علوم الإدارة

ما هو الفرق بين الإدارة العامة وإدارة الأعمال

اعمال تجارية

إن موضوع أوجه التشابه والاختلاف بين الإدارة العامة وإدارة الأعمال شغل بال كثير من الباحثين والممارسين في الحقلين منذ زمن طويل، ويمكن تقسيم هذه الجهود المتواصلة إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية نرى عرضها بشيء من التحليل الدقيق للوقوف على حقيقة المشكلة.

الاتجاه الأول: لا يوجد أوجه اختلاف بينهما

أنصار هذا الاتجاه لا يرون أوجه اختلاف بين الإدارة العامة وإدارة الأعمال، ولعل من أبرز المؤيدين لهذا الاتجاه تايلور، فايول، سايمون، ووفقا لهذا الاتجاه فإن الاختلاف هو اختلاف في الشكل وفي الإطار الخارجي الذي تمارس فيه وليس في الجوهر والمضمون. ويؤكد هذا المعنى هنري فايول حيث يقول “إن معنى الإدارة لا يشمل الخدمات العامة فحسب ولكن جميع المشروعات مهما كان حجمها ووصفها، فكل المنظمات تتطلب تخطيط وتنظيما وإصدار أوامر وتنسيقا ورقابة، فلم تعد أمام عدة علوم إدارية ولكن أمام علم واحد يمكن أن يطبق على المنظمات الخاصة والعامة“. وقد أكد كل من سايمون وطامسون هذا التشابه بين الإدارة العامة وإدارة الأعمال بقولهما “المنظمات الضخمة العامة والخاصة لهما أوجه تشابه أكثر من أوجه الاختلاف، وفي الحقيقة أن الاختلاف الجوهري والرئيسي بين المنظمات الضخمة والصغيرة وليس بين المنظمات الخاصة والعامة.

ويرى أنصار هذا الاتجاه أن كلا الإدارتين تتشابه في النواحي التالية:

إقرأ أيضا:أهداف ومكونات الحكومة الالكترونية ومتطلبات نجاحها
  1. أن كلا الإدارتين تعمل على رفع الكفاءة الإنتاجية للعاملين الذين ينعكس بشكل مباشر على كفاءة وفعالية المنظمة في تحقيق أهدافها.
  2. أن ممارسة العمل الإداري في كلا الإدارتين يعتمد إلى حد ما على الفن والاستعداد الشخصي والموهبة الذاتية.
  3. المنظمات الخاصة والعامة يخضع نشاطها المجموعة من اللوائح والأنظمة والقوانين والقيم والاعتبارات الاجتماعية السائدة في مجتمع ما.
  4. أن المشروعات الخاصة والعامة تسعى إلى تحقيق أهدافها بأقل تكلفة وجهد وأقصر مدة زمنية وذلك عن طريق استخدام أمثل للموارد المتاحة “البشرية والمادية”.
  5. كلا القطاعين يعتمد بشكل كبير في ممارسته لأعماله على الوظائف الرئيسية في الإدارة، التخطيط، التنظيم، التوجيه، الرقابة، القيادة.

وبناء على ما سبق يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أن المبادئ الأساسية في الإدارة أو ما عرف بوظائف الإدارة (تخطيط، تنظيم، رقابة، تنسيق، توجيه) عامة تحكمها مفاهيم ومبادئ لها صفة الشمول يمكن تطبيقها على المنظمات العامة والخاصة بصرف النظر عن البيئة والظروف التي تعمل فيها المنظمات وتتجاوز في عمومياتها الاختلافات في المواقف التي تواجهها المنظمات.

الاتجاه الثاني: يوجد اختلاف في الدرجة وليس الجوهر

أنصار هذا الاتجاه يتناولون الاختلاف بين الحقلين بشكل عام حيث يرون أن هذا الاختلاف في الدرجة وليس في الجوهر والأساس ويمكن الاختلاف بين الإدارة العامة والخاصة في النقاط التالية:

إقرأ أيضا:تعريف وأهداف الرقابة الإدارية ومراحلها

(1) من ناحية الهدف:

تهدف الإدارة العامة إلى تقديم خدمة أو تحقيق مصلحة عامة لأفراد المجتمع من خلال النشاط الذي تقوم به. بينما في الإدارة الخاصة الباعث والدافع للقيام بأي نشاط هو تحقيق العائد الاقتصادي ويتأكد هذا الدافع في الواقع العملي، في أن الإدارة في القطاع الخاص لا تقدم على أي نشاط إلا بعد دراسة مستفيضة المعرفة الجدوى الاقتصادية للمشروع فإذا كانت نتيجة هذه الدراسة تشير إلى عدم وجود جدوى اقتصادية للمشروع فيكون القرار صرف النظر عن هذا المشروع بالرغم من حيوية وضرورة هذا المشروع بالنسبة لأفراد المجتمع لأن الدافع الأولي هو تحقيق الربح.

(2) من ناحية المستفيدين:

هناك اختلاف بين المستفيدين في القطاعين ففي المشروعات الخاصة المستفيدون شريحة معينة تتألف من صاحب العمل، المساهمين والعملاء أو فئة خاصة من المجتمع، وفي المقابل في القطاع العام المستفيدون في أغلب الأحيان عدد كبير من أفراد المجتمع.

(3) من ناحية المنافسة:

المشروعات العامة تعمل في ظل ظروف احتكارية بمعنى أنه توجد إدارة واحدة في مجال النشاط الواحد. وذلك لأن نشاطات الإدارة العامة يوجد بينها نوع من التنسيق والتكامل. فمثلا لا يمكن أن نتصور أن يكون هناك تنافس بين وزارة التعليم العالي، والمعارف، والمؤسسة العامة للتدريب المهني بل هناك تكامل وتنسيق بين هذه المرافق العامة لأن لكل منها دورة يقوم به لتحقيق المصلحة العامة الأفراد المجتمع.

إقرأ أيضا:مراحل تطور الحكومة الالكترونية ومبادئها

بينما القطاع الخاص تسود فيه روح المنافسة الحرة “ومن ثم تتصف الشركات الخاصة بالجرأة، والمخاطرة وتحين الفرص، الأمر الذي يؤدي إلى التطور السريع والخلق والإبداع وهذه تعتبر ظاهرة صحية بالنسبة للقطاع الخاص.

(4) من ناحية ديمومة الوظيفة:

تتصف الوظيفة في المنظمات العامة بأنها دائمة ولذلك نجد أن نسبة كبيرة من أفراد المجتمع يفضلون الالتحاق بالوظيفة العامة حيث يمكن تحقيق ما يعرف بالأمن أو الاستقرار الوظيفي. وهذا نابع من أن نشاطات وأعمال المنظمات العامة ذات طابع حيوي وضروري لأفراد المجتمع لا يمكن الاستغناء عنها. بينما في إدارة الأعمال الوظيفة فهي ذات طابع مؤقت وتعاقدي لأنه يمكن توقف نشاط الشركة في حالة عدم قدرتها في تحقيق أهدافها بكفاءة وفعالية وتحقيق الأرباح التي يتوقف عليها استمرار نشاطها.

(5) من ناحية المساواة:

قاعدة المساواة تسود بين العاملين في القطاع العام. يعني هذا المبدأ أن خريجي الجامعات إذا تم التحاقهم بقطاعات الإدارة العامة يتحصلون على نفس المزايا الوظيفية مثل شريحة الأجر والإجازات وشروط الترقية بالإضافة إلى المميزات الأخرى التي تترتب على التحاقهم بالقطاع العام لأن هناك نظام واحد يطبق على العاملين في القطاع العام (مثل نظام الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية) بصرف النظر عن المرفق الذي يعمل فيه الخريج سواء في الصحة، والتعليم، بينما في المشروعات الخاصة فكل شركة لها نظام خاص تنفرد به عن بقية الشركات الأخرى تحكمه ظروف الشركة الاقتصادية واحتياجها من القوى العاملة، لذلك لا يمكن أن نستغرب اختلاف في شريحة الأجر والمزايا الأخرى لثلاثة من خريجي الجامعات في ثلاث شركات مختلفة في نفس الإقليم.

الاتجاه الثالث: يوجد اختلاف في الجوهر والأساس

يختلف هذا الاتجاه تماما عن الاتجاه الأول والثاني حيث يرى أنصار هذا الاتجاه أن هناك اختلافا جوهرية وعميقة بين الإدارة العامة والخاصة حيث يرى والس سير (Wallace Sayre) “أن الإدارة الخاصة والحكومية تتشابهان في كل الجوانب غير الهامة وغير الحيوية.

ويقول جوسف بور (Joseph Boer) “الذي يدرس الإدارة الخاصة والعامة يرى أن الإدارة العامة الفعالة ليست كمثل الإدارة الخاصة الفعالة… ويناقش ذلك بقوله إن رجال الأعمال يجب أن لا يكونوا تحت وطأة الأوهام المتعلقة بتشابه أعمالهم وأعمال الإدارة العامة.

وهناك من يؤكدون على وجود اختلاف جوهري وأساسي بين القطاع العام والخاص، حيث يقولون ” إن القول بوجود وظائف إدارية مشتركة تحكمها مفاهيم ومبادئ وقواعد واحدة في الإدارة العامة وإدارة الأعمال قول يجافي الحقيقة. فالظروف البيئية التي تعمل فيها كلا المنظمات الحكومية العامة تختلف في الكثير من جوانبها عن تلك التي تعمل فيها منظمات الأعمال والمنظمات الخاصة غير الحكومية… وهكذا ينعكس على الأسلوب والنمط الذي تمارس به المنظمات أنشطتها والقول بعمومية المفاهيم والمبادئ التي يخضع لها الأداء التنظيمي والإداري يعني إسقاط الاختلافات في الظروف والمواقف بين المنظمات الخاصة والعامة. وهذا القول وإن كان فيه شيء من التبسيط والتيسير على دارسي الإدارة بنوعيها، إلا أنه لا يعبر عن الواقع الفعلي، ومن ثم فإن فائدته العلمية والتطبيقية محدودة.”

أوجه الاختلاف بين الإدارة العامة وإدارة الأعمال

يتضح مما تقدم أن هناك اختلافا جوهريا وأساسيا بين القطاعين، ويمكن إيجاز نقاط الاختلاف بين المنظمات العامة والخاصة على النحو التالي:

1- معايير اتخاذ القرارات:

بالرغم من أن اتخاذ القرارات تعتبر عملية جوهرية في الإدارة إلا أن هناك اختلاف بين القطاع العام والخاص من حيث المعايير ودرجة الرشد في اتخاذ القرارات.

إن القرارات التي يتم اتخاذها في الإدارة العامة هي في الواقع نتيجة للمناقشات، والمداولات والمساومات المتبادلة بقصد تحقيق اتفاق شامل حول تحقيق هدف معين ويرجع السبب في ذلك إلى أن هناك اعتبارات سياسية، اقتصادية، اجتماعية يجب أخذها في الاعتبار من قبل صانعي القرار في القطاع العام.

أما بالنسبة للقطاع الخاص فاتخاذ القرارات يعتمد بشكل كبير على المعايير الموضوعية، والاقتصادية لأن الهدف الرئيسي هو تحقيق الربح. يقول هورلد كرنتر (Harold Grotner) ” لأن الخسارة التي تترتب عن مراعاة شعور الناس تتحملها ميزانية الدولة بالنسبة للسياسيين أما بالنسبة لأصحاب الأعمال فإنهم يتحملونها ويدفعونها من جيوبهم وذلك يعني إفلاسه “.

2- أساليب وطرق التقييم:

هناك اختلاف حقيقي وحيوي بين القطاعين من حيث أساليب وطرق تقييم نشاطات المنظمات العامة والخاصة. هذا الاختلاف نابع من طبيعة النشاطات في القطاع الخاص والعام طالما أن الهدف الأساسي من القيام بالنشاط في المشروعات الخاصة تحقيق الربح، لذلك يمكن الحكم على فعالية أو عدم فعالية القطاع الخاص، أو بمعنى آخر فشله ونجاحه يتوقف على معايير اقتصادية بحتة تتمثل في تحقيق حد أدنى من المدخلات وحد أعلى من المخرجات حيث أن الفرق بينهما يمثل الربح.

بالنسبة للمنظمات في القطاع العام، كما يقول والدو (Waldo) “لا يمكن مثلا أن يقيم أداء قسم الشرطة بمعيار النفقات النقدية التي أنفقتها خلال فترة زمنية معينة، كما لا يمكن تقييم أدائه على أساس الإيراد الذي حقق، ولا يمكن أخذ معيار الربحية لقياس أداء المنظمات العامة، حيث لا توجد صلة بين الإيرادات التي تحققها والنفقات التي تتحملها.”

3- المسؤولية:

يعتبر هذا العنصر من العناصر الرئيسية التي يختلف فيها الحقلان حيث أكد هذا الاختلاف جون ديوي (John Dewey) قبل خمسة وستين عاما تقريبا حيث يقول “إن الخلاف الجوهري والحيوي بين القطاع العام والخاص يتمثل في عنصر المسؤولية حيث يعني ذلك إلى أي درجة تكون المؤسسة أو المنظمة مسؤولة تجاه الآخرين فيما يتعلق بأدائها.

إن مسؤولية الإدارة العامة مسؤولية عامة أمام جهات متعددة مثل السلطة التنفيذية، الأجهزة الرقابية والجمهور بوجه عام، ولتصوير مسؤولية موظف الإدارة العامة يكون رجل الإدارة العامة مطالب بتفهم العلاقة القائمة بين عمله والإطار السياسي العام والوقوف على مشاعر الشعب بينما المدير في القطاع الخاص يكون مسئولا أمام الإدارة العليا في المشروع”.

4- الأساس المالي:

هناك اختلاف بين المنظمات العامة والخاصة من حيث الإيرادات، والمصروفات، وإعداد الميزانية، ففي المنظمات العامة مصادر متعددة للإيرادات: الضرائب، القروض، أملاك الدولة، الإصدار النقدي والرسوم، بينما أوجه الإنفاق تشمل: الصحة، التعليم، المواصلات، الدفاع، الأمن.

إعداد الميزانية في القطاع العام يتم عن طريق جهات متعددة داخل المنظمة وخارجها لذلك تحتاج فترة زمنية طويلة. والاستثمارات تعتبر مصدرا رئيسا للإيرادات في المشروعات الخاصة بينما يكون هنا حد أدنى من الإنفاق على المدخلات الموارد البشرية، المادية، المالية اللازمة لاستمرار نشاط المنظمة. وإعداد الميزانية الخاصة منوط بوحدة معينة داخل المنظمة، لذلك تحتاج عملية الإعداد فترة زمنية أقل مقارنة بالميزانية العامة.

من خلال العرض السابق يمكن الوصول إلى نتيجة هامة مفادها أن الاختلاف بين الحقلين حقيقي وجوهري وليس كما يتصور كثير من الكتاب والمتخصصين في الحقلين، ويترتب على هذه النتيجة أمران هامان:

  1. أن الإدارة العامة تعتبر حق” دراسية مستقلا له أساليبه، ومبادئه، وأنماطه الإدارية.
  2. أن الموظف في الإدارة العامة لا بد أن تتوافر فيه بعض الصفات والمهارات والقدرات للقيام بدوره بشكل فعال.
السابق
تعريف الإدارة العامة وعلاقتها بالعلوم الأخرى
التالي
كل ما يخص التنسيق: تعريفه، وسائله، مبادئه، وأنواعه

اترك تعليقاً