علم الاجتماع

كل ما يخص التوافق النفسي: مفهومه، أبعاده والعوامل المؤثرة فيه

بحث حول التوافق النفسي

إن مصطلح التوافق هو من أكثر المصطلحات انتشار في علم النفس والصحة النفسية. وقد تكمن أهمية هذا المصطلح في عصرنا هذا في الحاجة إلى الأمن والاستقرار النفسي. وقد اتفقت العديد من الدراسات على أن مفهوم التوافق: هو عملية التفاعل ديناميكي مستمر بين قطبين أساسيين هما: أولا الفرد نفسه وثانيا البيئة المادية، أي يسعى الفرد إلى إشباع حاجاته البيولوجية والسيكولوجية وتحقيق مختلف مطالبه متبع في ذلك وسائل ملائمة لذاته ولكون التوافق دليل على تمتع الإنسان بالصحة النفسية الجيدة، فقد خصصنا هذا الفصل لأهم أبعاد التوافق بما فيها التوافق النفسي وعناصره.

تعريف التوافق

تعددت التعاريف التي قدمت للتوافق وذلك حسب اهتمام واتجاه العلماء والباحثين ومن بين أهم التعريفات نجد:[1]

يعرف التوافق “بأنه حالة من العلاقة المتألفة مع البيئة حيث يكون الشخص قادرا على الحصول على إشباع أكبر قدر من حاجاته وعلى أن يواجه كافة المتطلبات الجسمية والاجتماعية التي تفرض نفسها عليه.”

ويتفق هذا التعريف مع تعريف معجم العلوم السلوكية ” لولمان” (1973) والذي يرى أن التوافق: هو علاقة متسقة مع البيئة تتضمن القدرة على إشباع معظم حاجات الفرد ومواجهة معظم متطلبات الجسمية والاجتماعية التي تفرض نفسها عليه.

تعريف التوافق النفسي

يطرح العلماء النفس التوافق النفسي على أنه توافق الفرد مع ذاته، وتوافقه مع الوسط المحيط به، وكل المستويين لا ينفصل عن الآخر وإنما يؤثر فيه ويتأثر به. فالفرد المتوافق ذاتيا هو المتوافق اجتماعيا. ويضفي علماء النفس بقولهم إن التوافق الذاتي هو قدرة الفرد على التوفيق بين دوافعه وبين أدواره الاجتماعية المتصارعة مع هذه الدوافع بحيث لا يكون هناك صراع داخلي.

إقرأ أيضا:تعريف ونظريات علم اجتماع السكان

إن التوافق النفسي: هو الرضاء بالواقع المستحيل على التغيير (وهذا جمود وسلبية واستسلام) وتغيير الواقع القابل للتغيير (وهذا مرونة وايجابية وابتكار وصيرورة).

حيث أن عملية التوافق تتضمن إما تضحية الفرد بذاتيته أو تتضمن تثبيت وفرضها على العالم الخارجي فإذا فشل أصبح عصبيا وإذا نجح كان عبقريا.

التوافق النفسي هو مدى ما يتمتع به الفرد من القدرة على السيطرة على القلق والشعور بالأمن والاطمئنان بعيدا عن الخوف والتوتر.

ومن خلال ما سبق يمكن أن نخلص إلى أن التوافق النفسي هو رضا الفرد عن نفسه، وهو مجموعة السلوكات التي يسلكها الفرد من أجل الانسجام وتحقيق أهدافه وتظهر في مدى رضا الفرد عن ذاته وقبول الآخرين له والخلو من الحزن الذاتي وتقبله لذاته.[2]

معايير التوافق النفسي

يمكن تحديد معايير التوافق النفسي كالاتي:[3]

  1. الراحة النفسية: يقصدون بها أن الشخص المتمتع بالتوافق النفسي هو الذي يستطيع مواجهة العقبات وحل المشكلات بطريقة ترضاها نفسه ويقرها المجتمع.
  2. الكفاية في العمل: تعتبر قدرة الفرد على العمل والإنتاج والكفاية فيها وفق ما تسمح به قدراته ومهارته، من أهم دلائل الصحة النفسية. فالفرد الذي يزاول مهنة أو عملا فنيا وتتاح له الفرصة لاستغلال كل قدراته، وتحقيق أهدافه الحيوية وكل ذلك يحق له الرضا والسعادة النفسية.
  3. مدى استمتاع الفرد بالعلاقات الاجتماعية: إن بعض الأفراد أقدر من غيرهم على إنشاء علاقات اجتماعية، وعلى الاحتفاظ بالصداقات والروابط.
  4. الشعور بالسعادة: الشخصية السوية هي التي تعيش في سعادة دائمة، وهي شخصية خالية من الصراع أو المشاكل.
  5. القدرة على ضبط الذات وتحمل المسؤولية: إن الشخص السوي هو الذي يستطيع أن يتحكم في رغباته، أو يكون قادرا على إشباع بعض حاجاته، ولديه القدرة على ضبط ذاته وعلى إدراك عواقب الأمور.
  6. ثبات اتجاه الفرد: إن ثبات اتجاهات الفرد تعتمد على التكامل في الشخصية وكذلك على الاستقرار الانفعالي إلى حد كبير.
  7. الأعراض الجسمية: في بعض الأحيان يكون الدليل الوحيد على سوء التوافق هو ما يظهر في شكل أعراض جسمية مرضية.
  8. اتخاذ أهداف واقعية: الشخص المتمتع بالصحة النفسية هو الذي يضع أمام نفسه أهداف ومستويات لطموح، ويسعى للوصول إليها حتى ولو كانت تبدوا له في أغلب الأحيان بعيدة المنال. فالتوافق المتكامل ليس معناه تحقيق الكمال، بل بذل الجهد والعمل المستمر في سبيل تحقيق الأهداف.

أبعاد التوافق النفسي

تتعدد مجالات الحياة ففيها مواقف تثير السلوك والتي تبرز على مستويات مختلفة، ولقد اختلفت الآراء حول تحديد أبعاد التوافق النفسي تبعا لاختلاف نظرة العلماء والباحثين:[4]

إقرأ أيضا:تعريف ونظريات علم اجتماع التربية

1- التوافق الشخصي: ويتضمن السعادة مع النفس والرضا عنها وإشباع الدوافع والحاجات الداخلية الأولية الفطرية والعضوية الفيزيولوجية والثانوية المكتسبة ويضمن كذلك التوافق لمطالب النمو في المرحلة المتتابعة.

فالتوافق الشخصي إذن هو التوافق الذي يعبر عن شعور الفرد بالأمان الشخصي، ويشمل الاعتماد على النفس والإحساس بقيمة الذات وحرية الشخصية والشعور بالانتماء والتحرر من الميول الإنسحابية والخلو من الأمراض العصبية. وذلك لتحقيق الرضا لنفسه وإزالة القلق والتوتر والشعور وبالسعادة.

2- التوافق الاجتماعي: ويتضمن السعادة مع الآخرين والالتزام بأخلاقيات المجتمع ومسايرة المعايير الاجتماعية والامتثال لقواعد الضبط الاجتماعي وتقبل التغيير الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي السليم والعمل من أجل مصلحة الجماعة والسعادة الزوجية مما يؤدي إلى تحقيق الصحة الاجتماعية.

إذا فالتوافق هو تكيف الإنسان مع الآخرين، من خلال تقبلهم واحترامهم والتفاعل معهم وإقامة علاقات اجتماعية سليمة والتخطيط للأهداف لتحقيقها بما يتفق مع أهداف المجتمع.

3- التوافق الأسري: ومعناه مدى تمتع الفرد بعلاقات سوية ومشبعة بينه وبين أفراد أسرته، ومدى قدرة الأسرة على توفير الإمكانيات الضروري.

وهو السعادة الأسرية والمتمثلة في الاستقرار والتماسك الأسري والقدرة على تحقيق مطالبها وسلامة العلاقات بين الوالدين فيما بينهما وفيما بين الأولاد مع بعضهم البعض، حيث يسود الحب والثقة والاحترام المتبادل بين الجميع والتمتع بقضاء وقت الفراغ معا.

إقرأ أيضا:تعريف ونظريات علم اجتماع السكان

4- التوافق المهني: يتضمن الاختيار المناسب للمهنة والاستعداد لها علما وتدريبا، والدخول فيها والانجاز والكفاءة والإنتاج والشعور بالرضا والنجاح. ويعبر عنه العامل المناسب في العمل المناسب.

5- التوافق الصحي (الجسمي): وهو تمتع الفرد بصحة جيدة خالية من الأمراض الجسمية والعقلية والانفعالية، مع تقبله للمظهر الخارجي والرضا عنه، وخلوه من المشاكل العضوية المختلفة وشعوره بالارتياح النفسي تجاه قدراته وإمكاناته وتمتعه بحواس سليمة وميله إلى النشاط والحيوية معظم الوقت وقدراته على الحركة والاتزان والسلامة في التركيز مع الاستمرارية في النشاط والعمل دون إجهاد أو ضعف لمهمته ونشاطه.

العوامل المؤثرة في التوافق النفسي

يعمل الفرد دائما على تحقيق التوافق النفسي ويلجأ في ذلك إلى أساليب مباشرة وغير مباشرة:[5]

أولا- التوافق النفسي ومطالب النمو: من أهم عوامل إحداث التوافق المباشرة، وتحقيق مطالب النمو النفسي السوي في جميع مراحله وبكافة مظاهره (جسميا، وعقليا، وانفعاليا واجتماعيا). ومطالب النمو هي الأشياء التي يتطلبها النمو النفسي للفرد والتي يجب أن يتعلمها حتى يصبح سعيدا وناجحا في حياته، أي أنها عبارة عن المستويات الضرورية التي تحدد خطوات النمو السوي للفرد.

ويؤدي تحقيق مطالب النمو إلى سعادة الفرد ويسهل تحقيق مطالب النمو الأخرى في نفس المرحلة وفي المراحل التالية، ويؤدي عدم تحقيق مطالب النمو إلى شقاء الفرد وفشله، وصعوبة تحقيق مطالب النمو الأخرى في نفس المرحلة وفي المرحلة التي تليها.

ثانيا- التوافق النفسي ودوافع السلوك: من أهم الشروط التي تحقق التوافق النفسي، إشباع دوافع السلوك وحاجات الفرد، وهذه من أهم العوامل المباشرة لإحداث التوافق النفسي حيث يعتبر موضوع الدوافع أو القوى الدافعة للسلوك بصفة عامة من الموضوعات الهامة في علم النفس، لأن الدوافع بطبيعة الحال هي التي تفسر السلوك.

ويعتبر السلوك نتاج عملية تتفاعل فيها العوامل الحيوية، وأمثلتها الحاجات الحيوية واشباعها ضروري لحياة الفرد والعوامل النفسية الاجتماعية مثل: الحاجات النفسية (الأمن والاجتماع وتأكيد الذات) وإشباعها ضروري لتحقيق التوافق النفسي والاجتماعي.

ثالثا- التوافق وحيل الدفاع النفسي: أساليب غير مباشرة تحاول إحداث التوافق النفسي وهي وسائل توافقية لا شعورية من جانب الفرد، من وظيفتها تشويه ومسح الحقيقة حتى يتخلص الفرد من حالة التوتر والقلق الناتجة عن الإحباط والصراعات التي لم تحل والتي تهدد أمنه النفسي، وهدفها وقاية الذات والدفاع عنها والاحتفاظ بالثقة في النفس واحترام الذات وتحقيق الراحة النفسية والأمن النفسي.


المصادر

[1]  حسن علي دله، التفكير الإبداعي والتوافق النفسي، مركز الكتاب الأكاديمي، 2018، ص69.

[2]  سعيد جمال، المدخل إلى التوافق النفسي، دار الحدث للنشر والتوزيع، 2018، ص156.

[3]  صلاح الدين أحمد الجماعي، الاغتراب النفسي الاجتماعي وعلاقته بالتوافق النفسي والاجتماعي، دار زهران للنشر والتوزيع، 2013، ص213.

[4]  حسن علي دله، التفكير الإبداعي والتوافق النفسي، مركز الكتاب الأكاديمي، 2018، ص101.

[5]  صلاح الدين أحمد الجماعي، الاغتراب النفسي الاجتماعي وعلاقته بالتوافق النفسي والاجتماعي، دار زهران للنشر والتوزيع، 2013، ص240.

السابق
نظريات التوافق النفسي ومؤشراتها
التالي
كل ما يخص التوافق الدراسي: مفهومه، أبعاده ومعيقاته

اترك تعليقاً