قصص وشخصيات

قصة سيدنا ذو الكفل عليه السلام كاملة

قصة ذا الكفل عليه السلام

(وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلٌ من الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86))

(سورة الأنبياء، الآيتان 85-86)

مهام الأنبياء والرسل

إن الله الخالق الرازق المصور سبحانه أراد بعباده خيرا، كما أراد أن يعرفوه ليعبدوه على علم وبصيرة، فبعث الأنبياء والرسل ليبينوا لهم ويعرّفوهم بربهم، ويعلمونهم ما يحبه من الأعمال فيأمروهم بها، كما يعلمونهم ما لا يحبه من الأعمال فيأمرونهم بتركها واجتنابها، كانت هذه هي مهمة الأنبياء والرسل. لذلك بعث الله عددا كبيرا منهم، إذ كلما مات رسول أو نبي إلا وبعث الله من يخلفه، ليذكر الناس، وفي بعض الأحيان يبعث ثلاثة أنبياء إلى أمة واحدة، وفي بعض الأحيان حين يموت نبي يخلفه مباشرة نبي آخر، ولم يذكر الله سبحانه في القرآن العزيز إلا خمسة وعشرين نبيا، ذكر في موضع واحد من القرآن ثمانية عشر منهم فقال سبحانه: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (83) ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاّ هدينا ونوحا هدينا من قبلُ ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحي وعيسى وإلياس كلٌ من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين) [الأنعام، 83-86]، وذكر سبعة منهم متفرقين، فقال: (إن الله اصطفى آدم) [آل عمران، 33] (وإلى عاد اخاهم هودا) [هود، 50] (وإلى ثمود أخاهم صالحا) [هود، 61] (وإلى مدين أخاهم شعيبا) [هود، 84] (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل) [الأنبياء، 85] وذكر محمد صلى الله عليه وسلم فقال: (محمدٌ رسول الله) [الفتح، 29].

إقرأ أيضا:قصة سيدنا سليمان عليه السلام كاملة

وهؤلاء الرسل والأنبياء كلهم ليسوا عربا إلا أربعة منهم وهم: هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام، والأنبياء الذين لم يذكروا أكثر بكثير من الذين ذكر الله في كتابه، أو ذكرهم رسول الله في سنته، لأن الأمم التي خلقها الله كثيرة، ولذلك كان عدد الأنبياء كثيرا، وبما أن الله سبحانه قال: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذيرٌ) والنذير هو النبيّ، فإن عدد الأنبياء كذلك كثير، فقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عددهم مائة وأربعة وعشرون ألفا من الأنبياء “124000”، وهم ليسوا في مرتبة واحدة بل فضل الله بعضهم على بعض قال سبحانه وتعالى: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض)، ومن هؤلاء يوجد ثلاثمائة وخمسة عشر رسولا “315” لأن الرسول أعظم وأفضل من النبي، وهؤلاء الرسل أيضا ليسوا في منزلة واحدة بل فضل الله بعضهم على بعض كما قال سبحانه: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) ويوجد من هؤلاء الرسل خمسة هم أعظم وأفضل من بقية الرسل، ويسمون بأولي العزم من الرسل ذكرهم الله في موضع واحد فقال: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنكَ –أي محمد- ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم) [الأحزاب، 7] سمّوا بذلك لأن عزيمتهم في الدعوة إلى الله كانت كبيرة، وصبرهم عظيم رغم أنهم أوذوا كثيرا من قبل أقوامهم، إلا أن ذلك لم يكن ليثنيهم عن عزمهم، ولم يفشلوا أمام التهديدات، بل ظلوا صابرين بإرادة قوية، لذلك جعلهم الله أفضل الأنبياء والمرسلين، وقد ذكر الله قصص هؤلاء الخمسة بتفصيل في القرآن الكريم، وكيف كانت دعوتهم لأقوامهم، وكيف كان إيذاؤهم لهم، وصبرهم العظيم على ذلك الإيذاء عليهم الصلاة والسلام.

إقرأ أيضا:قصة سيدنا داود عليه السلام كاملة ومكتوبة

الإيمان بجميع الرسل

وقد جعل الله سبحانه بعض هؤلاء الأنبياء والرسل أغنياء، وبعضهم ملوكا، وبعضهم ضعافا، وأمرنا أن نؤمن بهم كلهم؛ بحيث إن الذي لا يؤمن بكل الأنبياء يعتبر كافرا، حتى ولو آمن بكل الأنبياء إلا نبيا واحدا فإنه يعتبر كافرا، فمن لم يؤمن بنبوة عيسى عليه السلام مثلا فإنه كافر. وقد بين الله حال الأنبياء مع أقوامهم لمّا كذبوهم، فقال عن أقوام نوح وعاد وثمود: (كذّبت قوم نوح المرسلين) [الشعراء، 105] (كذّبت عادٌ المرسلين) [الشعراء، 123] (كذّبت ثمود المرسلين) [الشعراء، 141]، فكل قوم من هؤلاء كذبوا برسولهم فقط، لكن الله حكم في الآيات المذكورة بأنهم كذبوا بالرسل جميعا، والنتيجة أن التكذيب برسول واحد هو تكذيب بالرسل جميعا لأنهم جاءوا بدين واحد من عند الله. وقد بين الله هذه الدعوة التي دعا إليها هؤلاء الأنبياء والرسل، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا من نبي الله آدم إلى آخر نبي ورسول، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله في كتابه العزيز: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلاّ يوحى إليه أنه لا إله إلاّ أنا فاعبدون) [الأنبياء، 25]، فالذي أمر الرسل والأنبياء بهذه الدعوة هو الله، ومن كذّب برسول أو نبي فقد كذب بما أمر الله به، ومن كذّب بهذا المأمور به فقد كذّب بالله تعالى.

إقرأ أيضا:قصة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام كاملة

وإنما ذكر الله هؤلاء الأنبياء والرسل في كتابه لأن قصصهم فيها عبر ومعجزات، وهي من أحسن القصص التي ليس فيها كذب، قال الله سبحانه: (نحن نقص عليك أحسن القصص) [يوسف، 3]، بعض قصص الأنبياء والرسل أطال الله فيها، وبعضهم لم يذكر قصصهم، وإنما ذكر أسمائهم فقط، فمن هؤلاء الأنبياء الذين ذكرهم الله في القرآن ولم يذكر قصصهم نبي الله ذو الكفل عليه السلام، قال الله في القرآن: (واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكلٌ من الأخيار) [ص، 48]، فهؤلاء الأنبياء من عباد الله الأخيار، اختارهم واصطفاهم على الناس وجعلهم من عباده الصالحين ومن أنبيائه الأفاضل، حملوا رسالاته إلى الناس، يخبرونهم ويعلمونهم أن لهم خالقا ورازقا، هو الله سبحانه وتعالى الذي يُحب من عباده أشياء ويكره منهم أشياء، بيّنوا لهم ما يحبه ويرضاه ليعملوا به، وبيّنوا لهم ما لا يحبه ليجتنبوه، وإن أعظم ما أمر به هؤلاء الأنبياء أقوامهم أن قالوا لهم: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) [الأعراف، 73]، ولقد ذكر العلماء قصة نبيّ الله ذي الكفل عليه السلام. وهي كما يلي:

شروط استخلاف ذي الكفل

إن نبي الله اليسع عليه السلام لما كبر وعلم بقرب أجله أحّب أن يستخلف رجلا من بعده. كما فعل معه من قبل نبي الله إلياس عليه السلام، الذي وصّاه واستخلفه، فأحب اليسع عليه السلام أن يستخلف هو أيضا؛ إذ يعلم أن بني إسرائیل کثيروا التقلب، لا يمكثون على منهج واحد، ولا يثبتون على دين الله، لذلك كان سبحانه يبعث إليهم النبيّ تلو النبي ليَسوسَهم، ويبقى معهم ليوجههم ويعلمهم، حتى لا يزيغوا ولا يكفروا ولا يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، لكن من يكون خليفة لهذا الكريم؟، فالأمر ليس سهلا، لأن هذا الرجل ينبغي أن تكون فيه صفات تؤهله ليكون خليفة لنبي الله اليسع عليه السلام، وينبغي أن يكون متخلقا بالأخلاق الحميدة والآداب الفاضلة كالكرم والحلم والعلم، وعزة النفس والشجاعة، وغيرها من الآداب والأخلاق.

إليك وضع نبي الله عليه السلام شروطا لمن يستخلفه بحيث إذا توفرت فيه إنه سيكون حليفة لهذا النبي الكريم، أما إذا لم تتوفر فيه فإنه لن يكون أهلا ليستخلفه، أراد عليه السلام أن يجمع الناس ليخبرهم بما أراده من استخلافه لرجل يكون من بعده.

ولما سمع الناس ذلك أراد كل واحد منهم أن يكون هو الخليفة لليسع عليه السلام، تناقلوا فيما بينهم في مجالسهم وفي البيوت أن اليسع أراد أمرا مهما، فلما وصل اليوم الموعود أخذ الناس يأتون جماعات وفرادى إلى المكان الذي سيخاطبهم فيه عليه السلام، جلس كل الناس في أماكنهم، وامتلأ المجلس بهم، وكل واحد منهم كان يتمنى أن ينال شرف الخلافة العظيم، والمنزلة الكبيرة بعد اليسع عليه السلام ليحكم بني إسرائيل ويوجههم. قام عليه السلام خطيبا فيهم، فحمد الله سبحانه وأثنى عليه، وقال: إني أحببت أن أستخلف رجلا عليكم ليحكمكم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل. فإن أصاب في العمل، وعلم كيف يحكم كنت مساندا له في ذلك، وإن أخطأ ولم يعلم كيف يحكم فيكم علّمته، ثم قال لهم: من يتقبل مني ثلاثة شروط جعلته خليفة عليكم: الشرط الأول: أن يصوم النهار، والشرط الثاني: أن يقوم الليل، والشرط الثالث: ألا يغضب. فخاف الناس من هذه الشروط لصعوبتها، فمن من الرجال يستطيع أن يطبق هذه الشروط، قام من وسط الناس رجل لا يكاد يعرفه أحد، ليس من أهل المال، وليست له وجاهة في القوم حتى يعرفوه، فتقدم إلى اليسع عليه السلام وقال: أنا يا نبي الله. فتعجب الناس من الرجل، كيف يستطيع أن يقوم بهذه الشروط الصعبة التي ذكرها نبيّهم. فقال اليسع عليه السلام: أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب؟! فقال الرجل: نعم. أراد نبي الله أن يؤجلهم إلى وقت آخر لينظروا في شأنهم: من يختارونه عليهم خليفة، حتى لا يلوموه إذا اختار ذلك الرجل الذي قبل الشروط، قال لهم اليسع عليه السلام: موعدكم الغد في نفس هذا المجلس، أصبح الناس يتكلمون عن الرجل الذي قبل بشروطه رغم صعوبتها.

ولما كان يوم الغد اجتمع الناس كالأمس، وأخذوا أماكنهم ليسمعوا نبيهم الذي قام فيهم خطيبا وقال مثل ما قال بالأمس: من يتقبل مني ثلاثا أستخلفه؟ أن يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب. سكت الناس ولم يرد أحد أن يقوم، فقام ذاك الرجل الذي وقف بالأمس وقال: أنا. فلم يُرد اليسع عليه السلام أن يجعله خليفة عليهم، وأجلهم لليوم الثالث، خرج الناس من المجلس، وقد ازداد تعجبهم من إصرار الرجل الذي يظهر ضعيفا، ورغم ذلك فإنه قبل الشروط الصعبة التي وضعها النبي الكريم، وفي اليوم الثالث اجتمع الناس أيضا في ذلك المكان، لعلهم يجدون رجلا آخر من الأغنياء أو من أهل الوجاهة يقبل بهذه الشروط بدلا من ذلك الرجل الذي قام في المجلس مرتين.

ولما اجتمع الناس قام اليسع عليه السلام خطيبا، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال لهم كما قال من قبل: من يتقبل مني ثلاثا أستخلفه؟ أن يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب. سکت الناس أيضا، ولم يرد أحد أن يقوم، فوقف ذاك الرجل للمرة الثالثة وذهب إلى اليسع عليه السلام وقال له: أنا أصوم النهار، وأقوم الليل، ولا أغضب، عند ذاك قبل نبي الله بهذا الرجل وجعله خليفة على بني إسرائيل.

أخذ هذا الرجل مكانه وأوحى الله إليه، فأصبح الحَكَم بين بني إسرائيل فيما تنازعوا فيه؛ إذا تشاجروا رفعوا أمرهم إليه فيحكم بينهم بالحق، وكان يصوم النهار على الدوام ويقوم الليل كله فلا ينام، وله وقت قصير ينام فيه على الدوام هو القيلولة بعد أن يكون متعبا، ومع هذا كله كان مهما فعلوا له من أمر ليغضبوه فإنه لم يغضب.

ذو الكفل ينجو من إبليس

جاء إبليس إلى أصحابه الشياطين وأمرهم أن يوسوسوا له حتى يعجزوه عن القيام بالشروط الثلاثة، فلو استطاعوا أن يجعلوا الرجل لا يقدر على قيام الليل ولو لليلة واحدة، أو يجعلوه لا يقدر على صيام النهار ولو ليوم واحد أو يجعلوه يغضب، فإنهم بذلك قد نجحوا في الأمر، فبذلوا كل ما في وسعهم من الحيل والوساوس والمغريات، ولكنهم فشلوا لأن الله سبحانه أعطاه قوة عجيبة، وإرادة قوية، فثبت أمام الشياطين، وبقوا معه مدّة لعلهم يعجزونه لكن ما استطاعوا، ولما التقوا برئيسهم إبليس، اعترفوا له أنهم قد عجزوا وفشلوا أمام هذا الرجل. فقال لهم: سوف أفعل كل ما في وسعي، وسأبذل كل طاقتي حتى أغويه، فتخيّر إبليس اللعين الوقت الذي يستريح فيه الرجل من التعب ليدخل عليه، وهو وقت القيلولة.

ولما جاء للقيلولة تصور إبليس اللعين في صورة رجل، وتنّكر في هيئة شيخ كبير طاعن في السن، قصد الدار ودقّ الباب، فقال النبيّ عليه السلام: من ذا الذي يدق الباب؟ قال إبليس: أنا شيخ كبير فقير مظلوم. قام وفتح له الباب ليسمع كلامه، جعل إبليس الذي كان متنكرا يقص عليه حكايته المكذوبة، قائلا: إنّ بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني وأخذوا مني حقي، ونزعوا مني أموالي، وفعلوا بي كذا وكذا، وأخذ يطيل القصة، وذو الكفل متعب يسمع ما يقوله الشيخ حتى انتهى وقت القيلولة، ولم يأخذ حظه من الراحة، أراد إبليس بذلك أن يتعبه أكثر حتى لا يستطيع أن يقوم الليل، فلما انتهى هذا الشيخ المزّيف من الكلام، قال النبي عليه السلام للشيخ: إذا ذهبتُ إلى مجلسي الذي أحكم فيه بين الناس، فتعال إلي وأتني بالقوم الذين ظلموك لأسمع منك ومنهم، ثم أحكم بينكم بالعدل، انصرف الشيخ، وذهب ذو الكفل إلى مجلسه، وأخذ ينظر يمينا وشمالا لعله يرى الشيخ الذي جاء يشتكي إليه في وقت القيلولة، ولكنه لم يأت.

فلما خيّم الظلام على الرجل قام صلى الليل كله كما كان يفعل من قبل، لأن الله أعطاه قوة من عنده وهو عبد مخلص، والمؤمن المخلص مؤيد منصور من عند الله. ولما جاء اليوم التالي ذهب إلى المجلس ليحكم بين الناس، وكان ينظر أيضا يمينا وشمالا لعله يرى الشيخ الذي جاء شاكيا بالأمس، ولكن الشيخ لم يأتي، وذهب النبّي إلى البيت ليقيل ويستريح، إذ هو متعب لم ينم ليلا ولا نهارا، لما وضع ثيابه واستلقى على الفراش لينام، إذا بالباب يدق، قال الطارق: أنا الشيخ الكبير المظلوم الذي جاء بالأمس ليشتكي، فافتح الباب. ولما دخل قال النبي الكريم: ألم أقل لك أن تأتيني في مجلسي لأحكم بينكم بالعدل؟، فلماذا لم تأت؟

أخذ الشيخ – الذي هو إبليس – في الكذب قائلا: إن قومي من أخبث الناس نفوسا، وأغلظهم أكبادا، وأقساهم قلوبا، وهم لا يرحمون الصغير، ولا يوقرون الكبير، ولو عرفوا أنك قاعد لتنظر في مشكلتي، فإنهم يقولون لي لا تذهب إليه ونحن نعطيك حقّك، ولكنك عندما تقوم من مجلسك لا يعطونني شيئا لأهم يكذبون، وإنما يعدونني حتى لا أقصدك، وحتى لا يفتضحوا، وما زال يذكر له تلك الأكاذيب حتى لا يترك له وقتا ينام فيه، ولما فات وقت القيلولة قال له ذو الكفل عليه السلام: إذا جاء وقت الحكم بين الناس فتعال إلى لأحكم بينكم بالحق. فقام ولم ينم، وذهب إلى مجلسه في الغد كعادته ليحكم بين الناس، وأخذ ينظر هنا وهناك، ينتظر الشيخ ليحضر للحكم، ولكنه لم يأت.

ولما جنّ الليل عليه، قام يصلي رغم التعب الشديد، إذ لم ينم ليومين اثنين، ولمّا حل النهار لليوم الثالث كان صائما كعادته، فلما جلس في مجلسه أخذ ينظر هنا وهناك منتظرا حضور الشيخ ليحكم له، ولكنه لم يأت، ولما حان وقت القيلولة ذهب إلى بيته وقال لأهله: لا تتركوا أحدا يقرب الباب حتى أنام القيلولة، إنه قد شقّ علي العمل اليوم، وأنا متعب، ولما وضع ثيابه إذا بذلك الشيخ يحضر، وأراد أن يدخل عليه في القيلولة ولكن أهله منعوه من الدخول عليه، وقالوا له: إنه متعب، وينبغي أن ينام قليلا، وأمرنا ألاّ ندع أحدا يدخل عليه.

أخذ هذا الشيخ ينظر يمينا وشمالا لعله يرى مدخلا يتسلل منه ليدخل على الرجل الصالح، فوجد ثقبا في الحائط، دخل منه عليه ودقّ الباب كما كان يدقه من قبل، فأراد بذلك أن يغضب ذو الكفل على أهله؛ لأنهم تركوا شخصا قد وصل إلى الباب الذي أغلقه، قام النبّي وذهب إلى أهله الذين أمرهم أن يحرسوا الباب حتى لا يدخل عليه أحد قائلا لهم: ألم آمركم ألا تتركوا أحدا يدقّ عليّ الباب؟ فقالوا له: إننا قد حرسنا بابك ولم نترك أحدا يدخل منه عليك، نظر النبّي إلى الباب وجده مغلقا، فالتفت وإذا معه داخل الدار ذاك الشيخ الذي كان يأتي إليه ليشتكي، فعرف أن الشيخ الذي أمامه إن هو إلا إبليس، فلا يستطيع أن يدخل إلى الدار أحد من ثقب إلا إبليس. فقال: أأنت عدو الله إبليس؟ قال الشيخ: نعم أنا إبليس، إني أردت أن أغويك وأفتنك حتى لا تقوم الليل، ولكن بقيت تقوم الليل، وأردت أن أضعفك حتى لا تستطيع الصيام ولكنك بقيت صائما، وأردت أن أغضبك لما دخلت عليك ولكنك لم تغضب.

نجح ذو الكفل في هذا الاختبار، ووفى بما تعهد به من الشروط الثلاثة، فسماه الله ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفّى به، وصبر على ذلك صبرا عجيبا، ولذلك أثنى الله سبحانه عليه في كتابه الكريم ووصفه مع إخوانه الأنبياء بأنه من الصابرين. قال: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلٌ من الصابرين) [الأنبياء، 85].

السابق
قصة سيدنا أيوب عليه السلام كاملة
التالي
قصة سيدنا سليمان عليه السلام كاملة

تعليق واحد

أضف تعليقا

  1. التنبيهات : قصة سيدنا إلياس واليسع عليهما السلام كاملة مكتوبة - تدوينة

اترك تعليقاً