قصص وشخصيات

قصة سيدنا نوح عليه السلام كاملة

قصة نوح عليه السلام

إن أرسلنا نوحا الى قومه أن انذر قومك من قبل أن ياتيهم عذابٌ أليمٌ

سورة نوح، الآية 1

إصرار قوم نوح على الكفر

لما مات آدم عليه السلام وترك أبناءه على دين الحق، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، بقي الناس مدة وهم في صلاح وخير بعيدين عن الشرك والشر، تعاقبت الأعوام على ذلك ولكن الشر والشرك بدءا يدبان في الناس، فصنعوا التماثيل وعبدوها من دون الله، ولكن، كيف اتخذ الناس التماثيل؟!

خلاصة القصة: أن أناسًا صالحين، هم يغوث ويعوق ونسر ووُد وسواع، لما ماتوا حزن عليهم قومهم حزنا شديدا، فأوحى الشيطان إليهم أن اجعلوا تماثيل تشبه هؤلاء الصالحين حتى تذكروهم دائما، ولما مات هؤلاء الناس الذين صنعوا التماثيل جاء من بعدهم أبنائهم قالوا إنما اتخذ آباؤنا هذه التماثيل ليعبدوها ويتقربوا بها إلى الله زلفى، لما لها من منزلة ومكانة عند الله، أخذوا يعبدونها ويُقربون إليها القرابين، ويقدمون لها الذبائح، ويغضبون لها، ويحاربون من أجلها.

لما فسد الناس وغيروا دينهم الذي تركهم عليه أبوهم آدم عليه السلام، وأكثروا من الفساد وسفك الدماء، وانتهاك المحرمات، بعث الله لهم نبيًا من أنبيائه المقربين، هو نوح عليه السلام، ولما رأى نوح ما يفعلونه من الشر والشرك أخذ يدعوهم إلى الخير وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة الأصنام التي اتخذوها آلهة يعبدونها من دون الله، وقال لهم: إن هذه الأصنام التي تعبدونها لا تقربكم إلى الله بل تبعدكم عنه سبحانه، ولا تملك لكم نفعا ولا ضرًا، وإنما تضرون أنفسكم عندما تعبدون هذه التماثيل التي صنعتموها من الأحجار والخشب، وكان نوح عليه السلام يدعوهم بالليل والنهار دون فتور ولا ملل؛ ينتقل بين الأفراد والجماعات دون انقطاع.

إقرأ أيضا:نبذة عن صمويل بيكيت: من مؤسسي المسرح الحديث من إيرلندا

أما الناس فبدلا من أن يسمعوا كلام الحق الذي جاءهم به نوح عليه السلام إذا بهم يعرضون عنه، ويجعلون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوه، فلو كان ما يقال كلام الباطل لسمعوه، ولكن للأسف لا يحبون الخير، وقد ذكر الله سبحانه ذلك في كتابه فقال: (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعاءي إلا فرارا (6) وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في ءاذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (7)) (نوح، 5-7)، بل فعلوا أقبح من هذا، إنهم كانوا يسبونه ويشتمونه ويُعَيرونه، ويلصقون به تهما كثيرة، فقالوا عنه إنه مجنون حتى لا يسمعه أحد، وإنه ضال بعيد عن الحق إلى غيرها من الاتهامات الباطلة.

استنجاز القوم عذاب الله

أما وجهاء القوم وكبراؤهم فقالوا له: كيف يبعث الله رجلا رسولا مثلك؟ وإنما تزعم أنك رسول من الله لتكون أفضل منا بين الناس، فتعظم في أعينهم، وتكون أكثر منا وجاهة، وتريد أن يأتيك الناس ويعطوك من أموالهم لتكون مثلنا من أهل المال، ولو كان ما تدعونا إليه حقا لكنا نحن أول من اتبعك، ولكن لا نرى أتباعك إلا من الضعفاء والفقراء، أتريد أن نكون نحن مع هؤلاء؟! فقال لهم نوح: يا قوم أنا لا أريد المكانة والمال الذي تقولون، إنما أجري على الله سبحانه، وإنما آمركم بعبادة لله وحده، وألا تشركوا به هذه التماثيل التي صنعتموها بأيديكم، وصنعها آباؤكم من قبل، وهذا الذي أدعوكم إليه هو وصية آدم عليه السلام من قبل، فأنتم الذين غيروا هذه الوصية مع آبائكم فغيرتم الدين وأفسدتم في الأرض وسفكتم الدماء.

إقرأ أيضا:نبذة عن اديث بياف: أسطورة الغناء الفرنسي

فلما أكثر نوح عليه السلام نصحه لهم، وإرشادهم إلى الخير، ولم يجدوا ما يصدونه به عن دعوته هذه، (قالوا يا نوحُ قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) (هود، 32)، والآن ألم تخبرنا أننا إن لم نؤمن بما تدعونا إليه فإن الله سيهلكنا بعذاب من عنده، إن كنت محقا كما تزعم فنحن لن نؤمن بدعوتك، فأتنا بهذا العذاب إن كنت من الصادقين.

وكان قوم نوح عليه السلام إذا جاء أحدهم الموت يجمع حوله أبناءه ويوصيهم أن لا يتبعوا هذا النبي في دعوته. أما أهل نوح عليه السلام، فقد كان له أربعة أبناء من زوجة واحدة؛ وهم حام وسام ويافث ويام، وزوجته ماتت في حياته ولم تؤمن بدعوته، بل أصرت على كفرها وشركها وفسادها؛ أما أبناءه فإن حاما وسامًا ويافث كانوا مطيعين لأبيهم مستجيبين لما يدعوهم إليه، يفعلون الخير ويجتنبون الشر، وأما أخوهم الرابع: يام فقد بقي على شرکه مثل أمه وقومه، فلم يسمع لدعوۃ أبيه ونصحه له وإرشاده لما فيه الخير والصلاح.

نوح يصنع السفينة

ولما يئس نوح عليه السلام من استجابة وإيمان قومه دعا عليهم فقال ما معناه: “يا رب لا تترك على الأرض من هؤلاء الكفار ساكني الديار، لأنك لو تركتهم فإنهم سينجبون نسلا فاسدا مثلهم، وإذا ولد لأحدهم ولد فإنه يصبح فاجرا كفارا، إنهم ليسوا أهلا للنعم”.

إقرأ أيضا:نبذة عن الملكات الملونات: ملكات حكمن المملكة الإسلامية في سيام (تايلاند)

في هذي الظروف أوحى الله سبحانه إلى عبده الصالح نوح عليه السلام أن قد بلّغت ما أمرتك بتبليغه، وأنه لن يؤمن لك بعد

اليوم أحد إلا من آمن من قبل، وأني مهلك قومك الذين كفروا، فاصنع سفينة كبيرة ونحن سنريك كيف تصنعها، فأخد نوح عليه السلام في قطع الأشجار وصنع الأخشاب وفتل الحبال لربط القطع الخشبية بعضها ببعض، وكان قومه يمرون عليه وهو يصنع الفلك، وينظرون إليه نظرة احتقار واستهزاء يقولون: هل رأيت سفينة تمشي على الأرض؟! فيطلقون قهقهات عالية. كان حديث العام والخاص في البيوت والطرقات والأسواق عن هذه السفينة العجيبة التي يقوم بصناعتها نوح عليه السلام؛ فأما الذين آمنوا به، وكانوا قليلين فقد زادهم ذلك إيمانا وثباتا، وعلموا أنّ ما يفعله نوح عليه السلام حقٌّ، وأن الله سيهلك قومه الذين أبوا أن يؤمنوا، وكانوا يقولون مع نبيهم إذا استهزأ به قومهم: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون، وسوف تعلمون عندما ينتهي نبينا من إنجاز السفينة من له العاقبة الحميدة، ومن تكون عاقبته سيئة، من يكون آمنا، ومن يحل عليه عذاب مقيمٌ؟ نحن أم أنتم؟

نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين

لما فرغ نوح عليه السلام من صناعتها بعد مدة طويلة جدا أخذ قومه ينظرون إليها، ويعجبون من ضخامتها؛ فقد كانت مجزأة إلى ثلاث طبقات، الطبقة السفلى ليحمل فيها الدواب والوحوش، والطبقة الوسطى يحمل فيها الناس، والطبقة العليا ليحمل فيها الطيور بكل أشكالها وأنواعها، وأمر الله سبحانه نوحًا عليه السلام أن يحمل معه الزاد من أكل وشراب لكل صنف من الحيوانات والطيور والناس، ويحمل من كل الحيوانات زوجين، في كل صنف ذكر وأنثى؛ أخذ الحمار وأنثاه الأتان، وأخذ الأسد وأنثاه اللبؤة، وأخذ الديك وأنثاه الدجاجة، وهكذا في سائر الحيوانات الأخرى لكي تتكاثر بعد ذلك.

أمرهم نوح عليه السلام جميع تلك الحيوانات بالركوب، فكان كل صنف يأخذ مكانه، وركب الناس الذين آمنوا به وهم ثمانون بين رجال ونساء، وركب معه أبناؤه الثلاثة حامٌ وسامٌ ويافثٌ، وبقي يام لم يركب معهم، فقال له أبوه نوح: تعال يا بني اركب معنا لتسلم من الغرق، فقال الابن المكذب: إن كان هناك طوفان كما تزعم فإني أذهب إلى أعلى الجبل ولن يصلي الماء، ابن عاق يستهزئ بأبيه كقومه، فقال له أبوه: إنه لا يسلم أحد من هذا الطوفان، ولما ركب نوح عليه السلام في السفينة قال: باسم الله، اللهم يسر أمرنا عندما نسير وعندما نتوقف. وحينئذ أخذت السماء تتلبد بالغيوم شيئا فشيئا، والرياح تزمجر، والبرق يضيء، والرعد يدوي، فنزلت أمطار غزيرة قوية لم ير لها مثيل، وفجر الله في الأرض عيونا، فسالت المياه كالأودية، وأخذ الناس يجرون هنا وهناك، عسى أن يجدوا مخبأ يختبئون فيه؛ فهذا يتسلق شجرة وهو يظن أنها ستحميه من الغرق، وذاك يصعد فوق البيوت، ولكن الماء كان في ارتفاع مستمر، فحمل السفينة، والناس يسيحون ويبكون، لكن لا أحد يسمع لصراخهم وعويلهم، فمن يسمع لهم؟ قد أنذرهم نوح عليه السلام بالعذاب فكانوا يستهزؤون به، والآن جاء وقت تحقيق ما أنذرهم له نوح عليه السلام من عقاب ليريهم الله أن ما كان يدعوهم إليه نبيهم حق لا كذب فيه ولا بهتان، نظر نوح عليه السلام من السفينة، وقد رأى ابنه يامًا يصعد الجبل، فناداه مرة أخرى شفقة ورحمة به: أن اركب معنا، ولكن صوت الحق لا يصل إلى قلب الابن، أخذ يصعد الجبل والماء في صعود كأنه يلاحقه، فلما وصل إلى أعلى الحبل، ارتفع الماء أكثر فكان من الهالكين. هنالك دعا نوح عليه السلام ربه قائلا: يا رب إنك قلت لي احمل أهلك، وإن ابني من أهلي، قال له ربه سبحانه: إن ابنك ليس من أهلك لأنه عصى الله ولم يؤمن بك، إنما أهللك الذين استجابوا لدعوتك.

شكر المؤمنين لله

بعد ذلك كله أمر الله السماء أن تتوقف، وأمر الأرض أن تبلع الماء، لم يبق على الأرض رجل ولا امرأة من أولئك الكافرين الجاحدين، كلهم هلكوا ليطهر الله الأرض من هؤلاء الناس الذين أفسدوا فيها، وعبدوا غير الله و أكثروا من الشر، أخذ الماء ينخفض شيئا فشيئا بعد أن كانت الأمواج ترتفع كالجبل، حتى إن السفينة كانت تظهر صغيرة جدا أمام هذه الأمواج المتلاطمة، سكنت الأمواج بعد هيجانها، وظهرت الشمس بعد غيابها، ورست السفينة بعد إبحارها بأمان وسلام على جبل يسمى الجودي بأرض الجزيرة العربية، وخرج الناس والحيوانات والطيور من السفينة سالمين آمين. وهذه هي سنة الله في خلقه؛ أنه ينجي الطائعين لأوامره، ويخذل ويذل ويهلك العاصين له ولرسلهم عليهم السلام.

شكر نوح عليه السلام ربه تعالى، فقد كان عبدا شكورا، وبنى لله مذبحا قدم فيه قربانا له سبحانه، من الحيوانات بعد أن أنجبت. لقد بارك الله في هذه الحيوانات فتناسلت بكثرة، وقد عهد الله سبحانه لنبيه عليه السلام أن لن يهلك الناس بالطوفان بعد ذلك اليوم، وجعل له على ذلك دليلا هو قوس قزح، أو هو قوس الله الذي جعله أمانا من الغرق. تكاثر الناس بعد ذلك، وهؤلاء البشر اليوم كلهم من أبناء نوح عليه السلام يافث وحام وسام، ولد لكل واحد منهم ثلاثة أبناء؛ أما سام فأبناؤه العرب وفارس والروم، وأما یافث فأبناؤه الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وأما حام فأبناؤه القبط والبربر والذوي البشرة السوداء.

وصية نوح لأبنائه

لما حضرت نوح عليه السلام الموت، جمع أبناءه ليوصيهم وصية الوداع، واجتمعوا ليسمعوا كلام أبيهم الأخير، وهم بعد اليوم لن يروه، فيا ترى: أجمعهم ليقسم بينهم الميراث؟ أم جمعهم ليوصيهم بأنفسهم على أمور دنياهم؟ لا. لا هذا ولا ذاك، إنّ ما جمعهم ليقول لهم كلمة من ذهب، بل أغلى من الذهب، إنه جمعهم ليقول لهم: آمركم يا أبنائي بأمرين، وأنهاكم عن اثنين، ما هما هذان الأمران؟ وما هما هذان النهيان؟ قال لهم: آمركم بلا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده، فبهما يرزق الخلق. وأنهاكم عن الشرك والكبر، إنهما أمران جليلان ونهيان خطيران.

أما لا إله إلا الله فلأنه من أجلها أهلك الله قوم نوح بالغرق، ومن أجلها بقي معزولا عن قومه، مُتهما في عرضه، فهذه الكلمة كلمة الإخلاص، وهي كلمة التوحيد، من قالها صادقا متبعا أوامر ربه فإن الله يدخله جنته، أما من أعرض عنها وأبى أن يقولها – كما هو شأن قوم نوح عليه السلام الذين أعرضوا عن قولها- فإن الله سيغضب عليه وسيعاقبه في الدنيا قبل الآخرة. وما له من العذاب يوم القيامة أكبر وأشد، وهذه الكلمة هي دليل على طاعة العبد لربه المُحب لهذه الكلمة، فقائلها يعيش حياة طيبة في الدنيا وفي الآخرة.

أما الكلمة الثانية التي أمرهم نوح عليه السلام بها فهي سبحان الله وبحمده التي يرزق الله بها الخلق، فالقوم لما عبدوا الأصنام وقدموا لها القرابين، إنما فعلوا ذلك خوفا على أرزاقهم، فدلهم نوح عليه السلام على أن الذي يرزق هو الله، وأن من أكثر من قول سبحان الله وبحمده فإن الله يرزقه بفضل هذه الكلمة بعد أن يقوم بتقديم الأسباب.

أما الأمران اللذان نهاهم عنهما نوح عليه السلام وأوصاهم باجتنابهما فهما الشرك والكبر، أما الشرك فلأنه رأس الشر وكلمة لا إله إلا الله هي رأس الخير، إذ كلما أشرك العبد مع الله أحدا فإنه يكون بعيدا عنه، ولذلك كان القوم بعيدين عن الله وكانوا من المشركين، فأراد نوح عليه السلام أن يقربهم إلى الله، فدعاهم إلى عبادته وحده سبحانه، كما دعاهم إلى ترك عبادة الأصنام، لأن من عبد الأصنام فقد أشرك بالله في العبادة، أما الأمر الثاني الذي نهاهم عنه فهو الكبر، وقومه كانوا متكبرين مبتعدين عن الحق، فقالوا: كيف تكون أنت رسولا من عند الله، ولا نكون نحن هم رسل الله أيضا؟!. فكذبوا بالحق استكبارا وهم يعلمون ذلك، فالتكبر يمنع من قبول الحق والاستماع إليه.

وفي النهاية كانت العاقبة الحسنة للمتقين، وكان العقاب والعذاب جزاء الكافرين الجاحدين.

السابق
قصة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام كاملة
التالي
تعريف، مبادىء وخطوات عملية التنظيم

اترك تعليقاً