أديان ومجتمع

كل ما يخص العقيدة الآريوسية الموحدة ومؤسسها القس آريوس

من هو القسيس آريوس؟

ماهية العقيدة الأريوسية

سميت هذه الفرقة بالفرقة الأريوسية نسبة إلى مؤسسها آريوس، وتعتبر من الفرق غير المعترف بها عند المسيحيين، كونها جاءت بأفكار معارضة لتعاليم الكنيسة، حيث صنفت كأخطر حركة في تاريخها.

يقول ويل ديورانت: “أثناء حكم قسطنطين شهدت الإسكندرية قيام أخطر حركة إلحادية في تاريخ الكنيسة، ذلك أن قسا مصري تقدم إلى أسقفه حوالي عام (318م)، بآراء غريبة عن طبيعة المسيح”.

ويعود سبب ظهور هذه الحركة إلى أن آريوس بدأ في نقد التعاليم التي تخص طبيعة المسيح وذلك سنة (318م)، في عهد الكسندروس الأول بطريك الإسكندرية حيث كلف هذا الأخير آريوس بتفسير نص في الكتاب المقدس حول شخص المسيح ما أثار خلّافا بينهما في هذه المسألة، وكان رد آريوس في خطبته ألقاها على المنبر في الإسكندرية حيث بدأ خطبته بكلّام سليمان بن داود حيث يقول: “الرب خلقني في أول خلائقه”، وبين آريوس أن المقصود من هذه المقولة هو أن كلمة الله مخلوقة مختلفة عن جوهر الله.

ومن هنا بدأ آريوس يطرح أفكاره معتمدا على الأدلة العقلّانية حيث قال: “الآب هو الإله الحق في مقابل الابن الذي ليس إلها حقا، فهما متعارضان بالضرورة على أساس التعارض بين المخلوق وغير المخلوق، ومن ثم فليس هناك اثنان غير مخلوقين، إلهان لا متناهيان وعلى ذلك فالله لم يكن دوما أبا، وكلمة الله لم تكن دوما، ولكنها من العدم نشأت … وعليه فقد كان زمان لم يكن الابن، فالابن مخلوق لا يساوي الآب في الجوهر… ومن ثم فهو بطبيعته عرضة للتغيير والتغاير شأن كل الخلائق، والكلمة غريبة عن جوهر الآب و منفصلة”.

إقرأ أيضا:ما هو التحول الديموغرافي وأشكاله

من خلّال ما ذكره آريوس في مقولته، يبين تأييده لوحدانية الله، وذلك بتجريده من كل صفات التغيير التي تطرأ على جميع المخلوقات في الكون، وينكر أيضا الألوهية وكل الصفات التي نسبت إلى المسيح، فهو يعتبره مجرد أداة خلقه الله من أجل أن يخلقنا بواسطته، حيث لم يكن له وجود قبل أن يشاء الله بذلك، وأوضح أن المسيح ليس من نافس جوهر الله، فلفظ الابن لم يقصد بها الابن بالولادة وإنما قصد بها الابن بالتبني، كما أنكر ألوهية الروح القدس، وبذلك يكون قد أنكر الثالوث المقدس، وربما اتبع في ذلك نظرية التدني والتدرج التي ناد بها أوريجانوس، حيث يكون الابن اقل مرتبة من الآب الخالق للكل ويكون روح القدس أقل مرتبة من الابن وبهذا ينفي تساوي الابن مع الآب في الجوهر.

وقد ذكر محمد أحمد الحاج ملخص لعقيدة آريوس في كتابه حيث قال: “انه يؤمن باله واحد متعال… وهو العلو بحيث لا صله له بتاتا بأي شيء له نهاية، وهو فريد لا شبيه له، أزلي لا بداية له … وهو وحده سبحانه ينفرد بهذه الصفات، وعندما شاءت إرادته أن يخلق عالما ذا نهاية احتاج إلى وسيط … كان عاملا بسيطا علمه الآب كيفية القيام بهذه المهمة، وهذا الوسيط لم يأتي من عند الآب بأن صدر عنه أو انحدر منه، بل خلقه الآب خلقا، فهو إذا غير أزلي، وهو مخلوق مثل باقي المخلوقات … وهو ليس مساوي للآب في الجوهر، بل بالعكس تتغير طبيعته مثل أي مخلوق، وهو أيضا قادر على عمل الخير والشر… وهو أيضا معرض للخطأ ولا يستطيع أن يحيط بكل شيء”.

إقرأ أيضا:من هو آريوس؟ نبذة عن حياة القسيس الموحد آريوس

الحجج والأدلة الخاصة بالعقيدة الآريوسية

ومما سبق نلّاحظ أ ان العقيدة الأريوسية تدور حول وجود الله ووجود ابن الله، لكن القول بابن الله يجب ألا تمس وحدانية الله، فقد كان أريوس يتمسك أشد التمسك بفكرة الوحدانية لله وعدم قبول شريك له في الألوهية، فأريوس يرى أن المسيح ليس مساو لله في الجوهر، بل هو إنسان مخلوق وقد أيد أريوس أفكاره بحجج وأدلة نقلية موجودة في نصوص الأناجيل، وأيضا حجج وأدلة عقلية فيما يخص شخص المسيح والمتمثلة في:

  • ابتدأت الكلمة تكون، أي فهي ليست أزلية، وإلا لوجب علينا أن نقول إنها في مبدأين، والابن لم يكن ابنا حقا، إذن لا يمكن أن نقول أن الابن هو الله.
  • لم يولد الابن من جوهر الآب، إذ لو سلمنا بذلك لقّسمنا جوهر اللاّهوت وتخيلنا اللاّهوت ذا شكل حسي كالذي نشاهده في البشرية، إن الابن خرج من العدم بإرادة الارب وهو خليقة، وإنما أولى الخلّائق ولهذا السبب سمي الابن البكر.
  • الابن في جوهره لا يزيد عن كونه خليقة، إلا أنه يمتاز عن سائر الخلّائق بعدة ميزات كالدرجة أو المركز، إذ بعد الله هو صاحب المركز الأكبر، إن الله خلق كل شيء حتى الزمن، لشدة ابتعاده عن الدنيا خلق الكلمة وجعل منه الوسيط الذي يؤثر به على المخلوقات ويتصل بها، ويجب أن نفهم أن بين الله والكلمة فرق عظيم لا حدّ له، أما بين الكلمة والخليقة فالفرق معنوي فقط.
  • إذا كان رغما عن هذا الفارق العظيم أطلق على الابن لقب إله، فما ذلك إلا منحة يرجع الفضل فيها إلى الأب الذي شاء أن يتبناه.
  • إن إرادة الابن مخلوقة وهي قابلة للتغيير وفي استطاعتها أن تفعل الخير والشر وهي إذن لا ترتكز على أي إثبات، أما مجد الكلمة فهو ثمرة قداسة حياته التي عرفها الله منذ البدء، ومعلوم أن كل شيء مكشوف أمامه، حاضر وماضي ومستقبل.

إن العقيدة التي جاء بها أريوس جعلته يقوم في وجه كنيسة الإسكندرية التي كانت تنادي بمساواة الابن للآب في الجوهر والأزلية، أي أنها كانت تنادي بألوهية المسيح إلا أنها لم تستطع إسكاته أو تغيير رأيه بالرغم من حرمانه وإبعاده عن الشركة، وقد ساهمت المدرسة الأنطاكية بشكل كبير في توجيه أريوس لتبني تلك الأفكار الخاصة بقضية المسيح عن طريق المنهج النقدي الذي كانت تمتاز به عن باقي المدارس المسيحية.

إقرأ أيضا:مفهوم الروح لغة واصطلاحا وتعريفه في مختلف الديانات

أنصار وأتباع العقيدة الآريوسية

وقد لقيت هذه العقيدة أتباعا وأنصارا كثر في الإسكندرية لدى أوساط الطبقات الدنيا وخارجها، وحتى بين الأساقفة ورجال الكنيسة، من بينهم أوسابيوس القيصري (فلسطين)، مؤرخ الكنيسة الشهير، وأوسابيوس النيقوميدي من مدرسة أنطاكية، حيث ساهما هذين الاثنين بشكل كبير في نشر هذه العقيدة ويعود ذلك إلى أن أفكار أريوس في الله الواحد المنفرد والمتعالي تلقى قبولا كبيرا عندهم، فهم يميلون إلى هذا الإله أكثر من ميلهم إلى إله ضعيف سلبي، يخضع بدون مقاومة إلى الشهادة، ويتجنب الاتصال بالعالم.

وقد تحصلنا على نصوص مقتبسة من كتاب آريوس الشهير ثاليا والتي حفظها أثناسيوس في كتابه حيث يصف آريوس فيقول أن في افتتاحيته يظهر نفسه أنه مملوء بالعقيدة والعواطف الشجية عندما يتحدث عن الله فيقول:”حسب إيمان مختاري الله الذين لهم إدراك ووعي بالله من الرجال القديسيين المتميزين بعقائدهم الصحيحة المتحصلين على روح القدس”، فأريوس يقول أنه أخذ هذا العلم على أناس يمتلكون الحكمة ومعرفتهم لله واسعة، وقد خطى خطواتهم في التعليم والتعلم، فآريوس عانى الكثير لأجل مجد الله حيث يقول: “أن الله كان وحده ولم يكن أبا بعد ولكنه أصبح أبا فيما بعد… لم يكن له الإبن دائما، لأن كل شيء خلق من العدم، أي أن الابن لم يكن منذ الأزل فهو تكوين و خلقة … لأن الله كان وحده، ولم يكن هناك الكلمة والحكمة بعد … من ثم فعندما أراد الله أن يخلقنا، فإنه عندئذ قام بصنع كائن ما وسماه اللوغوس (الأب، الابن والروح القدس) والحكمة والابن، كي يخلقنا بواسطته.”

كما ذكر من قبل أن الله وحده فالكلمة لم تكن بعده، وبإرادة الآب في صنع الخلّائق خلق كائن وأطلق عليه اسم اللاوغوس والحكمة والابن فمن خلّاله تتم الخلقة، وحسب معنى قول آريوس، فإن هناك قوّات كثيرة، فقوة الله ذاتية طبيعية أبدية، أما المسيح لا يعتبر قوة الله الحقيقية، بل هو كسائر القوّات الأخرى، إحداها قوة الله ذاته حسب الطبيعة الأبدية، كما تعتبر أيضا الجرادة والدودة فهي قوة عظيمة، أما القوات الأخرى المتعددة فهي مثل الإبن، فداود أنشد عنها في مزامير بقوله: “رب القوات”، نفس الشيء بالنسبة للكلمة، فهي قوة تتغير بحسب طبيعته، ويمكن أن تبقى صالحة فهي قوة طبيعية ومتغيرة، ويعلم الله المسبق بأن الكلمة سيكون صالحا منحه المجد.

وكذلك يقول أن الكلمة ليس إلها حقيقيا، وإنما هو بالاسم فقط، وهو كباقي الكائنات غريبة عن الله ومختلفة عنه في الجوهر، وبالتالي فهو مخلوق مصنوع، حيث يقول : “وحتّى الابن فإنه لا يرى الآب وأن الكلمة لا يستطيع أن يرى أو يعرف أباه تماما بصورة كاملة، ولكن ما يعرفه وما يراه، فإنه يعرفه ويراه بقدر طاقته الذاتية، مثلما نعرف نحن أيضا بقدر طاقتنا الذاتية… لذا فالابن لا يستطيع أن يرى الآب إلا بحسب قدرة طاقته الذاتية التي منحه إياها الآب، كما هو الشأن عند المخلوقات الأخرى فمعرفتها تكون حسب قدرتها“.

فرق العقيدة الآريوسية

بعد قرارات مجمع نيقيا انقسمت الأريوسية إلى فرق أربع وهي:

  • الأريسيون المعتدلون:

كان الأريسيون المعتدلون أوريجانيين قدامى، حيث يعتبر أسقف قيصرية أوسابيوس زعيما لهم، فهم يصرون على التمييز بين الآب والابن، كما رفضوا اصطلّاحي مجمع نيقيا باعتباره لم يرد في نصوص الإنجيل، لما مات أوسابيوس قام بتنظيمهم كل من ياسيليوس أسقف أنقيرا، وجورجيوس اللّوديكي، وذلك في انعقاد مجمع ميديولانوس عام (355م)، ثم قبولهم لفكرة (تماثل أو التشابه في الجوهر)، حيث أطلق عليهم إسم هوموأوسيوس، ولذلك أطلق على النزاع بينهم أنه نزاع على لا شيء.

  • الأريسيون المتشددون:

وكانوا قد نشؤوا عن اللوكانيين، في البداية كان يرأسهم يوسابيوس النيقوميدي وبعد ذلك أوسابيوس القسطنطيني، وهذه الفرقة كانوا أكثر تشددا في الفصل بين الأب والابن ولما توفي أوسابيوس سنة (341م)، ظهر في صفوفهم ايتيوس الأنطاكي من أجل أن يكون فريق آريوسي جديد، وقد نسقه تلميذه يونوميوس، ذكر هذا الفريق أن جوهر الله في عدم الولادة، أما جوهر الابن ففي كونه مولود، وبالتالي فالجوهرين نقيضين تماما، ولكي يميزوا الله الآب عمدوا إلى ممارسة المعمودية بغطسه واحدة فقط بدل ثلّاث غطاسات.

  • الأومويون (الهومويون):

ويعرفون بالشبهيين، تشكلت هذه الفرقة بإيحاء من الإمبراطور قسطنطيوس، وقد استخدم الهومويون اصطلّاح (أوميوس) أي تشبيه أو تمثيل دون تحديد، ولكن ذلك لم يكن لاهوتهم الخاص، بل كانوا ينحازون لفريق أو آخر، وهذا ما طغى على كلمة أوميوس أن تكون إما ( تشابه الجوهر أو تشابه المشيئة ) ومشايعو هذا الفريق اتخذوا لزعامتهم أساقفة الحدود الشمالية أمثال أورساكيوس السنجدوني، وأولتتاس، و أكاكيوس القيصري، وقد فرضوا رأيهم في المجمع الذي انعقد في سرميوس عام (359م.)

  • الأنومويون:

وهم الذين ينكرون أي شبه بين الآب والابن، و يرفضون الاعتراف بالمسيح كإله، أو شبيه بالإله مستخدمين لذلك اللفظة اليونانية ( أنوميوس-ANOMOIS)، فعرفوا بها وسمّوا الأنوميين أي نفاة التشبيه.

السابق
من هو آريوس؟ نبذة عن حياة القسيس الموحد آريوس
التالي
مفهوم والتطور التاريخي للمستشفيات

اترك تعليقاً