وما يطرأ عليه من تغيرات ناتجة عن ارتفاع أو انخفاض معدلات المواليد والوفيات. وبالتالي تصبح الخصوبة والمواليد والوفيات والزيادة الطبيعية وازدياد السكان ونقصه ليست ظواهر بيولوجية فحسب، بل ظواهر اجتماعية يجب الاهتمام بها. ومن الناحية التاريخية هناك أربع عوامل أساسية تفسر نشأة علم اجتماع السكان هي:

  1. الاهتمام بدراسة العمليات السكانية كظاهرة طبيعية ذات انتظامات متكررة تستحق الملاحظة والتأمل.
  2. ظهور وتطور الوسائل الفنية لتسجيل الأحداث الحيوية والتقديرات السكانية واستخدامها للأغراض المدنية والإدارة، ولقد حدث ذلك في أوروبا في القرن التاسع عشر.
  3. الاهتمامات الأولية – الخاصة والعامة -بدراسة وقياس وضبط الأوبئة الأمراض والوفيات، تلك الاهتمامات التي بدأت في أوروبا الغربية منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر.
  4. المحاولات التي بذلت لصياغة وتطبيق عدد التعميمات التي تدور حول العلاقة المتبادلة بين التغيرات السكانية والتغير الاجتماعي والسياسي، والتي بدأت بالدراسات التي قام بها مالتوس.

وبذلك نلاحظ كيف أن الاهتمام بالظاهرة السكانية قد ساير التطور العلمي والاقتصادي ومنه الاجتماعي للمجتمعات، حيث جاءت هذه الدراسات والاهتمامات لتلبية حاجة هذه المجتمعات للمعلومات السكانية الخاصة بها، أو تلك الخاصة بالمجتمعات الأخرى اتي هي بصدد التعامل معها خاصة في مجال الاقتصاد والتجارة. كما جاءت هذه الدراسات لتلبية حاجة أخرى مرتبط بالرغبة في تحسين الأوضاع الصحية للمجتمع، والذي يتطلب معرفة بأوضاع السكان داخل المجتمع.

إقرأ أيضا:العوامل المؤثرة في عملية اتخاذ وصنع القرار في المؤسسة

موضوعات علم اجتماع السكان

يهتم علم اجتماع السكان بعدة مواضيع أهمها:

  • دراسة ما يطرأ على السكان من تغير، وأثر ذلك على حجم وتوزيع وصفات السكان ومدی اختلافهم من مجتمع إلى آخر. فالزيادة السكانية يترتب عليها نتائج اجتماعية مختلفة فمثلا نلاحظ أن كبر حجم السكان وكثافتهم هي السبب الرئيسي في ظهور التخصص وتقسيم العمل.
  • يهتم علم اجتماع السكان بالهجرة ويتبع عوامل الجذب والطرد ويبحث فيما يترتب عليها من نتائج كعدم الاستقرار في المجتمع واضطراب في القيم والمعايير، وسوء التكيف الاجتماعي والثقافي، فضلا عن المشكلات التي تنجم عن قلة الخدمات وعجزها عن الوفاء باحتياجات الأفراد والجماعات.
  • يدرس علم اجتماع السكان الخصائص السكانية مثل تقسيم السكان من حيث السن أو الجنس، فبعض المجتمعات تتصف بارتفاع نسبة صغار السن في الوقت الذي تتصف فيه مجتمعات أخرى بارتفاع نسبة كبار السن.
  • يهتم علم الاجتماع السكاني أيضا بالخصائص المرتبطة بالنوع والتعليم والمهنة والدخل ومعدلات الزواج والطلاق وارتباطها بالخصائص الاجتماعية والثقافية والدينية والاقتصادية والسياسية والحالة الزواجية.
  • يقدم علم الاجتماع السكاني الإطار الذي يسهل دراسة المجتمعات محليا كتوزيع السكان بين الريف والحضر. فهو يدفعنا إلى النظر إلى السكان كمركب ديناميكي من الجماعات الصغيرة.
  • يدرس السلالات البشرية، فبعض المجتمعات يختلف مواطنوها في هذا الجانب: ففي الولايات المتحدة الامريكية يجمع مواطنوها بين الأجناس الثلاثة الأبيض والأسود والأصفر، بينما يجمع مواطنو جمهورية جنوب افريقيا بين الجنسين الأبيض والأسود وبذلك فإن علم اجتماع السكان يربط بين السكان والمجتمع.
  • يقوم علم الاجتماع السكاني بتحليل الظواهر السكانية استنادا إلى قضايا علم الاجتماع، ويبحث في التفاعل بين الظواهر السكانية والمتغيرات السوسيولوجية باستخدام طرق ومناهج وأدوات البحث العلمي، وذلك بهدف الوصول إلى التعميم.

مناهج البحث الاجتماعي للسكان

إقرأ أيضا:تعريف القيادة التربوية، خصائصها وأنماطها

يعتمد البحث الاجتماعي في مجال السكان مناهج البحث الاجتماعي وخاصة المنهج التجريبي والمنهج التاريخي ما يعينه على تحقيق أهدافه وفيما يلي عرض لاستخدامات هذه المناهج:

  1. المنهج التجريبي باعتباره يدرس الظواهر الحاضرة ويحاول التوصل إلى القوانين العامة أو الثابتة عن الظواهر. ويعتمد في ذلك على الملاحظة والقياس والتجربة، ويصيغ قوانينه في صورة رياضية. فهو يقدم لدارس السكان من وجهة نظر علم الاجتماع، بديلا لطرق التعداد والتسجيل الحيوي ويجعله لا يقف عند حد الأوصاف التوزيعية للتجمعات السكانية، وإنما يمكنه من إجراء ملاحظات وقياسات للظواهر السكانية في المجتمع، والتوصل إلى العلاقات الثابتة بين الظواهر السكانية واختبار الفروض العلمية المتعلقة بتفسير تباينات هذه الظواهر في المجتمع.
  2. المنهج التاريخي باعتباره يدرس ظواهر الماضي، حيث يقوم الباحث بالتنقيب عنها في وثائق التاريخ لجمعها ومحاولة التحقق منها بإتباع طرق التحليل والتركيب بهدف البحث عن العلاقات السببية بين الحوادث الماضية. كما يمد دارس السكان من وجهة نظر علم الاجتماع بأسلوب منهجي يمكنه من تتبع التطور التاريخي للظواهر السكانية في الماضي، والتعرف على دينامياتها وعوامل تغيرها، ثم التوصل إلى العلاقات السببية بينها، والتي تمكن من صياغة القوانين التي تحدد اتجاهات التغير في المستقبل. وبالتالي تساعد على وضع الخطط والبرامج لتجنب مشكلات هذا التطور.

وبإمكان الاستعانة بأدوات جمع البيانات في البحث الاجتماعي وخاصة المقابلة الشخصية والاستبيان الذي يتجاوز العقبات الجغرافية في السفر والتنقل والنفقات والجهد اللازم، خاصة وأنه يمكن ارسال الاستخبار بالبريد أو من خلال الصحف والمجلات (أو كذلك مواقع البريد الإلكتروني).

كما أن استخدام المقابلة الشخصية يساعد الباحث على التعرف على نوعية الأشخاص الذين يجب أن يحصل منهم على المعلومات، ويكسبه ودهم مما يسهل عليهم الإجابة عن التساؤلات، ويقضي على كل صور الشك لديهم. ويسهل عليه التغلب على الإجابات المتناقضة ومراجعتها وكذا تصنيف وترميز البيانات فيما بعد، مما يزيد من درجة دقة وضبط وصدق البيانات الأمر الذي تفتقر إليه الأدوات الأخرى.

مصادر البيانات في علم اجتماع السكان

تعتمد الدراسات السكانية على مجموعة من المصادر الإحصائية المختلفة، والتي يمكن تقسيمها إلى مجموعتين رئيسيتين هما:

1- مصادر البيانات الثابتة: هي المصادر التي تدرس توزيع السكان وتركيبهم في فترة أو تاريخ محدد وتمثلها التعداد والمسح بالعينة:

  • التعداد السكاني: يعد التعداد السكاني المصدر الرئيسي لدراسة توزيع السكان وتركيبهم في تاريخ محدد وفي منطقة محددة. والتعداد هو العملية الكلية لجمع وتجهيز وتقويم وتحليل، ونشر البيانات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بكل الأفراد في مجتمع أو جزء محدد منه وفي زمن معين. والتعداد الشامل للسكان ينبغي أن تتوفر به عدة خصائص هي العد الفردي، والشمول داخل منطقة جغرافية محددة والآنية، ثم أن يتم إجراؤه في فترات دورية محددة.
  • المسح بالعينة: أصبح استخدام المسح بالعينة من العوامل المكملة للتعدادات السكانية في سبيل الحصول على بيانات توضح كل أو بعض خصائص السكان. وتستخدم على المستويين القومي والمحلي لهذا الغرض، كما هو الحال في التعدادات الإنجليزية أو الأمريكية. كما أصبحت أساسا لكثير من الدراسات النظرية والتطبيقية. والعينة جزء من المجتمع تختلف عن المسح الشامل وتتميز عنه في كونها توفر جزءا من الجهد والنفقات، كذلك تكون البيانات التي تنتج عن العينة دقيقة. كما أن الكثير من الأخطاء التي قد تقع أثناء التعداد مثل حذف بعض الوحدات أو عد البعض مرتين أو أكثر يمكن التحكم فيها.

2- مصادر البيانات غير الثابتة: وتتمثل في:

  • الإحصاءات الحيوية: تتمثل في مختلف البيانات المتحصل عليها انطلاقا من التسجيل الحيوي الإجباري الذي تعتمده معظم دول العالم، والذي يشمل المواليد والوفيات والزواج والطلاق. وتعد إحصاءات المواليد من أهم الإحصاءات الحيوية، حيث يمكن من خلالها معرفة حركة النمو الطبيعي للسكان. وتختلف البيانات التي تسجل للمولود من بلد لآخر حسب مستواه الحضاري، ففي بعضها يوجد 50 عنصرا في السجل الحيوي للمواليد والوفيات والزواج والطلاق، والبعض الآخر ينخفض لديه هذا العدد إلى أربعة عناصر فقط. ولا شك أن الحالة الأولى تعطي ثروة إحصائية يمكن تحليلها بدرجة كبيرة.
  • سجلات الهجرة: تعد بيانات الهجرة أقل قيمة من بيانات الإحصاءات الحيوية وذلك لعدة أسباب منها: تحديد مفهوم المهاجر الذي يختلف من مكان لآخر، إضافة إلى تصنيف الهجرة الذي قد يختلف هو الآخر فمنها ما يقوم على مدة الهجرة ومنها ما يقوم على المسافة التي يقطعها المهاجر. كما تزداد صعوبة الحصول على بيانات الهجرة إذا كانت داخلية (في نفس البلد). كما تعاني هذه الأداة من افتقارها لبعض المعلومات مثل النشاط الاقتصادي والحالة المدنية والتعليمية التي لا تظهر في سجلات العبور. لذلك فإنها ليست دائما محل ثقة في البحث عن أسباب الهجرة ودوافعها، مما يجعل الباحث يتجه إلى مصادر إحصائية أخرى لدراسة هذه الظاهرة السكانية.

نظريات علم اجتماع السكان

يقصد بنظرية السكان التفسير اللفظي لأسباب الظواهر السكانية أو الديمغرافية ونتائجها، وتتضمن الجهود المبذولة للكشف عن المتغيرات المؤثرة في تطور السكان والعلاقات بينها من ناحية، وبين العوامل غير الديمغرافية من ناحية أخرى. وفيما يلي عرض لأهم النظريات الاجتماعية في هذا المجال:

1-النظريات الطبيعية:

تقوم هذه النظريات على مبدأ أساسي مفاده أن كل من طبيعة الإنسان والعالم الذي يعيش فيه هما اللذان يتحكمان في نمو السكان. وقد حاول أصحاب هذا الاتجاه إيجاد قانون النمو السكان يتمكنون به من تفسير هذه الظاهرة. والملاحظ أن أغلب القوانين التي توصلوا إليها كانت تتكرر كل تدخل للإنسان وللقيم والاتجاهات في هذا النمو وتعتبره أمرا طبيعيا. ويدخل ضمن هذه الفئة من أصحاب النظريات:

– هربرت سبنسر H. Spencer: عرض سبنسر قضايا النظرية السكانية ضمن كتابه المعنون “مبادئ البيولوجيا” الذي نشره في عام 1901م. وتتلخص أهم أفكاره في:

  • أن الغذاء الجيد يزيد من القدرة على التناسل لأن الحياة عند كثير من المخلوقات تبدأ في وقت من العام يكون فيه الدفء كبيرا والمؤونة الغذائية متوفرة، والتي تسهل بدورها حياة الفرد مما يؤدي إلى تزايد السكان.
  • هناك تعارض بين التناسل والنضوج الذاتي، لأن المخلوقات كلما ارتفعت وتطورت من الأشكال الدنيا للحياة نقصت خصوبتها. فإذا كانت الأجسام العضوية ذات قدرة ضعيفة جدا تجعلها لا تستطيع المحافظة على نفسها، فإنها تتكاثر بدرجة كبيرة حتى لا تفنى. وإذا كانت الأشكال العليا للأجسام العضوية تنفق جزءا كبيرا من قوتها ونشاطها الحيوي في إنضاج ذاتيتها وبناء شخصيتها، فإنه لا يتبقى لها إلا القليل لبذله في مجال التوالد والإنجاب.
  • يدعم سبنسر اعتقاده السابق بناء على ما لاحظه من قلة النسل بين السيدات المنتسبات إلى الطبقات العليا والمشتغلات في المهن الفكرية. فبرغم أن تغذيتهن أفضل، إلا أن تناسلهن يكون ضعيفا بسبب الاجهاد الذهني وعجزهن عن ارضاع أطفالهن ورعايتهم ومدهم بالغذاء الطبيعي. وعليه قرر سبنسر أنه كلما ازداد ما يبذله الفرد من جهود لتأكيد ذاته ووجوده ونجاحه، ضعفت جهوده في الإنسال والخلف.
  • في ضوء هذه القضايا تنبأ سبنسر بأن مشكلة تزايد السكان وما يصاحبها من مشكلات أخرى ستختفي، ما دام الفرد يبحث عن الرقي ويبذل جهودا كبيرة في سبيل ذلك.

2-النظريات الاجتماعية:

ترجع هذه النظريات نمو السكان إلى الظروف الاجتماعية التي تحيط بأفراد المجتمع، والتي تضم مجموعة من العوامل المختلفة التي تتحدد وفقا للبيئة الاجتماعية المحيطة. ومن رواد هذا الاتجاه نذكر:

– ألكسندر کارسوندز A.Garr Saunders: باحث انجليزي اهتم بدراسة الظواهر السكانية وعرض قضاياه النظرية في مؤلف له بعنوان ” سكان العالم ” وتتلخص آراءه النظرية فيما يلي:

  • يرى أنه يمكن أن نفرق بين أنواع مختلفة من كثافات السكان هي: الكثافة الفيزيقية والكثافة الإحصائية والكثافة الاقتصادية. وأن مفهوم الكثافة السكانية مفهوم نسبي مرتبط بموارد الثروة كالأراضي الزراعية والأنهار والمعادن والصناعات، ومدى قدرة الأفراد على استغلالها.
  • يفترض أن هناك علاقة بين حجم السكان وبين موارد الثروة التي يمكن استغلالها. فهو يحكم على عدد السكان بأنه قليل إذا كان لا يساعد على قيام المشروعات تستغل هذه الموارد ويعجز عن توفير المنتجات التي يحتاجها. والعكس يكون هذا العدد كثيفا إذا كانت هذه الزيادة تؤدي إلى تناقص الإنتاج المستخرج من موارده. ويصل المجتمع إلى حجم أمثل إذا كان في حالة وسط بين القلة والكثرة وبلغ انتاجه أقصاه مع عدم الزيادة في عدده.
  • اعتبر مستوى دخل الفرد في المجتمع مقياسا للكثافة السكانية: إذا ارتفع فهو يدل عن قلة السكان والعكس. أما إذا استقر فذلك دليل عن الحجم الأمثل للسكان.

– کنجز لي ديفز Kings ley Davis: عالم اجتماع أمريكي له عدة مؤلفات ومقالات في مجال السكان، وعرض قضاياه النظرية في مقال له بعنوان “نظرية التغير والاستجابة في التاريخ الديموغرافي الحديث”. ويمكن أن نلخص قضاياه النظرية على النحو التالي:

  • يرفض النظريات التي تحاول تفسير التغير الاجتماعي بالرجوع إلى عامل واحد فقط كالعامل الاقتصادي مثلا أو العامل الثقافي، لأنها تحاول تبسيط الأمور والتهرب من التفسيرات المعقدة. وفيما يتعلق بتغيرات الخصوبة فهو يعترض على التفسيرات التي ترى أن هذه التغيرات تخضع لعامل اقتصادي بحت كقلة الموارد المتاحة، ويعترض كذلك على التفسيرات التي تعتمد على العامل الثقافي كتلك التي تحاول تفسير السلوك الإنجابي بالرجوع إلى النسق القيمي” السائد في المجتمع أو الثقافة التقليدية.
  • لفهم التغيرات التي يتعرض لها المجتمع، يجب النظر إلى هذا الأخير على أنه يميل دائما نحو التوازن الاجتماعي، وأن هذا التوازن يتعرض دائما لضغوط ومؤثرات قد تنبع من داخل المجتمع أو من خارجه وتهدد توازنه، رغم وجود قوى اجتماعية تعمل دائما على إعادة التوازن من الداخل. ويقصد بالتوازن هنا هو التوازن بين عدد السكان ومتطلبات الحفاظ على البناء الاجتماعي لتحقيق أهدافه الدينية والتربوية والفنية والترفيهية والسياسية التي يرمي إليها المجتمع.
  • في محاولتها للعودة إلى حالة التوازن في حالة اختلاله، فإن المجتمعات تكون لها استجابات متنوعة قد تتمثل في هجرة الفلاحين من الريف إلى المدن كمحاولة لتحقيق الموازنة بين الأرض المتاحة وعدد العاملين في الزراعة، كما يمكن اعتبار برامج تنظيم الأسرة وتأجيل سن الزواج التي تحاول بعض المجتمعات تطبيقها استجابة لموازنة التغيرات التي طرأت على العلاقة بين حجم السكان ومتطلبات البناء الاجتماعي.

وقد اختلفت التفسيرات الخاصة بالظاهرة السكانية حسب التوجهات الفكرية والنظرية لأصحابها، مما أضفى تنوعا في النظرية السكانية.

3-النظريات البيولوجية:

يرجع أصحاب هذه النظريات انخفاض الخصوبة الذي عرفته الدول المتقدمة إلى انخفاض القدرة الفيزيولوجية أو البيولوجية على الإنجاب، إلا أنهم اختلفوا فيما يتعلق بالعوامل المؤثرة على هذه القدرة: فبينما يرجعها البعض إلى ارتفاع الكثافة السكانية مما يؤدي بطريقة طبيعية إلى تناقص الإنجاب، يرى البعض الآخر أن لتعقيد الحياة الاجتماعية دور في ذلك. وقد عاد الاتجاه البيولوجي إلى الظهور في القرن 20م على يد الباحث الإيطالي کورادو جيني Corado Gini، الذي اعتقد أن لكل مجتمع دورة بيولوجية تؤثر على كثافة السكان وتنعكس عليها. وقد عرض قضاياه النظرية في مؤلفه تحت عنوان “أثر السكان في تطور المجتمع” الذي نشره عام 1912م. ويمكن تلخيص القضايا النظرية لجيني على النحو التالي:

– يسلم بأن المجتمع يمر بمراحل ثلاث هي: النشأة والتكوين والتقدم والازدهار والاضمحلال والفناء. لكل من هذه المراحل خصائصها والنتائج المترتبة عليها التي تؤثر في مختلف جوانب المجتمع البيولوجية والمورفولوجية والاقتصادية وغيرها.

  • أ-مرحلة النشأة والتكوين: تتميز المجتمعات في هذه المرحلة بمعدل خصوبة مرتفع يصاحبها عدم وجود اختلافات اجتماعية واضحة بين السكان (غياب الطبقات الاجتماعية) وهذا ما كان عليه الحال في مجتمعات مثل أثينا واسبرطة وحتى المجتمعات الحديثة النشأة والتي تكونت عن طريق الهجرة الدولية كأمريكا وأستراليا وكندا… إلخ.
  • ب-مرحلة التقدم والازدهار: في هذه المرحلة يحدث تناقصا في الخصوبة نتيجة إقبال نسبة صغيرة من السكان فقط على الإنجاب كون الجزء الآخر إما يكون قد مات أو لم يستطع الإنسال بعد الزواج. إضافة إلى أن نسبة الإنجاب بين الطبقات الصاعدة إلى أعلى السلم الاجتماعي تتجه عموما نحو الانخفاض. مما يؤثر على الخصوبة ويؤدي إلى تناقص عدد السكان. كل هذه العوامل من شأنها أن تؤثر على الاقتصاد بانتعاشه وبالتالي ارتفاع المستوى المعيشي للأفراد.
  • ج-مرحلة الاضمحلال والفناء: وفي هذه المرحلة من تطور المجتمع يقل عدد السكان في كثير من أجزاء المجتمع حيث يتناقص عدد السكان في المناطق الريفية نتيجة لنمو التصنيع والتوسع في هجرة العمالة من الريف إلى الحضر، هذا فضلا عن تأثير عامل النقص الشديد في معدل الخصوبة العام.

4-النظريات الاقتصادية:

يعتبر التفسير الاقتصادي للظواهر السكانية أول تفسير قدمه المفكرون لهذه الظاهرة، حيث يدور المحور الأساسي لهذه النظريات حول ارتباط كل من الزواج والإنجاب بالظروف الاقتصادية السائدة. وقد كان آدم سميث في بين ممثلي هذا الاتجاه، حين أكد وجود ارتباط إيجابي بين توفر فرص العمل من جهة، والإقبال على الزواج والإنجاب من جهة أخرى. ويعد كارل ماركس K. MARX أحد أهم رواد هذا الاتجاه، حين اعتبر النظام الاشتراكي الحل الوحيد للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي يمكن معالجة المشكلات المرتبطة بالسكان من خلال إعادة النظر في النظام الاجتماعي بسيطرة الطبقة العاملة على وسائل الإنتاج. وفيما يلي أهم آراءه:

  1. يسلم ماركس بأن المجتمع يمر بمراحل متباينة في تغيره، استنادا إلى تغير الإنتاج والنظام الاقتصادي. ويفترض أن تزايد السكان مرتبط بمعدل التشغيل في النظام الاقتصادي. وأكد افتراضه هذا بنتائج دراسته النظام الإنتاج الرأسمالي، حيث لاحظ وجود فائض في السكان نتيجة لمعدل التشغيل المتناقص واختصار النفقات وتراكم رأس المال.
  2. توقع ماركس عدم وجود فائض في السكان مع وجود نظام الإنتاج الاشتراكي، نتيجة للتشغيل الكامل والمتوازن بين رأس مال العمال. وبذلك يتحقق التوازن بين الزيادة في راس المال الثابت والمتغير، بحيث لا يوجد فائض سكاني ويقل الفقر والبؤس.
  3. استنتج أنه لا وجود لقانون عام ثابت للسكان، وإنما لكل مجتمع ولكل مرحلة من مراحل تطور المجتمع والإنتاج قانون خاص بها ينطبق عليها وحدها وفق الظروف التي يعيشها. ووجود قانون واحد للسكان لا يتحقق إلا في حالات النبات والحيوان شرط عدم تدخل الإنسان فيها.
  4. تتلاشى مشكلة زيادة السكان مع تطور المجتمع ووصوله إلى مرحلة الإنتاج الاشتراكي. مما يعني أن كل من مشكلتي الفقر والبؤس باعتبارهما مرتبطان بظاهرة تزايد السكان، لا ترتبطان بالعامل البيولوجي وإنما ترجعان إلى النظام الاقتصادي الذي يعجز عن تشغيل كامل أفراد المجتمع.

5-النظريات الثقافية الاجتماعية:

وتتمثل في مجموعة النظريات التي تعتمد على التفاعل الثقافي دون غيره في تفسير الظاهرة السكانية، كتلك التي تحاول تفسير السلوك الإنجابي ومن ثم نمو السكان بالرجوع إلى النسق القيمي السائد في المجتمع أو بالرجوع إلى مفهوم الثقافة التقليدية. فمثلا اعتبر الإجهاض في بعض المجتمعات ولفترة طويلة الوسيلة الأساسية في التحكم في حجم السكان، بينما نلاحظ أنه في مجتمعات أخرى كالإسلامية محرم. وعليه نلاحظ كيف تتحكم العوامل الثقافية والدينية في الظاهرة السكانية.

علاقة علم اجتماع السكان بالعلوم الأخرى

يعتمد علم اجتماع السكان أكثر من أي تخصص آخر في علم الاجتماع، على مجموعة من العلوم التي يستمد منها المعلومات اللازمة لتفسير الظاهرة السكانية. وفيما يلي عرض لأهم هذه العلوم:

1-علاقة علم اجتماع السكان بعلم الاجتماع:

يجمع الكثير من العلماء على أن دراسة أحوال السكان وتفسيرها من الضروري تناولها من وجهة نظر اجتماعية. فالسكان هم جزء من البناء الاجتماعي الذي يتشكل منه المجتمع ويتأثر به ويؤثر فيه وفي ثقافته ووظائفه الاجتماعية. وعليه فإن علم اجتماع السكان هو أحد فروع علم الاجتماع الذي يتناول السكان ودراستهم كمجتمع. كما أن الدراسة والبحث في علم الاجتماع في مختلف المجالات يعتمد بدرجة كبيرة على المعطيات الديمغرافية والمتغيرات السكانية. من جهته فإن علم اجتماع السكان يعتمد المنهج الاجتماعي في دراسته، وبذلك نلاحظ أن الاستفادة متبادلة بين العلمين في الوصول إلى تحقيق الهدف العلمي.

2-علاقة علم اجتماع السكاني بالتاريخ:

تبدو العلاقة واضحة بين علم الاجتماع السكاني وعلم التاريخ، حيث لا يمكن فهم تطور النمو السكاني وتغيراته المختلفة، إلا بالرجوع إلى علم التاريخ الذي يعرض لنا أحوال كل مرحلة من مراحل تطور المجتمعات وأسباب حركتهم عبر الزمن. حيث أن دراسة ماضي هذه المجتمعات هي الموضوع الأساسي للتاريخ، ومن ثم يمكن أن يعطي البحث السكاني البعد الزمني الذي كان ينقصه. كما أن البحث الاجتماعي السكاني قد كان له الفضل في توجيه اهتمام المؤرخين إلى الأسباب التي تتحكم في زيادة أو نقصان عدد السكان أو هجرتهم وعدم الاقتصار على دراسة السكان من الناحية السياسية أو العمرانية.

3-علاقة علم اجتماع السكان بعلم السكان (الديموغرافيا):

يختلف علم اجتماع السكان عن الديمغرافيا والدراسات السكانية. فالديمغرافيا تهتم بدراسة الخصوبة، المواليد، الوفيات، الهجرة بهدف التحليل الكمي للعلاقات المتبادلة بين هذه الموضوعات أما علم اجتماع السكان فيدرس الظواهر والتغيرات السكانية في علاقتها بالبناء الاجتماعي. فهو يهتم بتحليل النتائج الاجتماعية المترتبة على معدلات المواليد والوفيات والهجرة وما يرتبط بها من دلالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتحضر والمستويات التعليمية، أي بلورة نماذج التفاعل بين المتغيرات السكانية والاجتماعية. لكن تبقي المعطيات الديمغرافية هي المصدر الأساسي الذي يعتمد عليه في هذا التحليل.

4-علاقة علم اجتماع السكان بالعلوم الطبيعية:

يرتبط علم اجتماع السكان ببعض العلوم الطبيعية كعلم الأجنة وعلم التاريخ الطبيعي وعلم الوراثة، فهو يعتمد على نظريات علم التاريخ الطبيعي في تفسير كثير من موضوعاته خاصة فيما يتعلق بمعرفة الشروط اللازمة لإمكان الحمل والإنجاب وفترة الخصوبة عند الرجل والمرأة ومعدلاتها في كل فترة عمرية، والظروف التي يمكن مراعاتها لتنظيم النسل. وموانع الحمل وآثارها الجانبية وكذلك معرفة دور المواليد من الذكور والإناث ودور الوفيات، وأسبابها البيولوجية، وأثر العمل على استكمال صحة المرأة، وغير ذلك مما يخص العلاقات البيولوجية بين الذكر والأنثى وأثرها على الزيادة الطبيعية للسكان (المواليد والوفيات).

5-علاقة علم السكان بالصحة العامة:

تفيد الصحة العامة السكان في دراسة الخصوبة ووسائل منع الحمل وتتبع انتشارها بين السكان، ودراسة الأساليب المتبعة لتحسين الخدمات الصحية، والوقاية من الأمراض والعناية بالأطفال والحوامل ونشر الوعي الصحي، وتنظيم الأسرة. حيث أنه لا يمكن انكار العلاقة الوطيدة الموجودة بين الخصوبة والصحة العامة والرفاهية الاجتماعية.

6-علاقة علم السكان بعلم الاقتصاد:

يعتمد علم اجتماع السكان في كثير من بحوثه على المتغيرات الاقتصادية كالدخل والثروة والأرباح والأجور في تفسير المتغيرات السكانية الخاصة بالخصوبة والوفيات والهجرة. كما أن نتائج البحوث السكانية تعتبر المصدر الأساسي لرجال الاقتصاد والمخططين في مدهم بالمعلومات اللازمة الوضع مختلف الاستراتيجيات الاجتماعية.

السابق
تعريف ونظريات علم اجتماع التنمية
التالي
تعريف ومناهج ونظريات علم الاجتماع السياسي

اترك تعليقاً