قصص وشخصيات

قصة صلاح الدين الأيوبي: قائد ورجل دولة تاريخي

من هو صلاح الدين الأيوبي

يعتبر صلاح الدين الأيوبي رجل سياسة ورجل دولة وسياسي وعسكري من الطراز الأول. اختلفت حوله الآراء فتحول إلى شخصية ملتبسة تاريخيا. لكن الثابت هو أنه استطاع تكوين مملكة قوية إسلامية واسعة بما تقتضيه ظروف ذلك العصر.

بيئته ونشأته

هو «يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان أبو المظفر الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي». هو من قرية (دوين) في شرق أذربيجان كما تقول بعض المصادر. وهو من أحد بطون قبيلة الروادية الكردية، وكان لجده ولدان هما (أيوب) و(شیرکوه)، أخذهما إلى تكريت، بالعراق وفيها ولد لأيوب ولد سمي یوسف، أصبح فيما بعد صلاح الدين!

وتولى أبوه بعض المناصب وخدم مع أخيه شيركوه في بلاط حاكم الوصل عماد الدين الزنکي الذي ولي أيوب على بعلبك ولما قتل عماد الدين دخل أيوب مع أخيه شيركوه في خدمة ابنه نور الدين محمود حاكم دمشق وحلب. وأطلق لقب نجم الدين على أيوب، كما لقب شیرکوه بـ أسد الدين، بينما لقب «یوسف» بـ «صلاح الدين» !!

عاش صلاح الدين طفولته في بعلبك ثم في دمشق وتلقي منذ صغره في الجامع الأموي دروس العلم والدين على يد واحد من كبار علماء عصره وشهد الصراع الهائل آنذاك بين الشرق والغرب وعايش الوجود الصليبي. استدعي صلاح الدين إلى دمشق لضبط الأمور بعد وفاة نور الدين ورحب أهلها به واستولى بعدها على بعلبك وحمص وحماة وحلب التي تخلى عنها للملك الصالح إسماعيل.

إقرأ أيضا:قصة سيدنا داود عليه السلام كاملة ومكتوبة

شارك في الحملات في بلبيس بمصر تحت راية الخليفة الفاطمي ببغداد وتولى قيادة الحامية في الاسكندرية حين هاجم الأسطول الصليبي المدينة من البحر وحاصرها لكن صلاح الدين لم يستسلم وكان قد خلف عمه شیرکوه (أسد الدين) على حكم مصر ونصب سلطانا عليها عام 1169م وعمره 31 سنة وقضى على الحكم الفاطمي فيها وأحبه المصريون حين أرضاهم بإدخال المذهب السني الشافعي بديلا عن الفاطمي الشيعي.

وصكت النقود تحمل اسم الناصر (يوسف بن أيوب.. علا جاهه)، وشيد القلعة بالمقطم بمصر وبنى مدرسة بجوار الإمام الشافعي ومستشفى وأنشأ أسطولا في الاسكندرية كما أنشأ حدائق خضراء بين مقام السيدة نفسية وباب زويلة. واستطاع إخضاع المنطقة من حدود النوبة جنوبا إلى برقة (ليبيا) غربا وإلى بلاد الأرمن (في آسيا الوسطى) شمالا حتى الجزيرة والموصل شرقا. ورحل عن مصر حين توالت الغارات والاعتداءات الصليبية على بلاد الشام وحقق انتصارات في دمياط والعقبة وغزة ودخل معسكرات الصليبيين للتعرف على فنون القتال لديهم. وعاد إلى دمشق زائرا لا غازيا ومعه 700 من فرسانه فاستقبله أهلها بحفاوة وسلموه قلعتهم طواعية وارتفع اسم السلطان الجديد على مآذن مصر والشام يدعون له في خطبة الجمعة.

حملاته وإنجازاته

أول هزائمه وربما آخرها كان في الرملة بفلسطين عام 1177م بخدعة صليبية استرد قواه بعدها بثلاثة شهور حين رفض الملك عرض صلاح الدين شراء الحصن الذي بناه ملك القدس الصليبي الجديد على الحدود مع المسلمين ممثلا استفزازا لهم واستهانة بهم فهاجم صلاح الدين الحصن واحتله.

إقرأ أيضا:نبذة عن أرسطو (أرسطوطاليس): حياته وفكره السياسي

وحين خرق الصليبيون الهدنة مع المسلمين بإغارتهم على قوافل عربية وقتل أفرادها والاعتداء على نسائها ونهب أموالها بقيادة الأمير (رینالد)، شن عليهم حربا شرسة انتصر فيها وكان لصلاح الدين ثأر مع هذا الأمير الذي حاول احتلال المدينة المنورة وتدمير قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.

وكانت قوات صليبية قد انهزمت في الكرك بالعراق فأعلن المسيحيون في الغرب مؤازرة الصليبيين وأمروهم بالمساعدات ووقف الأمراء الصليبيون في الشرق وقفة واحدة وأعلنوا الحرب جميعا على صلاح الدين الذي وجد الأمراء العرب حوله أيضا في بادرة نادرة الحدوث، فكانت المواجهة شديدة الشراسة والقوة حول أماكن المقدسات!

وبدأت عند طبرية ثم حطين عام 1187م، التي أسر فيها عددا كبيرا من الجنود الصليبيين وقيل أنه استدرج الصليبيين هناك إلى مناطق حارة حتى مات كثير منهم عطشا. وكانت حطين هي التي شكلت التحول الهائل في مسار الحرب الصليبية ضد المسلمين والمسيحيين الشرقيين واسترد بعدها طبرية (عند الحدود السورية) ويافا وعكا، المدينة الفلسطينية الساحلية، التي دار حولها قتال ضار بسبب مناعة أسوارها وحاربه هناك ملكا فرنسا وانجلترا معا بجيشيهما وأسطولهما.

وصل صلاح الدين إلى مشارف القدس التي كان فيها عدد كبير من الأسرى المسلمين وفتحها عام 1187م في 2 أكتوبر الموافق 27 رجب بعد استيلاء الصليبيين عليها لمدة 88 سنة!! ورفع أعلامه فوق أسوارها وسمح للمسيحيين الأرثوذكس الشرقيين بالبقاء فيها كما سمح لليهود عام 1190م بالحج شريطة ألا يغادروا أماكن العبادة وكان الصليبيون قد حرموا على اليهود دخول المدينة.

إقرأ أيضا:نبذة عن نيكولو مكيافيلي: حياته وأفكاره السياسية

ويطعن بعض المنتقدين (اليوم) في هذا الإجراء من جانب صلاح الدين ويعتبرونه (تنازلا) منه لليهود وأنه كان بداية للاستيطان اليهودي فيما بعد. لكن هؤلاء لم يقرؤوا التاريخ جيدا، ففي سنوات متأخرة من القرن الثامن عشر کتب بعض الرحالة والمؤرخين أنه لم يكن في القدس من اليهود في ذلك الوقت إلا بضع أفراد معروفين بالاسم.

لم يكن بالسهل الاحتفاظ بمدينة عكا، فاضطر صلاح الدين إلى عقد صلح مع ملك انجلترا ريتشارد قلب الأسد الذي جاء مع حملة صليبية جديدة وكان محاربا قويا ونص الصلح على احتفاظ الصليبيين بالساحل من عكا إلى يافا على أن يكون الجنوب حتى غزة لصلاح الدين، الذي سمح بالحج إلى بيت المقدس (القدس) الذي يسيطر عليه.

بنى في القدس مدارس ومستشفيات وانتقل بعدها عائدا إلى دمشق التي كان يحبها ومات ودفن فيها، وحين أتى الجنرال الفرنسي (غورو)، أيام الانتداب الفرنسي على سوريا بعد الحرب العالية الأولى توجه فورا إلى ضريح صلاح الدين وقال هناك مقولته الشهيرة: (ها قد عدنا یا صلاح الدين) وقيل أن الجنرال البريطاني (اللنبي)، الذي دخل القدس محتلا في الثلاثينات من القرن العشرين كان هو صاحب هذه المقولة!

وفاته وإرثه

توفي صلاح الدين الأيوبي عن 57 عاما فقط! وارتفع صوت بكاء الناس وعويلهم وهم يبايعون ابنه الأفضل نور الدين الذي كان نائبه على دمشق.

حکم صلاح الدين مصر 24 سنة والشام 19 سنة وترك من الأولاد 17 ولدا وبنتا واحدة وكل ما ترك من الثروة 47 درهم فضة وجرام واحد من الذهب ولم يترك مالا ولا عقارا ولا دارا!

ويطعن منتقدوه (اليوم) بأنه وزع مملكته بين أبنائه، لكن هذا كان العرف السائد في القرون الوسطى حيث كان السلاطين والملوك سواء في الشرق أو في الغرب هم الذين يحكمون وتوزع المملكة عادة بين الأبناء أو الأخوة وقد استمر هذا العرف سائدا حتى قيام الجمهوريات الحديثة. ولا يمكن إسقاط مفهوم اليوم على حقبة تعود إلى حوالي ألف عام مضت!!!

لکن صلاح الدين أنصفه أعداؤه قبل أهله. ويذكر المؤرخ الانجليزي كاميرون، أن (صلاح الدين هو نابليون وكان قائدا لا يقل عنه جدارة وطموحا).

كما ظهرت مئات الكتب الأجنبية التي تشيد به كقائد عادل ورجل سياسة وحرب يعرف استخدام الأرض تحته ورجل دولة فقد وحد أراضي المسلمين في مملكة واحدة امتدت من آسيا الوسطى وحتى النوبة وكان يعرف متى يحارب ومتى يعقد الصلح أو الهدنة ومتى يهاجم ومتى يتراجع ومتى يثأر ومتى يتسامح وكان هذا سر عبقريته.

كان صلاح الدين منسجما مع عصره تماما وهو ما يرد على انتقاد المحدثين له. وربما كان للشيعة بعض العذر في الهجوم عليه بسبب القضاء على الدولة الفاطمية الشيعية في مصر لكن الدولة الصفوية في إيران قضت أيضا على المذهب السني هناك واعتمدت المذهب الشيعي.

وتبرز اليوم أيضا فكرة كونه (کردیا) وليس عربيا ويشكو الأكراد أنه لم يقم لهم دولة باسمهم. لكن صلاح الدين كان فوق القوميات في زمن كانت الأمة الإسلامية كلها عربا وکردا وفرسا وأتراكا وكان فيها حتى المسيحيين، مهددة بالخطر الصليبي المحتل للأرض والمقدسات احتلالا کاملا بينما المسلمون يساقون أسرى داخل القدس والمدن العربية لأكثر من مئتي عام.

السابق
قصة رابندرانات طاغور: من كبار شعراء الهند المؤثرين
التالي
قصة هاينريش شيليمان: عالم آثار ألماني ومكتشف طروادة

اترك تعليقاً