ثقافة عامة

مفهوم، أهداف وأهمية إدارة الجودة الشاملة

وظيفة الإنتاج

لقد ساهمت التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية الناتجة عن عولمة السوق، وزيادة حدة المنافسة بين المؤسسات إلى تغير نظرة هذه الأخيرة من التركيز على جودة مواصفات السلعة أو الخدمة فقط إلى نظرة أشمل وأوسع تركيز على جودة كل عمليات وأنشطة و مراحل العمل بالمؤسسة باعتمادها لما يسمى بالجودة الشاملة، من أجل تحقيق أقصى إشباع للزبائن والمستهلكين، ولكن تحقيقها وتجسيدها في المؤسسة يتطلب تنسيق وتوجيه لكل الجهود من خلال ما يسمى بإدارة الجودة الشاملة، والتي سنتطرق إليها في هذا المقال من حيث: التعريف، الأهمية والأهداف، ومتطلباتها.

تعريف إدارة الجودة الشاملة

نظرا للأهمية الكبرى لإدارة الجودة الشاملة بالنسبة للمؤسسات فقد لقي تعريفها اهتماما كبيرا من قبل الباحثين، وفيما يلي جملة التعاريف التي تتعلق بها:

هناك من ينظر إلى إدارة الجودة الشاملة على أنها طريقة أو فلسفة للتسيير تتضمن مجموعة من الأفكار تهدف إلى إشباع حاجيات الزبون من خلال تحقيق الجودة الشاملة في جميع العمليات، وهذا ما توضحه التعاريف التالية:

  • بالنسبة لمنظمة المقاييس العالمية ISO فتعرف إدارة الجودة الشاملة «طريقة لتسيير المؤسسة تركّز على الجودة (باعتبارها مجموعة خصائص في السلعة أو الخدمة تعطي لها أهلية إشباع الحاجات المعلنة والضمنية) ترتكز على مساهمة جميع الأفراد، وتسعى للنجاح لمدة طويلة بواسطة إشباع حاجات الزبائن وتوفير مزايا من أجل جميع أفراد المؤسسة والمجتمع».
  • كما تعرف إدارة الجودة الشاملة على أنها: «استراتيجية للتسيير تشمل كل المؤسسة بما فيها نشاطات الأفراد ومحيط هذه المؤسسة من أجل تحديد وإشباع أهداف الجودة المستنبطة من متطلبات الزبون».
  • وتعرف إدارة الجودة على أنها: «فلسفة إدارية تهدف إلى تحقيق التحسين المستمر في جودة أداء جميع العمليات والمنتجات وكذلك الخدمات في المؤسسة».
  • أما DEMING فيعرفها بأنها: «فلسفة إدارية مبنية على أساس إرضاء المستفيد وتحقيق احتياجاته حاضرا ومستقبلا».

هناك أيضا من ينظر لإدارة الجودة الشاملة على أنها نظام متكامل تتفاعل فيه جميع عناصر المؤسسة من عمليات وأفراد ونشاطات لتحقيق هدف عام ونهائي هو تحقيق الإشباع والرضي للزبون والمستهلك ومن بين التعاريف التي توضح هذه النظرة نورد ما يلي:

إقرأ أيضا:مفهوم إدارة المعرفة، أهميتها وأهدافها
  • تعرف إدارة الجودة الشاملة على أنها: «نظام فعال لتكامل جهود كل أقسام المؤسسة لتحسين وتطوير الجودة من خلال استخدام العنصر البشري والموارد المالية المتاحة بهدف إشباع حاجات الزبون، وتحقيق رغباته».

أيضا هناك من يعرفها على أنها: «نظام يتضمن مجموعة من الفلسفات الفكرية المتكاملة والأدوات الإحصائية، والعمليات الإدارية المستخدمة لتحقيق الأهداف، ورفع مستوى رضا الزبون والموظف على حد سواء».

مما سبق نلاحظ أنه على الرغم من اختلاف وتعدد تعاريف إدارة الجودة الشاملة فإن هدف هذه الأخيرة هو البحث عن إشباع حاجات ومتطلبات الزبون الحالية والمحتملة، أي خدمة المستهلك والبحث عن رضائه ووفائه للمؤسسة ولأجل الوصول إلى هذه الغاية فإن الأمر يتطلب إحداث تغييرات جذرية وعميقة في ثقافة المؤسسة.

وفي هذا الإطار يرى البعض أن إدارة الجودة الشاملة هي: «فلسفة إدارية حديثة تأخذ شكل منهج أو نظام إداري شامل، قائم على أساس إحداث تغيرات إيجابية جذرية، لكل شيء داخل المؤسسة بحيث تشمل هذه التغيرات: الفكر، والسلوك، القيم، المعتقدات التنظيمية، المفاهيم الإدارية، نمط القيادة الإدارية، نظم وإجراءات العمل والأداء…إلخ، من أجل تحسين وتطوير مكونات المؤسسة للوصول إلى أعلى جودة في مخرجاتها (سلع وخدمات)، وبأقل تكلفة بهدف تحقيق أعلى درجة من الرضا لدى زبائنها، عن طريق إشباع حاجاتهم ورغباتهم، وفق ما يتوقعونه، بل يتخطى هذا التوقع تماشيا مع استراتيجية تدرك أن رضا الزبون وهدف المؤسسة هما هدف واحد، وبقاء المؤسسة ونجاحها واستمراريتها يعتمد على هذا الرضا، وكذلك على رضا كل من يتعامل معها من غير الزبائن كالموردين وغيرهم».

إقرأ أيضا:بحث كامل حول وسائل الدفع الإلكترونية

فهذا التعريف قدم لنا معنا كافيا ووافيا لإدارة الجودة الشاملة إذ نستطيع الخروج باستنتاج هو: أن إدارة الجودة الشاملة عبارة عن فلسفة أو مجموعة من الأفكار تترجم على شكل نظام يسير وفق استراتيجية إدارية تتبعها المؤسسة لتحقيق جودة شاملة تمس جميع الأنشطة والأفراد والوظائف…إلخ. من خلال تطبيق عمليات التحسين المستمر، وتنسيق جميع الجهود لتحقيق رضا الزبون والموظف على حد سواء.

ومن خلال مجمل ما سبق ذكره من تعاريف يمكن أن نستنتج ما يلي:

أن إدارة الجودة الشاملة هي مجموعة أفكار عملية تقوم على أساس التحسين المستمر في جميع عمليات ونشاطات المؤسسة.

  • عملية التحسين هذه ولأنها شاملة فهي تتطلب تكاثف الجهود الجماعية لتحقيق الجودة في جميع العمليات بغرض إشباع متطلبات الزبون الحالية والمستقبلية.
  • لتحقيق هذه الغاية فإن إدارة الجودة الشاملة تتطلب إحداث تعديلات وتغيرات في نمط وأسلوب التسيير في المؤسسة.
  • هذه التغيرات يجب إن تشمل أيضا القيم والمعتقدات وإجراءات العمل في المؤسسة لتصب جميعها في هدف واحد وهو رضا الزبون.
  • إن هذا الهدف يجب أن يتماشى واستراتيجية المؤسسة لأن بقاء المؤسسة ونجاحها وقدرتها على تحقيق النمو يعتمد ويرتبط أشد الارتباط بوفاء ورضا المستهلك.

عموما فإن تطبيق إدارة الجودة الشاملة وبناءا على ما سبق ذكره فإنه يساعد وإلى درجة كبيرة المؤسسة على خلق أفضلية تنافسية مقارنة بمنافسيها مما يدعم قدرتها على البقاء والاستمرارية.

إقرأ أيضا:بحث حول إدارة التسويق: مفهوم، أهداف والمزيج التسويقي الخاص به

أهمية إدارة الجودة الشاملة

ترجع أهمية تطبيق فلسفة إدارة الجودة الشاملة في المؤسسة لأسباب عديدة نحاول التعرف عليها في هذا الجزء، بالإضافة إلى الأهداف التي تسعى لتحقيقها:

تعود أهمية إدارة الجودة الشاملة لجملة من الأسباب نذكر منها: التغير المستمر والمتسارع والشامل لكل عناصر المحيط والمتمثلة في:   

  • عولمة السوق: والتي كانت نتيجة لنشأة بعض المنظمات والاتفاقيات مثل منظمة التجارة العالمية O.M.C، أو اتفاقية GATT (الاتفاق العام للتعرفة الجمركية والتجارية)، واتفاق النافتا (اتفاق شمال أمريكا للتجارة الحرة)، حيث ساهمت في تحرير المبادلات التجارية وفتح السوق الدولية، مما أدى إلى تصاعد حدة التنافسية بين المؤسسات، وتنامي التكتلات الاقتصادية.
  • التطورات التكنولوجية: والتي كانت سببا في تطوير تقنيات الإنتاج، والتعقيد المتزايد للسلع والخدمات.
  • التطورات الاجتماعية: والتي أدت إلى تطور الحاجات وتنوعها لدى الأفراد مثل البحث عن تحقيق الذات، والإشباع والرضا.
  • انتشار بعض الظواهر السلبية: كانخفاض مستوى الجودة، زيادة الوقت المخصص للعمليات الإنتاجية والرقابة عليها وزيادة شكاوى الزبائن وانتقاداتهم.
  • عدم كفاءة وفعالية الأساليب الجزئية الغير المتكاملة في تحسين أساليب التسيير.

فهذه الأسباب أدت إلى ضرورة اعتماد المؤسسة لـ :

  • الجودة كوسيلة تنافسية، من أجل زيادة حصتها في السوق، والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية O.M.C.
  • تقنيات جديدة في تسيير وظائف المؤسسة.
  • نظام تسيير متكامل يأخذ كل من الموارد البشرية والتكنولوجية بعين الاعتبار في عملية التحسين.

أمام هذه الأسباب وما تتطلبه لمواجهتها وجدت المؤسسة نفسها مجبرة على اعتماد الجودة الشاملة لتسييرها، لمواجهة تحديات المنافسة، ومن هنا ظهرت أهمية تطبيق فلسفة إدارة الجودة الشاملة في المؤسسة.

أهداف إدارة الجودة الشاملة

إن المؤسسة من خلال اعتمادها وتطبيقها لفلسفة إدارة الجودة الشاملة تسعى لتحقيق العديد من الأهداف نذكر منها:

  1. تحديد الحاجات والمتطلبات الحقيقية للزبائن والمستهلكين.
  2. العمل على تلبية حاجيات هؤلاء الزبائن والمستهلكين، من خلال تقديم سلع وخدمات مطابقة للمواصفات، وتطويرها حسب حاجاتهم ورغباتهم.
  3. تحقيق الرضا لكل من الزبائن والموظفين والمديرين على حد سواء.
  4. توقع حاجات الزبون مستقبلا، والعمل من أجل تلبيتها، لجذب المزيد من الزبائن والمحافظة على الحاليين منهم.
  5. ضمان التحسين المستمر والشامل لكل نشاطات المؤسسة ووظائفها، وزيادة قدرتها على التطور.
  6. تمكين المؤسسة من تحقيق ميزة تنافسية في الأسواق العالمية في ظل التنافسية الحادة.
  7. زيادة ربحية المؤسسة عن طريق زيادة حصتها السوقية الناتجة عن الكفاءة الإنتاجية، بتخفيض التكلفة، وتحسين الجودة في نفس الوقت.
  8. تشجيع فكرة العمل الجماعي بالمؤسسة.
  9. منح حق اتخاذ القرارات المتعلقة بالجودة، لتحسين مجالات العمل المشترك.
  10. التكيف مع التغيرات التقنية والاقتصادية والاجتماعية بما يخدم تحقيق الجودة المطلوبة.

إذن هذه أهم الأهداف التي تسعى إليها المؤسسة من خلال تطبيقها لإدارة الجودة الشاملة، والتي تشترك أغلبها في نقطة رئيسية تتمثل في العمل على تحقيق أقصى درجة من الإشباع والرضا لدى المستهلك أو الزبون بشكل مستمر، يساعد المؤسسة على تحقيق مستوى عالي من الجودة يمكنها من الحصول على ميزة تنافسية وتدعيم قدرتها التنافسية.

متطلبات إدارة الجودة الشاملة

وفي ضوء ما تطرقنا إليه نستنتج مجموعة من المتطلبات يتوقف عليها نجاح تطبيق فلسفة إدارة الجودة الشاملة للمؤسسة نذكر منها:

التمهيد قبل التطبيق: إذ لابد من زرع قناعة وسط العمال بضرورة اعتماد فلسفة إدارة الجودة الشاملة من خلال شرح أهمية وأهداف، وفوائد تطبيق هذه الفلسفة، وتدريبهم على أساليبها وأدواتها، الشيء الذي يساعد على تهيئة بيئة ملائمة لضمان نجاح تطبيق هذه الفلسفة، وتنمية روح الثقة والتعاون بالمؤسسة.

– التخطيط الاستراتيجي: إذ يجب على المؤسسة وضع خطة استراتيجية تشمل الأهداف والإجراءات والسياسات التي تسير وفقها المؤسسة انطلاقا من دراسات تشمل المؤسسة ومحيطها.

– تدريب العاملين على تبني مفاهيم وأساليب إدارة الجودة الشاملة: وذلك بتدريب أفراد المؤسسة على المهارات والقدرات والأدوات اللازمة لتطبيق إدارة الجودة الشاملة من خلال برامج تدريبية تساعد على تحسين مستوى أدائهم.

– التركيز على الزبون والمستهلك: ويقصد به التركيز على تحديد حاجات الزبائن والمستهلكين ورغباتهم والعمل على تلبيتها، وأخذ آرائهم بعين الاعتبار، انطلاقا من الدراسات والأبحاث التسويقية المتعلقة بهم، وقياس مدى رضاهم عن الخدمات والسلع المقدمة لهم.

– منح حق الفرد في اتخاذ القرارات، ووضع الأهداف، وحل المشاكل، والمشاركة في عمليات التحسين المتعلقة بإدارة الجودة الشاملة.

– اعتماد سياسة وأساليب وأدوات إحصائية للرقابة على الجودة.

– توفير معايير لقياس الجودة: حيث أن توفر هذه المعايير يجعل العاملين ملزمين على التقيد بها، وبالتالي ضمان أفضل أداء، وتقديم أفضل للمنتجات والخدمات.

– التزام المؤسسة بشراء مواد أولية مطابقة للمواصفات، مع اعتماد طرق علمية في استلامها وفحصها وتخزينها، لضمان إنتاج منتجات ذات جودة عالية.

فهذه بعض الشروط والمتطلبات التي لابد من توفرها من أجل نجاح تطبيق فلسفة إدارة الجودة الشاملة بالمؤسسة، حيث أن غياب أحدها أو بعضها سيؤدي إلى خلل في تطبيق هذه الفلسفة.

الخلاصة

ومما سبق نستنتج أن مفهوم إدارة الجودة الشاملة هو مفهوم أوسع وأشمل من الجودة، إذ تقتصر هذه الأخيرة على جودة المنتوج فقط، في حين أن مفهوم إدارة الجودة الشاملة يشمل المؤسسة ككل من خلال استراتيجية لتسيير شامل للجودة بالمؤسسة له أسسه ومتطلباته وأهدافه التي يضع في مقدمتها رضا زبائن وموظفي ومسيري المؤسسة على حد سواء، لا الزبون أو المستهلك فقط كما هو الحال في جودة المنتوج.

السابق
نشأة وتطور مفهوم الجودة الشاملة، إضافة إلى أهداف وشروطها
التالي
أسس ومبادىء إدارة الجولة الشاملة

اترك تعليقاً