تعاريف ومفاهيم منوعة

مفهوم العولمة ونشأتها ومراحل تطورها

مفهوم العولمة ونشأتها وتطورها

تعريف العولمة

العولمة لغة هي تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله ويقال عولم الشيء يعني جعله عالميا.

وليس هناك مصطلح جامع مانع لها فهو مصطلح غامض في أذهان الكثير من الناس ويرجع سبب ذلك إلى أن العولمة ليست مصطلحا لغويا قاموسيا صامدا يسهل تفسيرها بشرح المدلولات اللغوية المتصلة بها بل هي مفهوم شمولي يذهب عميقا في جميع الاتجاهات لتوظيف حركة التغيير المتواصلة لذا أورد الباحثون والمفكرون تعاريف مختلفة لكن تصب في قالب واحد أو منظور واحد منها ما يلي:

العولمة هي التي من خلالها تصبح شعوب العالم متصلة ببعضها البعض في كل أوجه حياتها، ثقافيا، اقتصاديا، سياسيا، تقنيا وبيئيا.

ويقول «توم فريدمان الأمريكي” نحن أمام معارك سياسية وحضارية فضيعة العولمة هي الأمركة، والولايات المتحدة الأمريكية قوة مجنونة، نحن قوة ثورية خطيرة وأولئك الذين يخشونها على حق، وأن صندوق النقد الدولي قطعة أليفة بالمقارنة مع العولمة.

وهذا ما يرى أحد الباحثين، أن العولمة نمط من أنماط الحضارة، لها مكوناتها الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية والثقافية، أنها ” تداعيات تاريخية أفضت إلى الواقع واقع نعيشه اليوم ونتعايش معه ” كما أنها امتداد طبيعي لتدفق المعلومات وتداولها بسهولة بين دول العالم، ونن ثمة تتفاعل أهمية البعد الجغرافي ويقل تأثيره في مجال إنشاء واستمرار العلاقات السياسية، الاقتصادية والاجتماعية عبر الحدود.

إقرأ أيضا:كل ما يخص محيط المؤسسة: تعريف، خصائص، وعناصرها

ويعرف OTSUDO 1996 العولمة على أنها ” تكامل الإنتاج والتوزيع واستخدام السلع والخدمات بين اقتصاديات دول العالم “.

اتجاهات مختلفة في تعريف العولمة

وفيما يلي محاولة لاستعراض الاتجاهات الرئيسية بصدد تعريف العولمة.

أولا: تعريف العولمة كظاهرة متعددة الأبعاد

إسماعيل صبري عبد الله: «التدخل الواضح لأمور الاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدولة ذات السيادة أو الانتماء إلى وطن محدد أو دولة معينة ودون الحاجة إلى إجراءات حكومية».

محمد عابد الجابري: «العولمة نظام ذو أبعاد تتجوز نطاق الاقتصاد لتشمل مجالات السياسة والفكر وهي تشير إلى محاولة تعميم نمط حظاري يخص بلدا بعينه وهو الولايات المتحدة الأمريكية على بلدان العالم أجمع».

ثانيا: تعريف العولمة كظاهرة لتوسيع نطاق الهوية الشخصية.

  • عماد يونس: «هي محاولة توسيع نطاق الهوية الشخصية، بحيث يصبح الإنسان ابن الأرض، تكون بها بمثابة ” قرية منوية ” واحدة، مع تطور نظم المواصلات والاتصالاتالتي تربط بين عناصر الإنسانية وجزئياتها، لتتلاقى الشعوب في انفتاحها لينهي عصر الدولة من أن يجتمع الكل لبناء هذه الأرض وتطورها من أجل قيم ورفاهية الإنسان، بعيدا من التوقع في إطار الأثنية والعرق والجنس والأمة، الدين والمذهب…وصولا إلى تحديد هوية واحدة له من دون خصائص ومميزات».

ثالثا: تعريف العولمة كظاهرة انكماش العالم

إقرأ أيضا:طرق وأساليب النجاح في الدراسة
  • مالكوم واترز Malkom Waters: “كل المستجدات والتطورات التي تسعى بقصد أو من دون قصد إلى دمج سكان العالم في مجتمع عالمي واحد.
  • رونالد روبرتسون Ronald Robertson “هي اتجاه تاريخي نحو انكماش العالم وزيادة وعي الأفراد والمجتمعات بهذا الانكماش.

رابعا: تعريف العولمة كظاهرة الحداثة

  • أنتوني جيدنز Anthony Giddens “مرحلة جديدة من مراحل بروز وتطور الحداثة تكتفي فيها العلاقات الاجتماعية على الصعيد العالمي، حيث بعدت تلاحم غير قابل للفصل بين الداخل والخارج، ويتم فيها ربط المحلي والعالمي بروابط اقتصادية وثقافية وسياسية وإنسانية.”

خامسا: تعريف العولمة كظاهرة هيمنة عالمية

  • ممدوح محمود منصور: “هي عملية مدارة ونائية تستهدف من خلالها القوى المهيمنة على النسق العالمي لإعادة من الأوضاع الدولية التي ترتبت على التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال والمواصلات وزيادة كثافة التفاعلات الدولية ودرجة الاعتماد الدولي المتبادل، وصورة التوزيع العالمي الراهن للقوة، في تحقيق الهيمنة العالمية.

سادسا: تعريف العولمة كنظام عالمي جيد

  • صادق جلال العظم: “هي حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها، وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل (غير المتكافئ)“.

سابعا: تعريف العولمة كديناميكية جيدة

إقرأ أيضا:كيفية إدارة الأداء في الموارد البشرية
  • برهان غليون: “ديناميكية جيدة تبرز داخل العلاقات الدولية من خلال تحقيق درجة عالية من الكثافة والسرعة في عملية إنشاء المعلومات والمكسبات التقنية والعلمية للحضارة، يتزايد فيها العامل الخارجي في تحديد مصير الأطراف الوطنية المكونة لهذه الدائرة المندمجة، وبالتالي لهوامشها“.

ثامنا: تعريف العولمة كثورة تقنية اجتماعية

  • ريتشارد هجوت Richard Hegut: “حقبة زمنية مؤقتة تصف سياقا تاريخيا في إطاره جملة من الأحداث، و يصف هجوت العولمة بأنها ثورة تقنية اجتماعية تحمل في حياتها مجموعة جديدة من الأنشطة التي تقود إلى تحول حاسم من الرأسمالية الصناعية إلى مفهوم العلاقات الاقتصادية لما بعد المرحلة الصناعية و في ظل هذا النشاط فإن العلاقات الاقتصادية العالمية سوف تستقر في نهاية المطاف على قيام سوق عالمية واحدة تعتمد في آلية عملها على الترابط التقني المتلازم عبر الحدود الوطنية و بسيادة الاقتصاد عبر الشبكات و تقودها النخبة التكنو صناعية في العالم“.

نشأة العولمة

إن التاريخ البشري لم يعرف قط تطورا جديدا تماما لم يمت لما سبقه، فإنه ثمة من يرون أن للعولمة جذورا ضارية في أعماق التاريخ إذ يرون أصولها وإرهاصاتها إلى نحو خمسة قرون خلت.

ويرى أنصار هذا الاتجاه أن تباشير العولمة ترد إلى القرن الخامس عشر الذي شهد بداية ما يسمى بعصر الكشوف الجغرافية و ذلك حينما حاولت كل من اسبانيا و البرتغال أن تفتح لها طريقا بحريا إلى الشرق الأقصى قافزة بذلك فوق الإمبراطورية الإسلامية في الشرق العربي والتي كانت أنداك تقف حائلة دون وصول النفوذ الأوروبي إلى الشرق الأقصى، وقد أفرت تلك المحاولات عن وصول الأوروبيين إلى سواحل غرب إفريقيا 1492م و إلى رأس الرجاء الصالح 1488 م و إلى القارة الأمريكية الشمالية 1492 م و إلى الهند 1498 م و إلى جنوب الصين 1511م و إلى المحيط الهادي عبر أمريكا الوسطى 1513م و انتهاء بأول رحلة بحرية للدوران حول الأرض 1522م.

وفي أعقاب عصر الكشوف الجغرافية بدأ التصارع حول السيطرة على الاسواق العالمية ترويجا للسلع والمنتجات الأوروبية، ورغبة في مبادلتها بالمواد الخام والمنتجات الآسيوية والإفريقية / مما اعتبر إيذانا ببدء عصر الرأسمالية التجارية.

وقد آلف هذه التطورات بضلالها على العلاقات الدولية إذ شهدت هذه الفترة البدايات الأولى لنشأة القانون الدولي من خلال كتابات هيجوا جروش يوس 1620م، كما تبع ذلك إرساء التعامل السياسي الدولي من خلال كتابات قرارات مؤتمر ونست قاليا 1648م.

ومع بداية الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر الميلادي شهدت أوروبا ما عرف بظاهرة الإنتاج الكبير، حيث أدت ميكنة العمليات الإنتاجية إلى زيادة متنامية في حجم الإنتاج، الأمر الذي استلزم فتح أسواق جديدة في مختلف أنحاء العالم لتصريف فائض الإنتاج المتراكم، و كذا البحث عن مسارد جديدة للمواد الخام مواجهة الزيادة في متطلبات العملية الإنتاجية ذلك فضلا عن إتاحة فرص جديدة للاستثمار ، فوائض رؤوس الأموال الأوروبية المتراكمة، والإفادة من مزايا النسبة المتوافرة في مناطق مختلفة من العالم كوفرة المواد الخام و رخص الأيدي العاملة و القرب من منافذ التسويق.

وقد أدت كل هذه التطورات إلى زيادة قوة الرأسمالية الصناعية الأوروبية كمجال لظهور ظاهرة السيطرة الاستعمارية (الإمبريالية).

ومنذ نهاية القرن التاسع عشر وعلى امتداد القرن العشرين حدثت تطورات هائلة في مجال التكنولوجيا وفي مجال الاتصالات والمواصلات الدولية، بحيث بات مفهوم الكونية (بمعنى النظر إلى العالم ككل يبدو قابلا للتحقيق لأول مرة في تاريخ البشرية بشكل ملموس).

مراحل تطور العولمة

إن النشأة التاريخية للعولمة ومراحل تطورها وامتدادها عبر الزمان والمكان صاغها رولاند روسيون في كتابه ” العولمة الاجتماعية والثقافية الكونية ” وقسمها إلى خمسة مراحل متتابعة وهي:

  1. مرحلة الحنينية (مرحلة البدء): أي مرحلة التكوين واستمرت في أوروبا منذ أوائل القرن الخامس عشر متزامنة مع التوسع الكنيسي وبروز مجموعة من النظريات التي تتحدث عن وحدة العالم والبشرية، لقد شهدت هذه المرحلة التأسيس للمجتمعات القومية ونموها مع انكسار قيود القرون الوسطى، كما تعمقت الأفكار الخاصة بالفرد والمجتمع والإنسانية، وسادت نظرية مركزية للعالم وبدأت الجغرافيا الحديثة وانتشر التقويم الغري غوري.
  2. مرحلة النشوء : استمرت من منتصف القرن الثمن عشر إلى سبعينات القرن التاسع عشر 1750م – 1870م، شهدت هذه المرحلة تحولا حادا في فكرة الدولة المتجانسة الموحدة، وأخذت تتبلور المفاهيم الخاصة بالعلاقات الدولية التي شهدت انعكاسا واضحا و غير مسبوق، مع تركيز خاص على الأبعاد القانونية التي تحكم هذه العلاقات و بدأت مشكلة قبول المجتمعات غير الأوروبية في المجتمع الدولي فنشأ مفهوم أكثر تحديدا للإنسانية، وأرادت إلى حد كبير الاتفاقيات الدولية، ونشأة المؤسسات الخاصة بتنظيم العلاقات والاتصالات بين الدول وبدأ الاهتمام بموضوع الوطنية والعالمية.
  3. مرحلة الانطلاق ( مرحلة الإعلان و النشار) : استمرت من سبعينات القرن التاسع عشر إلى عشر بنات القرن العشرين 1870م-1920م حيث شهدت هذه المرحلة مفاهيم كونية جديدة، خط التطور الصحيح للمجتمع الوطني المقبول بالإضافة إلى مفاهيم تتعلق بالهوية الوطنية والفردية، وتم إدماج عدد من المجتمعات غير الأوروبية في المجتمع الدولي و بدأت عملية الصباغة الدولية للأفكار الخاصة بالإنسانية و محاولة تطبيقها، وتمت المنافسات الكونية مثل الألعاب الأولمبية، و جوائز نوبل، وتم تطبيق فكرة الزمن العالمي، وتميزت كذلك بسرعة التحولات في وسائل الاتصالات والمواصلات، و اندلاع الحرب العالمية الأولى التي كانت من أهم إفرازاتها وضع عصبة الأمم موضع العمل .
  4. الصراع من أجل الهيمنة ( الصراع على النفوذ والسيطرة) : استمرت هذه المرحلة من العشرينيات حتى منتصف الستينات من القرن العشرين (1920 – 1965م) و بدأت الخلافات والحروب الفكرية حول المصطلحات الناشئة الخاصة بعملية العولمة والتي بدأت في مرحلة الانطلاق ونشأت صراعات كونية حول صورة الحياة وأشكالها المختلفة، وقد تم التركيز على الموضوعات الإنسانية بحكم حوادث الهولوكوست  وإلقاء القنبلة الذرية على اليابان وبروز دور الأمم المتحدة، كما شهدت تفاقم حدة الصراع من أجل الهيمنة العالمية و الكونية بما في ذلك المنافسة للوصول إلى القمر والتهديدات بالفناء النووي الجماعي، وتطوير شبكة الاتصالات والمواصلات والاهتمام العالمي بحقوق الإنسان وحرباته من قبل مؤسسات المجتمع المدني على الصعيد العالمي.
  5. مرحلة عدم اليقين (مرحلة الصعود نحو المجهول): بدأت في الستينات وأدت إلى اتجاهات وأزمات في التسعينات وقد تم إدماج العالم الثالث في المجتمع العالمي وتصاعد الوعي الكوني، وحدث هبوط على القمر، وتعمقت القيم ما بعد المادية.

كما شهدت المرحلة نهاية الحرب الباردة وانتهى النظام الثنائي القطبي وانفرد القطب الواحد بالتعزيز، وازدادت إلى حد كبير المؤسسات الكونية و الحركات العالمية، و ظهرت حركة الحقوق المدنية، وتم تقديم نظام الإعلام الكوني، كما شهدت هذه المرحلة أيضا تزايد في إدراك الأفراد بالعالمية العالم، وبروز المؤسسات الحكومية و الغير حكومية لإدارة القضايا العالمية المعاصرة مع زيادة واضحة في القلق العالمي على مصير البشرية على الكرة الأرضية وهو القلق الذي بدأ يروج عبر وسائل الإعلام التي استعانت بالأقمار الفضائية لتتخطى الدولة و تصل إلى كل زاوية من زوايا الكرة الأرضية.

السابق
بحث كامل حول وسائل الدفع الإلكترونية
التالي
دوافع وأبعاد العولمة وجوانبها

اترك تعليقاً