قصص وشخصيات

قصة سيدنا يوسف عليه السلام كاملة

قصة يوسف عليه السلام

لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين

سورة يوسف، الآية 07

محاولة التخلص من يوسف

ذكر الله قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم كاملة في سورة واحدة سماها سبحانه باسم هذا النبي الكريم، هي “سورة يوسف“، كان أبوه وجده وأبو جده أنبياء، إذ هو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، كان يعيش بأرض الشام بفلسطين، وأبوه يعقوب عليه السلام كان يحبه حبا عظيما، وكان له أحد عشر أخا، أصغرهم سنا هو بنيامين، يليه يوسف، ثم بقية الإخوة، وفي يوم من الأيام بينما كان يوسف عليه السلام في المنام إذا به يرى رؤيا عجيبة، لما استيقظ ذهب إلى أبيه يعقوب وقال له: (يا أبت إني رأيتُ أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) [يوسف، 4] فلما سمع أبوه هذه الرؤيا علم أن معناها عظيم، وأن يوسف سيكون له شأن رفيع، لذلك خاف عليه من أن يذكر هذه الرؤيا لإخوته فيحسدوه فقال: (يا بني لا تقصص رءياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدوٌ مبينٌ) [یوسف، 5] وهو يعلم أن إخوته إذا سمعوا بهذه الرؤيا فإنهم سيكيدون له، لأنهم كانوا يرون أن أباهم يقرّب إليه يوسف ويجبه أكثر منهم، لذلك قالوا: (ليوسفُ وأخوه أحبُ إلى أبينا منا ونحن عصبة) [بوسف، 18] كيف يفضل هذين علينا ونحن عشرة وهم اثنان، فكانوا يريدون أن يحبهم أبوهم كما يحب أخويهم، ولذلك قالوا: (إن أبانا لفي ضلال مبين) [يوسف، 8].

إقرأ أيضا:قصة سيدنا لوط عليه السلام كاملة

أساءوا الأدب مع أبيهم، واحتاروا فيما يفعلونه؛ فوسوس لهم الشيطان، فقال أحدهم: (اقتلوا يوسف) [بوسف، 9]، وقال الآخر: لا بل اطرحوه أرضا أي خذوه إلى مكان بعيد حتى لا يرجع منه، ليخلو لهم أبوهم فيحبهم، فقال لهم الآخر: (لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابات الجبّ) [يوسف، 10] أي اجعلوه في بئر واتركوه فيه حتى إذا جاء المارة ليشربوا الماء التقطوه وأخذوه معهم، وهكذا لا نقتل أخانا ويحلو لنا وجه أبينا، فذهبوا إلى أبيهم وقالوا له: ( يا أبانا ما لك لا تامنا على يوسف) [يوسف، 11] أتخاف عليه منا ونحن إخوته، ونحب أن تلعب معه، ولن نغفل عنه أبدا (وإنا له لحافظون) [يوسف، 12]، فخاف عليه يعقوب عليه السلام، وأحس بالمكر والخديعة من كلامهم فقال : ( إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن ياكله الذيب) [يوسف، 13] فطمأنوه بأنهم عشرة ولن يصل إليه سوء.

أرسله يعقوب معهم، ولما وصلوا إلى البئر ألقوه هناك، وكان وسطها صخرة، وقف عليها، ثم ألهمه الله بأنه سينجو ويخرج من هذه البئر، وسوف ينبئهم بما فعلوا معه بعد سنين (وأوحينا إليه لتنبئهم بأمرهم هذا وهو لا يشعرون) (يوسف، 15). ثم إن إخوة يوسف عليه السلام فكروا فيما سيقولونه لأبيهم عند رجوعهم، فأخذوا ولد شاة، ذبحوه ثم لطخوا بدمه قميص يوسف، وعادوا إلى في المساء إلى أبيهم، وكانوا يبكون أمامه ليصدقهم ثم زعموا قائلين:(إنّا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذيب) (يوسف، 17)، كذبوا على أبيهم وعلموا أن كذبهم هذا لا يصدق، فقالوا: ( وما أنت بمومن لنا ولو كنا صادقين) (يوسف، 17) ثم جاءوا بقميص يوسف الذي لطخوه بالدم ليبينوا له أنهم صادقون، ولكنه علم أن الشيطان وسوس لهم فقال : (بل سولت لكم أنفسكم أمرًا) (بوسف، 18) فما كان من الأب الحزين إلا أن قال: (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) (يوسف، 18).

إقرأ أيضا:قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام كاملة

يوسف بين العبودية والإغواء

أما يوسف عليه السلام فإنه مكث في البئر فوق تلك الصخرة إلى أن مر من ذلك المكان أناس (فأرسلوا واردهم) [یوسف، 19] الذي يأتيهم بالماء من تلك البئر المعروفة في ذلك المكان وعندما أدلى بدلوه فإذا به يجد أن في أسفل البئر غلاما صغيرا، ففرح بذلك، وقال: يا بشرى هذا غلام، وأخذوه خفية ووضعوه مع البضاعة حتى لا يعلم حاله أحد، فلما وصلوا إلى مصر، قاموا ببيعه بثمن قليل، وكان الذي اشتراه هو العزيز الذي كان أمينا على المال، ومن أعظم الناس وجاهة، وأكبرهم منزلة بعد الملك، أخذه إلى قصر وقال لزوجته : (أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) [يوسف،21 ] لأنه لم يكن له أولاد، تربى یوسف عليه السلام في قصر العزيز وهو مكرم معزز، يقوم بأعباء القصر وما يحتاجه أهله، وبعدما كان عبدا اشتراه عزيز مصر إذا به يصبح مكرما حيث قال الله تعالى فيه : (وكذلك مكنا ليوسف في الارض) [يوسف، 21] ومما أعطاه الله لنبيه أيضا أنه علمه تأويل الأحلام، كان الذي في القصر من الخدم والخادمات إذا رأوا رؤيا ذكروها ليوسف عليه السلام فيفسرها لهم وتقع كما فسرها هو.

وعندما بلغ أشده آتاه الله علما وحُكما مع الجمال الباهر؛ إذ أن الله سبحانه قسم الجمال قسمين: قسم أعطاه للناس، وقسم آخر أعطاه ليوسف عليه السلام وحده، ومع ذلك فقد كان عفيفا نزيها كريما من المحسنين.

إقرأ أيضا:قصة سيدنا نوح عليه السلام كاملة

فلما اكتملت رجولته أحبته امرأة العزيز حبا عظيما، وأرادت به السوء؛ حتى إنها أغلقت عليه الأبواب لتتمكن منه، تريد منه الفاحشة، لكن الله سبحانه نجاه منها لأنه من الأنبياء المعصومين المكرمين، ولما هرب منها ليخرج من البيت إذا به يجد العزيز أمام الباب، وقد رأى المشهد أمام عينيه، عند ذلك قالت زوجة العزيز: (ما جزاء من أراد بأهلك سواءًا إلا أن يسجن أو عذابٌ أليم) [يوسف، 25]. اتهمت يوسف عليه السلام بأنه هو الذي أراد بها السوء، ودافع يوسف عن نفسه بأنها هي التي أرادت به السوء، وكان مع العزيز رجل من عائلة زوجته، حكم بينهما بالحق فقال: إن کان قميصه قد مزق من قُبل -أي من الأمام – فصدقت، أما إن كان قميص يوسف عليه السلام مزق من الخلف فكذبت وهو من الصادقين. ولما رأوا أن القميص قد قطع من خلف علموا أن امرأة العزيز هي التي أرادت بيوسف السوء، وليس هو، فقال العزيز : (إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) [يوسف، 28] ثم أمر يوسف أن يكتم هذا فقال: (يوسف أعرض عن هذا) [يوسف، 29]، وقال لها : (واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) [يوسف، 29]، لكن هذا السر أصبح غير مكتوم، فالناس في المدينة أخذوا يتحدثون بذلك، وبدأت نساء الأمراء وبنات الكبراء يطعنّ في امرأة العزيز والتشنيع عليها وقلن: امرأة العزيز تريد بعبدها الفاحشة والسوء، وأكثرن الكلام في هذا الشأن، ولو كان الذي أرادته مع أحد الكبراء لهان الأمر، ولكنه من العبيد، وهن لا يعرفن من جمال يوسف عليه السلام شيئا، فلما وصل إلى زوجة العزيز ما تقوله هؤلاء النسوة عنها أحبت أن تبعد الفرية -أي الكذب – عن نفسها، فقامت بدعوتهن إلى وليمة ، وأعدت لذلك موعدا، وحضرت أنواعا من المأكولات والمشروبات اللذيذة، وجعلت لكل واحدة من هؤلاء المدعوات متكأ تتكئ عليه، ولما حضرن إلى مجلس زوجة العزيز تبادلن التحية وأكل الطعام الشهي، وعندئذ أعطت كل واحدة منهن سكينا وتفاحة، ولما أخذن في قطع التفاح، أمرت يوسف أن يخرج عليهن في ثياب فاخرة، وحينما رأت النسوة جمال يوسف عليه السلام إذا بهن يقطعن أيديهن بالسكاكين وهن لا يشعرن بالألم، وقلن كلهن : (حاش لله ما هذا بشرا ان هذا إلا ملكٌ كريم) [يوسف، 31]، هنالك قالت لهن امرأة العزيز: (فذلكن الذي لمتنني فيه) [يوسف، 32] كأنها تعذر نفسها من حبها له، وتذكر لهن أنها أرادت به سوءا فاستعصم وأبى، وما زلتُ الآن أريد به السوء: (ولئن لم يفعل ما ءامره به ليسجنن وليكون من الصاغرين ) [يوسف، 32]. فليس ليوسف عليه السلام خيار، إما أن يطبق ما تأمره به، وإما أن يسجن فيكون بذلك صاغرا ذليلا بعد العزّ، أما النسوة فقد أحبت كل واحدة منهن أن تملکه، ثم قلن له: افعل ما تأمرك به سيدتك لتنجو من السجن.

يوسف في السجن

هنالك أدرك يوسف عليه السلام أنه لا ملجأ له إلا أن يدعو ربه لينقذه بالسجن ما يراد له من سوء فقال :(ربّ السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه وإلاّ تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن وأكن من الجاهلين) [يوسف، 33] لأن هؤلاء النسوة يردن مني السوء وأنا لا أريده.

دخل السجن، ودخل معه رجلان أعجبا به وبخصاله، وفي ليلة من الليالي رأى هذا الرجلان في منامهما رؤيا، أرادا أن يعرفا معناها، قال أحدهما: إني رأيت في المنام أني أعصر خمرا للملك، وقال الآخر: إني رأيت في المنام أني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، فأخبرنا بتفسير هذين المنامين. وقبل أن يفسر لهما أخذ يعلمهما دين الله، ويحذرهما من الكفر والشرك الذي كانا عليه مع قومهما بمصر، قال لهما: (يا صاحبيّ السجن أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [يوسف، 39-40] لأن عبادة الله وحده هي الدين القيم الذي يحبه الله ثم أخبرهما تأويل المتنامين قائلا: أما الذي رأى أنه يعصر الخمر فإنه سيكون خادم الملك وساقيه، وأما الآخر فسيصلب على الألواح، وتأتي الطير فتأكل من رأسه، ثم قال يوسف عليه السلام للذي سيكون خادم الملك : إذا التقيت به فاذكر قصتي له بأني دخلت السجن مظلوما. ولما خرج خادم الملك نسي أن يخبر سيده عن يوسف فمكث يوسف في السجن بضع سنين (ما بين ثلاثة إلى تسعة سنوات).

تفسير رؤيا الملك

وفي إحدى الليالي رأى الملك تماما أزعجه، نادي أهل الحكمة والعلماء ليفسروه له قائلا: إني رأيت سبع بقرات

سمان جاءت إليها سبع بقرات ضعيفات، أكلت هذه البقرات السمينة، ورأيت سبع سنابل يابسات يأكلهن سبع سنابل خضر، فلما سمع القوم بهذا المنام قالوا له: هذه أحلام مزعجة ليس لها تفسير. في هذا الوقت تذكر خادم الملك الذي يسقيه بأن يوسف أوصاه أن يذكره عند الملك، فقال له: أنا أخبرك تفسير المنام؛ أرسلني إلى يوسف عليه السلام الموجود في السجن، فهو أعلم بتأويل الأحلام، ولما وصل إليه أخبره بالمنام ففسره قائلا: إنكم ستعيشون سبع سنوات يكون الزرع فيها كثيرا، تتركونه في سنبله ولا تستخرجونه، لأنكم إن استخرجتم الحبوب من السنابل فإنها تفسد، ثم تأتي سبع سنوات أخرى جدباء لا زرع فيها، فما تركتموه في السنوات التي كان كثيرة الزرع تأكلونه في السنوات الجدباء؛ أمر الملك بإحضاره فأبى أن يخرج حتى تظهر براءته للناس، وأنه كان مظلوما قائلا لرسول الملك: ارجع إلى سيدك وقل له: اسأل عن النسوة اللواتي أردن بي السوء، وعن امرأة العزيز . ولما أحضرهن الملك برأّنه، وقلن حاشا لله ما علمنا عنه من سوء، كما برأته امرأة العزيز، وبذلك علم الناس جميعا أنه بريء.

ولما خرج من السجن، ورآه الملك وسمع كلام الذي فيه الحكم والعلم، أحبه فكلفه بتسيير خزائن مصر، لأنه ذو مكانة رفيعة وأمين، وكان الناس يحبونه لعدله، ولما مرت السنوات السبع التي كان فيها الخير جاءت السنوات الشداد، تماما كما أخبرهم بذلك يوسف عليه السلام، وأخذ الناس يأتون إليه من كل أنحاء البلاد ليوزع عليهم القوت.

ملاقاة الإخوة

وكان ممن قصد يوسف عليه السلام مع الناس إخوته ليشتروا القوت، فلما رآهم عرفهم ولم يعرفوه، وعندما اشتروا منه ما أرادوا سألهم عن أسرتهم، فأخبروه بأنهم اثنا عشر، أحدهم مات صغيرا، يعنون به أخاهم يوسف الذي يكلمهم الآن، والاخر هو الآن عند أبينا ونحن العشرة، فقال لهم: اذهبوا بهذا القمح إلى أهاليكم، وفي المرة المقبلة حين تجيئون ائتوني بأخيكم الذي عند أبيكم، وإن لم تأتوني به فلن أعطيكم شيئا، ألا ترون أني أوفيت لكم الكيل كالناس الآخرين. فوعدوه أنهم سيحاولون إقناع أبيهم ليرسله معهم.

ولما رجعوا إلى أهلهم حكوا لأبيهم ما جرى لهم بمصر، ثم قالوا: إن لم ترسل معنا أخنا بنيامين فإن العزيز لن يعطينا شيئا، ولم يرد أن يبعث بابنه الصغير معهم، وخاف عليه أن يفعلوا به كما فعلوا بأخيه يوسف عليه السلام من قبل، ولكن تركه يذهب معهم بعد أن أقسموا له بالله أنهم يحفظونه، ولو لا الحاجة لما تركهم يأخذون أخاهم معهم. خرجوا من بلدهم بالبادية وجاءوا إلى مصر، لما رآهم يوسف قرّب إليه أخاه، وقال له سرا: إني أنا يوسف، وأعلمه أنه سيبقيه عنده، وسيدبر لهم حيلة حتى يتركوه معه، فقال يوسف عليه السلام للخادم: اجعل المكيال الذي نكيل به في رحل بعير بنجامين ولما أراد إخوة يوسف الذهاب نادى منادي الملك بأمر من يوسف عليه السلام أن يقول: أيها القوم إنكم لسارقون، فقال إخوة يوسف للمنادي: ما الذي سُرق منكم؟ فقال: إنّ مكيال الملك قد ضاع، وسنبحث في أمتعتكم عنه، لعل أحدكم قد سرقه، قال إخوة يوسف عليه السلام: لقد علمتم أننا ما جئنا إلا لأخذ القوت، قال المنادي: فماذا لو وجدناه في متاع أحدكم؟ قالوا: مم وجدتم المكيال عنده فخذوه، ولما فتشوا الأمتعة وجدوا المكيال في متاع بنيامين، فأمسك يوسف عليه السلام أخاه ، (قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنّ نراك من المحسنين) [يوسف، 78] قال لهم: إنا لا نأخذ إلا من وجدنا عنده المكيال، في هذه الحال أبى أخوهم الأكبر أن يرجع معهم إلى أبيه لأنهم قد وعدوه بأن يأتوه بأخيهم معهم، وقال لهم: لن أترك هذه الأرض حتّى يأذن لي أبي بالرجوع.

لما رجعوا إلى أبيهم أخبروه بأن بنيامين قد سرق مكيال الملك، ولذلك حبسه العزيز عنده، فقال لهم: (بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبرٌ جميلٌ). ثم فكر في يوسف عليه السلام مرة أخرى. فقالوا: أما زلت تذكر يوسف؟، ولقد ابيضت عيناه من كثرة بكائه عليه، وأنّبوه على ذلك، وخافوا عليه إن استمر الحزن أن يصبح مقعدا لا يستطيع الحركة، فقال لهم: إنما أشكو حزني إلى الله. ثم أمرهم أن يذهبوا مرة أخرى إلى مصر ليبحثوا جيدا عن أخيهم يوسف لإحساسه بأنه ما زال حيّا، وقال لهم: ابحثوا عنه ولا تيأسوا من ذلك، إنه لا ييأس من رحمة الله المؤمنون، وقال: (وأعلم من الله ما لا تعلمون) [يوسف، 86]، رجع إخوة يوسف إلى مصر، ودخلوا على يوسف العزيز عليه السلام لعلهم يقنعونه بأن يرد إليهم أخاهم بنجامين فقالوا: أيها العزيز مسّنا وأهلنا الضر وجئنا لك ببضاعة رديئة، فاقبلها منا وأعطنا مكانها الطعام لنعود إلى أهلنا، فلقد أصبنا بمضرة شديدة.

لقاء الأسرة بيوسف

عندئذ أراد يوسف عليه السلام أن يخبرهم بالحقيقة، فقال: هل علمتم ما فعلتم في يوسف لما طرحتموه في البئر؟ (قالوا إنك أنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي)، ولقد أكرمني الله سبحانه وأعزني وفضلني بعدما كنت ضعيفا، لأن العبد إذا كان تقیًّا صابرا فإن الله لا يضيعه، وسيكون معه ويفرج عنه. وحينذاك ندموا على ما فعلوه ندما شديدا، وخافوا ألا يسامحهم أخوهم على ما عملوا معه لما طرحوه في تلك البئر، وغيّبوه على أبيهم طوال هذه المدة، فقالوا لأخيهم: إن الله قد فضلك علينا. فقال يوسف عليه السلام مطمئنا لهم: لا تحزنوا على ما مضى: (اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) (يوسف، 92)، دعا لهم بالمغفرة والرحمة، ثم أعطى لهم قميصه وقال لهم: اذهبوا بقميصي هذا وضعوه على وجه أبي فإنه سيعود بصيرا كما كان بإذن الله.

وذهبوا بالقميص إلى أبيهم، وقبل أن يصلوا إليه أحسّ بريح – رائحة – يوسف فقال يعقوب لمن حوله: إني لأجد ريح يوسف، ولكني أعلم أنكم تقولوا إنك قد کبرت وخرفت. قالوا: والله إنك لفي ضلال مبين، أما زلت تذكر يوسف بعد كل هذه المدة، لكن يعقوب عليه السلام أحسّ إحساسا شدیدا برائحة يوسف، فلما وصل أبناؤه، وهم الأسباط إلى أبيهم ألقوا على وجهه قميص يوسف عليه السلام، وإذا به يعود بصيرا كما كان، إذ ذاك قال يعقوب عليه السلام لجلسائه: ( ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون) [يوسف، 96]. وحينها قال إخوة يوسف عليه السلام لأبيهم: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين. قال لهم: (سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم). ثم إن يعقوب وأبناءه وأم يوسف ذهبوا كلهم إلى يوسف بمصر، ولما دخلوا عليه القصر ضم أبويه حبا وشوقا إليهما، وأجلسهما أمامه على الكرسي، ثم إن أبويه وإخوته الأسباط سجدوا له سجود تكريم، كان جائزا في دينهم حينها، ولما قاموا من سجودهم قال يوسف لأبيه: يا أبت هذا تأويل المنام الذي رأيته لما كنت صغيرا وذكرته لك: أحد عشر كوكبا هم إخوتي، والشمس والقمر هما أنت وأمي، رأيتهم لي ساجدين، فلقد جعل رب رؤياي حقا، وهذا الذي جرى بيني وبين إخوتي إنما هو من الشيطان الرجيم الذي أغوى إخوتي، وإني دعوت الله أن يعفو عنهم.

ثم حمد يوسف عليه السلام الله على ما أنعم به عليه، وسأله أن يميته على الإسلام، وأن يجعله من عباده الصالحين. أما عندما قرب أجل يعقوب عليه السلام فإنه دعا أبناءه واحدا بعد الآخر ليوصيهم وصية الوداع فقال لهم: (ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله أباءك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) (البقرة، 133)، وماتوا كلهم على الإسلام.

وأوصى يوسف عليه السلام أباءه وأبناء إخوانه ألا يتركوا جثته مدفونة بمصر إذا خرجوا منها، ولكنهم لم يستطيعوا إخراجها لأنهم بقوا فيها إلى زمن موسى عليه السلام الذي خرج ببني إسرائيل منها، وحمل جثة يوسف معه ودفنوها خارج مصر.

السابق
قصة سيدنا لوط عليه السلام كاملة
التالي
قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام كاملة

اترك تعليقاً