أفكار ومشاريع

مفهوم دراسة الجدوى الاقتصادية، أهميتها وأنواعها

مفهوم دراسة الجدوى الاقتصادية

مما لا شك فيه، أن موضوع دراسات الجدوى الاقتصادية والفنية، يعتبر من المواضيع الاقتصادية الحديثة نسبيا، إلا أنه حظي باهتمام كبير وبخاصة في الدول المتقدمة، كونه يمثل إحدى الوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق الاستخدام والتوزيع الأمثل للموارد الاقتصادية المتاحة، إضافة إلى كونه يمثل إحدى المتطلبات أو المقومات الأساسية التي تعتمد عليها عملية اتخاذ القرارات الاستثمارية الناجحة.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول، إن هناك علاقة وثيقة بين دراسات الجدوى الاقتصادية وطبيعة القرارات الاستثمارية، حيث كلما اعتمد اتخاذ القرار على دراسات شاملة ودقيقة وموضوعية وعلمية، كلما كانت القرارات أكثر نجاحا وأمانا في تحقيق الأهداف المحددة لها، أما إذا اتصفت تلك القرارات بالارتجالية والعشوائية وعدم اعتمادها على مثل تلك الدراسات، فإن ذلك بالضرورة سوف يقود إلى قرارات فاشلة، وما يترتب عليها من ظهور مشروعات فاشلة وغير مجدية اقتصاديا، ويظهر ذلك بصورة واضحة في الدول النامية، التي تكون أغلب المشروعات القائمة فيها من نوع المشروعات غير المجدية اقتصاديا، نتيجة لعدم اعتماد إقامتها على مثل تلك الدراسات.

وعلى هذا الأساس قمنا بالتطرق في هذا المقال إلى: تعريف دراسة الجدوى الاقتصادية، وأهميتها وأنواعها

تعريف دراسات الجدوى الاقتصادية

يمكن القول، أن دراسات الجدوى الاقتصادية والفنية، ما هي إلا عبارة عن تلك الدراسات العلمية الشاملة لكافة جوانب المشروع أو المشروعات المقترحة، والتي قد تكون إما بشكل دراسات أولية أو من نوع الدراسات التفصيلية أو الفنية، والتي من خلالها يمكن التوصل إلى اختيار بديل أو فرصة استثمارية من بين عدة بدائل أو فرص استثمارية مقترحة، البديل الذي يضمن تحقيق الأهداف المحددة.

إقرأ أيضا:خطوات اتخاذ القرارات الجماعية، مزاياه وعيوبه

ولكون هذه الدراسات ما هي إلا وسيلة يتم الاعتماد عليها في اتخاذ القرار الاستثماري، لذا لا بد أن تتصف تلك الدراسات بالدقة والموضوعية والشمولية.

وهذه الدراسات تمثل إحدى مراحل تقييم المشروعات، والتي على أساسها يتم اتخاذ أو تبني القرارات الاستثمارية المناسبة، أما بالتخلي عن المشروع المقترح أو العمل على تنفيذه.

تجري هذه الدراسات عادة من قبل فريق من المختصين، كل واحد منهم يتناول دراسة المشروع بما يتلاءم مع اختصاصه، في محاولة للوصول إلى تقرير مشترك يقدم للإدارة العليا، ويترك لها اتخاذ القرار المناسب.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول، إن دراسات الجدوى الاقتصادية، ما هي إلا بمثابة دراسات شاملة لكافة المشروعات المقترحة، وصولا إلى اختيار البديل الأفضل الذي يضمن تحقيق الأهداف المحددة.

أهمية دراسات الجدوى الاقتصادية

لقد حظي موضوع دراسات الجدوى الاقتصادية والفنية للمشروعات الاستثمارية بأهمية كبيرة وبخاصة في الدول المتقدمة وبعد الحرب العالمية الثانية ، كجزء من اهتمامها في ضرورة العمل على تحقيق الاستخدام والتوزيع الأمثل للمواد الاقتصادية المتاحة، ذلك الاهتمام الذي يظهر واضحة، من خلال اتجاه جميع إدارات المشروعات سواء كانت عامة أو خاصة، كبيرة أو صغيرة، نحو إخضاع المشروعات المقترحة لمثل تلك الدراسات، من أجل ضمان مستوى معين من الأمان وتخفيف درجة المخاطرة التي يمكن أن تتعرض لها الأموال المستثمرة، هذا مما جعل أغلب المشروعات القائمة أو الجديدة تكون عادة من نوع المشروعات الناجحة والمجدية اقتصاديا.

إقرأ أيضا:ما هي العلاقة بين العائد والمخاطرة في الاستثمار

على عكس الحال في الدول النامية، فإن هذا الموضوع وحتى العقود الأخيرة، وعلى الرغم من أهميته الكبيرة لتلك الدول، نظرا لعلاقته الوثيقة بتحقيق عملية التنمية الاقتصادية، لم يحظى بمثل ذلك الاهتمام الذي يستحقه، حيث يلاحظ ومن خلال ما أثبتته العديد من الدراسات التي أجريت في مجال تقييم المشروعات للعديد من المشروعات القائمة في تلك الدول، أن أغلب تلك المشروعات، كانت من نوع المشروعات غير المجدية اقتصاديا، وبكل المؤشرات الاقتصادية، حيث أن أغلبها لم تشتغل بطاقاتها الإنتاجية القصوى، أو مشروعات تعتمد أساسا على مستلزمات الإنتاج والتكنولوجيا المستوردة، وبذلك فإن القيمة المضافة المتولدة فيها تتحول إلى الخارج، وبذلك أصبحت عبئا على الاقتصادات القومية وليس عونا لها، أو مشروعات تتميز بارتفاع تكاليف الإنتاج مما جعلها غير قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، أو مشروعات ملوثة للبيئة … الخ.

ويعود سبب ذلك الفشل أساسا، إلى أن أغلب القرارات الاستثمارية المتعلقة بإقامة تلك المشروعات، لم تستند على الحد الأدنى من مقومات القرار الاستثماري الناجح، بل أن أغلب تلك القرارات، كانت عادة بمثابة قرارات فردية وعشوائية.

لذلك إذا ما أرادت الدول النامية تحقيق برامجها الإنمائية ، فلا بد عليها أن تعطي هذا الموضوع الهام أهمية أكبر، كونه يمثل الوسيلة الأساسية واللازمة لتحقيق الاستخدام والتوزيع الأمثل للموارد الاقتصادية المتاحة لديها، تلك الموارد التي تتميز بالندرة الحادة، حيث من خلال ذلك الاتجاه والاهتمام يمكن أن تتجاوز مشكلة الهدر والتبذير في تلك الموارد، إذ أن ظهور المشروعات الفاشلة وغير المجدية اقتصادية ، يعني خسارة في الموارد المتاحة، إضافة إلا أن ذلك الاتجاه – الاهتمام بدراسات الجدوى – سوف يساعد على توفير مستوى من الأمان للأموال المراد استثمارها، وما لذلك من تشجيع لعملية الاستثمار.

إقرأ أيضا:خطوات اتخاذ القرارات الجماعية، مزاياه وعيوبه

إن دراسات الجدوى الاقتصادية، التي تقوم أساسا على المفاضلة بين المشروعات المقترحة وصولا إلى اختيار البديل الأفضل، سوف تساعد في توجيه الأموال المعدة للاستثمار نحو تلك الفرص أو المشروعات الناجحة وتجاوز المشروعات الفاشلة، وهذا يعني أن الاهتمام بدراسات الجدوى الاقتصادية يأتي من خلال أهميتها كوسيلة للوصول إلى قرارات استثمارية ناجحة، وما لتلك القرارات من أهمية لتوفير مستوى معين من الأمان للأموال المراد استثمارها من جهة، مقابل الحصول على عائد مناسب، أو تحقيق مستوى مقبول من المنافع الاجتماعية، إضافة إلى توجيه الأموال المعدة للاستثمار إلى تلك الفرص أو المشروعات الناجحة وما لذلك من أهمية للاقتصاد القومي، أو بالنسبة لأصحاب تلك الأموال.

أنواع دراسات الجدوى الاقتصادية

يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من دراسات الجدوى الاقتصادية، على الرغم من التداخل فيما بينها والتي هي كما يلي:

  1. دراسات الجدوى الاقتصادية الأولية.
  2. دراسات الجدوى الاقتصادية التفصيلية.
  3. دراسات الجدوى الفنية.

والآن نحاول توضيح كل نوع من تلك الدراسات وبشيء من التفصيل:

دراسات الجدوى الاقتصادية الأولية

  • مفهوم دراسات الجدوى الاقتصادية الأولية

يمكن أن تعرف دراسات الجدوى الأولية بأنها عبارة عن ” دراسة أو تقرير أولي يمثل الخطوط العامة عن كافة جوانب المشروع أو المشروعات المقترحة، والتي يمكن من خلالها التوصل إلى اتخاذ قرار إما بالتخلي عن المشروع أو الانتقال إلى دراسة أكثر تفصي”.

وهذا يعني أن دراسات الجدوى الأولية، ما هي إلا وسيلة يمكن من خلالها معرفة مدى جدوى المشروع المقترح اقتصادية.

وبصورة عامة، يمكن القول، أن دراسات الجدوى الأولية، ما هي إلا عبارة عن دراسات مبسطة ومركزة في آن واحد، والتي يمكن من خلالها التوصل إلى إجابات حول بعض الأسئلة عن المشروع المقترح، مثلا، ما هي الكلفة الإجمالية للمشروع المقترح، وما هو حجم العوائد المتوقعة، ما هي المنتجات الممكن إنتاجها، کم الحاجة للقوى العاملة وما هي أجورها، ما هي المواقع البديلة للمشروع المقترح، وما هو الوقت اللازم لتنفيذ المشروع…الخ.

وهذه الدراسات، تهدف أساسا إلى إعطاء فكرة أولية عن المشروع المقترح، وهل يمكن قبوله من الناحية المبدئية، فإذا كانت نتائج الدراسة الأولية غير مشجعة، فيمكن في هذه الحالة التخلي عن المشروع، أما إذا كانت نتائج الدراسة إيجابية ومشجعة، ومن أجل الوصول إلى مستوى أمان أكبر، فلا بد من الانتقال إلى دراسة أكثر تفصيلا وعمقا، حيث قد تكون الدراسة الأولية غير كافية.

ولكي تكون دراسات الجدوى الأولية قابلة للتقييم، ويمكن الاعتماد عليها في اتخاذ القرار الأولي بشأن المشروع المقترح، فإنها لا بد أن تضمن معالجة للعديد من الجوانب المتعلقة بالمشروع.

دراسات الجدوى الاقتصادية التفصيلية

  • مفهوم دراسات الجدوى التفصيلية

ممكن أن يعرف هذا النوع من الدراسات، بأنها عبارة عن ” دراسات لاحقة الدراسات الجدوى الأولية ولكنها أكثر تفصيلا ودقة وشمولا منها، وهي بمثابة تقرير مفصل يشمل كافة جوانب المشروع المقترح، والتي على أساسها تستطيع الإدارة العليا أن تتخذ قراراها، إما بالتخلي عن المشروع نهائيا أو تأجيله أو الانتقال إلى مرحلة التنفيذ”.

لذا، يمكن القول، أن دراسات الجدوى التفصيلية تصبح ضرورة لا بد منها، كما تعتبر أحد مقومات القرار الاستثماري الناجح، وتزداد أهمية مثل هذه الدراسات وبخاصة للمشروعات الكبيرة التي يتطلب إقامتها رؤوس أموال كبيرة.

من ناحية أخرى يمكن القول، أنه حتى إذا كانت نتائج الدراسة الأولية إيجابية ومشجعة، فلا يمكن الاعتماد عليها في تبني قرار استثماري، نظرا لأن مثل تلك الدراسات تنحصر مهمتها في توضيح الخطوط العامة وبذلك فإنها لا تعطي صورة واضحة ودقيقة عن كافة جوانب المشروع المقترح، لكنها يمكن أن تعتبر بمثابة الخطوة الأولى التي يمكن أن تبنى عليها الدراسات التفصيلية.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول، أن كل من دراسات الجدوى الأولية والتفصيلية، ما هي إلا دراسات متكاملة ومتتالية، وليست معوضة، أي لا يمكن الاكتفاء بدراسة واحدة لكي تكون بديلا عن الدراسة الأخرى، وأن كلاهما تهدفان في الوصول إلى قرار استثماري ناجح، يضمن مستوى معين من الأمان وتساعد في تخفيف درجة المخاطرة، كما تهدف إلى اختيار فرصة استثمارية مناسبة من بين عدة فرص مقترحة واستنادا إلى أسس علمية.

دراسات الجدوى الفنية للمشروعات

  • مفهوم دراسات الجدوى الفنية:

يمكن أن تعرف دراسات الجدوى الفنية، بأنها تلك الدراسة التي تنحصر مهمتها في دراسة كافة الجوانب الفنية المتعلقة بالمشروع المقترح، والتي يمكن الاعتماد عليها في التوصل إلى قرار استثماري، إما بالتخلي عن المشروع أو التحول إلى مرحلة التنفيذ.

  • أهمية دراسات الجدوى الفنية للمشروعات:

يمكن القول، أن هذا النوع من دراسات الجدوى، يحظى بأهمية كبيرة، نظرا لأن لكل مشروع ظروفه واحتياجاته الفنية والتي تختلف عن ظروف واحتياجات الفنية المشروع آخر، فاحتياجات مستشفى الأمراض القلب من المباني والأجهزة والمعدات الطبية ومن الكادر الطبي، هي غير تلك الاحتياجات المستشفى أطفال أو للعيون.

كما أن احتياجات مصنع لصناعة محركات السيارات، هي غير الاحتياجات الفنية لمصنع لصناعة هياكل السيارات.

وهذا يعني أن دراسة الجدوى الفنية للمشروعات تنحصر مهمتها في اختيار البدائل الفنية المختلفة التي يحتاجها المشروع المقترح، وما أكثر تلك الاحتياجات.

لذلك يمكن القول، إن الدراسة الفنية تساعد على فحص الآثار المتوقعة للبدائل الفنية المختلفة، سواء ما يتعلق منها بالتكنولوجيا، بدائل الإنتاج، البدائل في أساليب الإنتاج، البدائل في البنى التحتية، في المواقع … الخ.

وهذا يعني أن الدراسة الفنية للمشروع المقترح، يمكن أن تكون بمثابة أداة تساعد في الحكم على مدى توفر المستلزمات الفنية لنجاح المشروع.

وعادة فإن درجة التعمق والتفصيل في إعداد ذلك النوع من الدراسات وما يتطلبه ذلك الإعداد من جهد ومال ووقت يعتمد على حجم المشروع ومدى تعقد العمليات الإنتاجية، وعلى الفن الإنتاجي المراد استخدامه، ومدی بساطة أو تعقد السلعة المراد إنتاجها، وعدد البدائل الإنتاجية المتاحة.

فمثلا بالنسبة للسلع المتعارف عليها والمتداول استخدامها وصنعها، حيث تكون عمليات الإنتاج معروفة بصورة جيدة والاختيار بين البدائل الفنية معروف أيضا، ولا غرابة فيه، كما أن تقديرات التكاليف الإجمالية لإقامة مثل تلك المشروعات تكون سهلة تقريبا، نظرا لتوفر كافة المعلومات المطلوبة عنها، لذا فإن إعداد دراسات الجدوى لمثل تلك المشروعات التي يوجد لها مماثل سابقا) وحتى مع وجود بعض الاختلافات، فإنها لا تحتاج إلى بذل المزيد من الجهد والمال والوقت.

لكن تظهر أهمية هذه الدراسات خاصة بالنسبة للمشروعات الجديدة التي لا يوجد ما يماثلها من المشروعات السابقة، والذي تمثل الاتجاه العام في إقامة المشروعات الجديدة في الوقت الحاضر، تلك المشروعات التي قد تنتج سلعا جديدة غير معروفة سابقا، أو سلعا قديمة ولكن بمواصفات جديدة، إن مثل هذه المشروعات تتطلب تقديرات دقيقة للتكاليف الإجمالية والفنون الإنتاجية والقوی العاملة ومنافذ التسويق…الخ.

لذا فإن عدم كفاءة ودقة الدراسات الفنية، قد تترتب عليه مشاكل ومخاطر كبيرة وعلى رأسها المشاكل المالية والإنتاجية والتسويقية والتي قد تكون سببا في فشل المشروع.

السابق
محددات الاستثمار
التالي
أنواع دراسات الجدوى الاقتصادية بالتفصيل

اترك تعليقاً