قصص وشخصيات

قصة سيدنا يونس عليه السلام كاملة

قصة يونس عليه السلام

وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ ابق الى الفلك المشحون (140)

(سورة الصافات، الآيتان 139-140)

يونس يواجه قومه

ولد يونس بن متَّی عليه السلام بقرية واسعة الأرجاء، تتخللها أنهار ووديان، وأشجار وثمار، وسهول وهضاب تسمى نينوى من أرض الموصل، نشأ على العفاف والكرم ومكارم الأخلاق وفضائل الأعمال؛ يعين الناس، ويتصدق على الفقراء، ويرشد الضال. أما قومه فقد كانوا أزيد من مائة ألف كما قال الله تعالى في القرآن: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) (الصافات، 147)، وهم على كثرتهم لم يكن فيهم أناس صالحون يعبدون الله ولا يشركون به شيئا، بل كانوا كلهم ممن غيروا دين الله؛ يعبدون الأصنام، ويقطعون الأرحام، ويسيئون الجوار، القوي منهم يأكل الضعيف، والضعيف فيهم لا خير فيه.

أمام هذا الموقف الصعب من قومه أراد مشيئة الله أن يبعث فيهم یونس عليه السلام رسولا يدعوهم إلى الخير وينهاهم عن الشر؛ أمرهم أن يعبدوا الله الذي خلقهم وصورهم في أحسن الصور، وأنعم عليهم بالأرزاق والنعم، وخلق الكون كله من كواكب وأنهار وجبال وأشجار وماء وهواء. هو سبحانه أحق بالعبادة والشكر على هذه النعم.

إقرأ أيضا:قصة المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام كاملة ومكتوبة

لما سمع قومه هذا النُصح، وهذا التذكير، والمواعظ التي تدعوهم إلى الخير، أبوا أن يستجيبوا لذلك وقالوا: كيف تدعونا إلى دين جديد لا تعرفه نحن ولا آبائنا وأجدادنا، ونترك ما تعلمناه وورثناه عنهم؟

كذّبوا دعوته، وألصقوا به التهم، فقالوا عنه: إنه سفيه وساحر، وافتروا عليه افتراءات أخرى، وحذروا الناس من مجالسته، فكان يعيش بينهم كالغريب؛ لا يسمعون ولا ينصتون لكلامه، ولا يسترشدون بآرائه، وهو عندهم معتوه ومجنون، لذلك كانوا يستهزءون به، ويسخرون مما يدعوهم إليه.

استمر الوضع على هذه الحال مده طويلة، وهو يدعوهم بقوة وصبر وثبات، حيث كان يأمل ويرجو أن يؤمن قومه طوال هذه الفترة، لكن دعوته لم تؤت ثمرتها، كأنه يكلم أناسا لا عقول لهم؛ لا يسمعون إلى النصح، ولا ينصرون الحق، ولا يتكلمون إلا بالباطل.

غضب يونس على قومه

لما يئس منهم وضاق بهم ذرعا، غضب منهم غضبا شديدا، واحمرت عيناه، وانتفخت أوداجه، وعلا صوته قائلا: يا قوم لقد نصحتكم وبذلت في ذلك وسعي، وإني أنذركم عذابا أليما إن لم تستجيبوا إلى هذه الدعوة التي أمرني الله بأن أبلغكم إياها، وإنه ما دام الأمر على ما أنتم عليه فإن عذاب الله نازل بكم لا يترك فيكم أحدا كما فعل الله بأقوام نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام.

إقرأ أيضا:قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام كاملة

أخذ يترقب ما يحل بقومه من العذاب، وانتظر ثلاثة أيام بعد أن وعدهم أن العذاب يأتيهم في اليوم المحدد، ولكن بعد مضي الأيام الثلاثة ما رأى شيئا ذهب مغاضبا ولم يعد، إذ أن شريعة وقانون قومه تبيح قتل الكاذب، وفي نظرهم أن يونس عليه السلام قد وعدهم بشيء ولم يتحقق فحكمه الموت.

أما قومه فكانوا فرحين بخروجه من بلدتهم، ومنذ اليوم لن يسمعوا لنصحه ودعوته، وأخذوا يذكرونه بالمساوئ، ويعيّرونه، ويضحكون منه ومن دعوته في مجالسهم، مرّ عليهم ذلك اليوم وهم يظنون أن الأمر قد توقف عند هذا الحد، لكن هيهات هيهات! فبعد مرور يومين آخرين شرعت السماء تتلبد شيئا فشيئا بغيوم كثيفة داكنة، وأخذت الرياح القوية تزمجر، والبرق يلمع ويكاد يخطف بالأبصار لشدة لمعانه، ثم يتبعه الرعد مدويًّا بصوت ملء الأرض، وأصبحت الأرض سوداء مظلمة، ودخلت الوحوش جحورها، وعادت الطيور إلى أعشاشها.

توبة ففرج

عند ذاك أدرك قوم يونس عليه السلام أن ما كان يقول لهم حق، وما كان يدعوهم إليه هو الصواب، وتحققوا أن ما كان يحذرهم منه سيقع عليهم إن لم يستجيبوا، وأن العذاب الأليم يلحقهم، وعلموا أنه لا مخرج لهم من هذه المصيبة التي ستحل بهم إلا أن يعودوا إلى الله، ويتوبوا إليه، فهو الذي يقبل التوبة من عباده، ويكشف عنهم هذا السوء الذي كاد يحل بهم، وهو من يملك كل شيء، إذا أراد شيئا قال له كن فيكون بإذنه تعالى، فخرجوا كلهم في صعيد واحد صغارا وكبارا، شيوخا وشبابا، نساء ورجالا، حتى الرضع أخرجوهم، وأخذوا يبكون خطاياهم طالبي الله سبحانه العفو والمغفرة. وتمسكنوا بين يدي الله، ورفعوا أيديهم للدعاء، ووضعوا جباههم على الأرض ساجدين، ولانت قلوبهم وخشعت بعد قسوتها، وذرفت عيونهم الدموع بعد انقطاعها، فكانت ساعة عظيمة هائلة.

إقرأ أيضا:قصة سيدنا داود عليه السلام كاملة ومكتوبة

رحم الله عباده التائبين إليه، فكشف بحوله وقوته عنهم ذلك العذاب الذي كاد يصيبهم، فسكنت الريح بعد هيجانها، وتكشفت السماء بعد اسودادها، وأشرقت الشمس بعد غيابها، وازدادت الأرض أنوارا وبهاء، وخرجت الحيوانات آمنة من جحورها بعد خوفها، وطارت الطيور من أعشاشها بعد فزعها.

فرح الناس فرحا شديدا بنجاتهم من الهلاك الذي كاد يقع عليهم، وشكروا الله الرؤوف الرحيم ذا الفضل العظيم على هذه النعمة التي أعطاهم إياها، فلو شاء أن يعجل لهم العذاب لفعل، ولكنه أمهلهم زحمة بهم، وحلما منه سبحانه، فآمنوا بما كان يقوله لهم العبد الصالح يونس عليه السلام وعبدوا الله ووحّدوه، وتركوا ما كانوا يفعلونه من الشر والظلم.

يونس يركب السفينة

أما يونس عليه السلام فإنه لما خرج من بلدته، لم يدر أين يتوجه، وبقي يمشي إلى أن وصل إلى البحر، فأراد أن يقطعه إلى الضفة الأخرى ليكون أكثر بعدا عن قومه، لا يسمع بما حل بهم من العقاب والعذاب، فركب سفينة كانت على وشك الإقلاع، وأمر ربانها الركاب أن يلزموا أماكنهم، ولما فعلوا ما أمروا به أبحرت السفينة تشق طريقها عبر الأمواج؛ كان البحر هائجا، وطيور النورس تحوم حول السفينة، وأشعة الشمس تتلألأ على صفحات الموج، واكتسى البحر بلون السماء البهي مما يزيد النفس انشراحا.

أخذت السفينة تشق عُباب البحر والناس في شوق ليصلوا إلى ما قصدوه، ولما توسّطت السفينة البحر أخذت السماء تتلبد بالغيوم السوداء شيئا فشيئا، واكتسى البحر لونا بنيّا قاتما يملأ النفس نفورا وخوفا، وازدادت قوة الرياح، وتلاطمت الأمواج، وارتفعت ارتفاعا كبيرا، وجعلت السفينة تميد في سيرها، فيرفعها موج ويضعها آخر، واضطربت ومالت بهم، وتقلت بمن فيها، وكادوا يغرقون، نظر ربان السفينة إلى ما حل بهم ففكر كيف يوصل السفينة بمن فيها إلى بر الأمان، نظر وفكر مليا، فتصول إلى رأي لا مناص من تنفيذه. وجمع الناس قائلا: أيها الناس إن الحال كما ترون، نحن بين الموت والحياة، ولا خلاص لنا ولا نجاة مما نحن فيه إلا بأن نخفف من أثقال السفينة التي لا طاقة لها بهذا الحمل الثقيل، وقد نظرتُ في الأمر، فأدركت أنه لا نجاة لنا إلا إذا رمينا بواحد منا في البحر ليسلم الباقون، وإلا فإننا جميعا هالكون، لأن مآل السفينة هو الغرق إن بقينا على هذا الحال.

ما أصعب هذا الحل؟ من يرضى من الناس أن يرمى به فيهلك ليسلم الآخرون؟ هذا حل لا يرضى به أحد، ولا يقبل شخص أن يرمى ليسلم الآخرون… وأمام هذا السكون الذي خيم على الركاب قال لهم الربان مرة أخرى: الرأي في ذلك أن نجري القرعة فيما بيننا، ومن خرج سهمه في هذا القرعة فهو الذي ينبغي أن يرمي بنفسه، ورضي الناس بهذا الحل فاقترعوا، ووقعت القرعة على نبي الله يونس عليه السلام فلم يسمحوا له أن يلقي بنفسه في البحر لظهور علامات الصلاح والتقوى على وجهه. وأعادوا القرعة مرة أخرى ليختاروا أحدا آخر بدلا منه، ولما اقترعوا مرة ثانية ورست القرعة عليه أيضا، وتهيأ ليرمي نفسه في البحر، أبوا عليه ذلك وأوقفوه، وقالوا: تعالوا نقترع مرة ثالثة، وفي هذه المرة من وقع عليه القرعة يرمي نفسه مهما كان الأمر، فالسفينة تزداد تدهورا، فاقترعوا للمرة الثالثة، فرست القرعة للمرة الثالثة على يونس عليه السلام، هنالك اقتنعوا أنه لا مناص من أن يرمي بنفسه.

يونس في بطن الحوت

رمى العبد الصالح يونس بن متّى عليه السلام ينفسه من السفينة، ولما وصل إلى الماء إذا بحوت ضخم يبلعه بأمر من الله تعالى، لكنه لم يأكل له لحما ولم يهشم له عظما، طاف الحوت بيونس عليه السلام البحار، واقتحم به لُججها، وسمع تسبيح الحيتان والحصى لرب السماوات والأرض، وعندها قال: يا رب إنّي اتخذت بطن الحوت مسجدا لم يعبدك أحد فيه مثله، وأخذ يكثر من الاستغفار والتسبيح والتهليل، وعلم أن ما هو فيه من الهم والغم ألمّ به لمعصية فعلها، هي استعجاله العقوبة على قومه. أخذ في التسبيح قائلا :(لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الضالمين) (الأنبياء، 87). وكان في هم كبير وغم عظيم، في ظلمات ثلاث، ظلمة بطن الحوت، وظلمة قعر البحر، وظلمة الليل، وندم على ذنبه وأكتر من الاستغفار، فلولا أنه أكثر من الاستغفار لتركه الله سبحانه في بطن الحوت إلى يوم القيامة، قال الله سبحانه: (فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144)) (الصافات، 143-144).

نجاة يونس من الهلاك

نجّى الله سبحانه يونس عليه السلام، فأمر الحوت بأن يلفظه من بطنه، فخرج وهو هزيل ضعيف، ملابسه بالية كالفرخ ليس له ريش، مقشعر البدن، والصفرة بادية على وجهه؛ إذ مكث في بطن الحوت مدّة مديدة، وهو صائم لا أكل ولا شرب، وطرحه الحوت في مكان مقفر ليس فيه شجر، وهو عاجز عن الحركة لهزاله وضعفه، أنبت الله أمامه نبتة اليقطين الذي له فوائد منها أن ورقه ناعم جدا وظليل، لا يقربه ذباب. كما أنه يؤكل مطبوخا ونيئا بقشره وببزره، وهو مقوّ للدماغ. فكان ينام تحته ويأكل من ثمره، كما سخر الله له الأروية لترضعه وهي تشبه الماعز، ترعى في البراري وتأتيه مرتين بكرة وعشية، وهذا من رحمة الله بعده الطائع يونس عليه السلام، قال تعالى: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) (الأنبياء، 188). فالله تعالى ينجي كل عبد من الغم والهم إذا كان طائعا لأوامره؛ مجتنبا نواهيه.

ثم إن شجرة اليقطين ذبلت، فبكى عليها يونس عليه السلام لأنها كانت مؤنسته ومطعمته، فأوحى إليه الله سبحانه: أتبكي على شجرة يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم. خرج إلى قومه فإذا هو بغلام يرعى غنما، وقال له: ممن أنت يا غلام؟ قال: من قوم يونس. قال له: إذا رجعت إليهم أقرئهم السلام وأخبرهم أنك لقيت يونس، قال الغلام: إن تكن أنت يونس فإنك تعلم أنه من كذب ولم يكن له بيّنة قُتل، فمن يشهد لي على صحة قولك؟، قال يونس عليه السلام: تشهد لك هذه الشجرة، وهذه البقعة، قال الغلام: مُرهُما بذلك. قال لهما يونس عليه السلام: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم.

رجع الغلام إلى قومه، وكان له إخوة يمنعونه ويدافعون عنه، فذهب إلى الملك وقال له: إني لقيت يونس وهو يقرأ عليكم السلام. أمر الملك أن يُقتل، لأنه اعتقد أن يونس عليه السلام مات. فقال قوم الغلام للملك: إنّ له بيّنة على ما يقول. قال الملك: وما هي بينتك؟، قال: إّ الشجرة والبقعة تشهدان لي بذلك.

ولما انتهوا إلى البقعة والشجرة قال الغلام لهما: ناشدتكما الله، هل أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم. فرجع القوم مذعورين يقولون: تشهد لك الشجرة والأرض! فأتوا الملك، وحدثوه بما رأوا، فتناول يد الغلام، وأجلسه في مجلسه وقال: أنت أحقُ بهذا المكان مني، وأقام فيهم يَسُوسُهُم أربعين سنة.

السابق
قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام كاملة
التالي
قصة نبيّ الله سيدنا شعيب عليه السلام كاملة

اترك تعليقاً