علوم الإدارة

مفهوم مدرسة العلاقات الإنسانية ونظرياتها في الإدارة

النظريات الكلاسيكية للإدارة

على نقيض ما حدث في المدرسة التقليدية، إن مدرسة العلاقات الإنسانية تركز على الجانب الإنساني من الإدارة وعلى المبدأ الذي يقول: إنه عندما يعمل الموظفون مع بعضهم البعض بغرض تحقيق أهداف جماعية فإن هؤلاء الموظفين يجب أن يسود بينهم التفاهم التام، لذا فالمنطلق الأساسي لحركة العلاقات الإنسانية هو أن الإنسان محور العمل الإداري وعنصره الهام في تحديد الإنتاجية.

إن أهمية العلاقات الإنسانية تعود إلى الأهمية المعطاة للمنظمات الحديثة التي أصبحت تميز هذا العنصر وبما أن الإدارة تعتبر العنصر الفعال في تحقيق التقدم الدول المتقدمة والنامية، فإن التفاعل بين أفراد الإدارة وتأثير العنصر البشري في الإنتاجية كان ولا يزال موضع اهتمام المفكرين والمؤلفين والباحثين في مجال الإدارة، ولهذا فإن دراسة العلاقات الإنسانية تهدف إلى التعرف على أساليب السلوك الإنساني في الإدارة وأنماط العلاقات بين الأفراد على اختلاف مستوياتهم.

إن حركة العلاقات الإنسانية أهمت بمفاهيم الحالة المعنوية وأثر جماعات العمل على الأداء والإنتاجية وعلى تحقيق أهداف الإدارة وحفز العاملين على التعاون فيما بينهم من أجل زيادة فاعلية الإدارة.

إن تطور حركة العلاقات الإنسانية أدى إلى زيادة الاهتمام بالعامل على أنه كائن اجتماعي ولم يعد ينظر إليه على أنه فقط أداة تستخدم في عملية الإنتاج، وإنما أوضحت أنه فرد تتحكم فيه عوامل متنوعة ومختلفة فهو له طموحات ورغبات ونزوات وتطلعات وميول مختلفة تؤثر على إنتاجيته. وأن تحقيق إنتاجية أكثر فعالية يعتمد على الظروف التي تحيط به ويمكن عمله وعلى الآلات والأساليب والأدوات التي يستخدمها وأخيرا تحقق منافع وفوائد مشتركة بين الإدارة والعاملين.

إقرأ أيضا:مفهوم الموازنة العامة، قواعدها وأنواعها

مفهوم العلاقات الإنسانية

يشير مصطلح العلاقات الإنسانية إلى تفاعل العاملين في جميع أنواع المجالات سواء كان المجال الصناعي أو الحكومي أو التعليمي أو الاجتماعي ويشاهد هذا التفاعل بصفة عامة في موقع العمل، حيث يرتبط الأفراد بنوع من البناء الهادف.

فالعلاقات الإنسانية تعنى “كيفية التنسيق بين جهود الأفراد المختلفين وخلق جو عمل يحفزهم على الأداء الجيد والتعاون في سبيل الحصول على نتائج أفضل، مما يترتب عليه إشباع رغباتهم الاقتصادية والنفسية والاجتماعية“.

وتعريف آخر يشير إلى أن مفهوم العلاقات الإنسانية هو “إدماج الأفراد في موقف العمل الذي يدفعهم إلى العمل سويا كجماعة منتجة متعاونة، مع ضمان الحصول على الإشباع الاقتصادي والنفسي والاجتماعي“، ويتضح من التعريفين السابقين أن للعلاقات الإنسانية أهدافا ثلاثة هي:

  1. تحقيق التعاون بين العاملين من خلال الميول المشتركة.
  2. الإنتاج، حيث أن التعاون والتنسيق بين العاملين يؤدي إلى مزيد من الإنتاجية.
  3. إشباع حاجات العاملين الاقتصادية، والسيكولوجية، والاجتماعية.

وعندما تتحقق الأهداف الثلاثة السابقة تكون النتيجة وجود علاقات إنسانية جيدة وفعالة ونجاح الجهد الجماعي بين العاملين لتحقيق هدف ودافع مشترك. الأسباب التي دعت إلى دراسة العلاقات الإنسانية:

إقرأ أيضا:كيفية ومراحل تشكيل وتطوير فريق عمل ناجح

كان الاهتمام في مجال الإدارة منذ بداية حركة الإدارة العلمية يتركز على الناحية الفنية مثل العناية بترتيب منطقة العمل ودراسة الحركة والزمن والإنتاج إلى غير ذلك. ولكن اتضح أن هناك مواقف إنسانية في مواقف العمل تؤثر على الإنتاج، وأن العامل الإنساني هو أكثر العناصر أهمية وأن المعرفة عن الفرد كعامل قليلة وأنه ليس أداة من أدوات العمل ولكن له شخصيته وأن الأمر يستلزم حلولا إنسانية للمشكلات الإنسانية التي قد لا تجدي في حلها الحلول الفنية.

وبعد الحرب العالمية الثانية عام 1944م اتضح أن هناك اختلالا في التوازن بين الاهتمام بالناحية الفنية والناحية الإنسانية، وعملت الإدارة على الاهتمام بالجانب الإنساني لتصل به إلى الاهتمام والتقدم الذي حظيت به النواحي الإنتاجية والتحويلية وغيرها. وهناك أسباب أخرى كثيرة منها:

  1. ظهور الحركة النقابية وتزايد قوتها نظرا لما تتمتع به من قوانين لحمايتها أدى إلى ظهور مشكلات جديدة في مجال العلاقات الإنسانية وهي إدراك رجال الإدارة فشلهم في تنمية العلاقات الإنسانية مما حدا بهم إلى تصحيح الوضع والعمل على تنمية العلاقات الحميدة مع العاملين لمساعدتهم على ضبط العمل وزيادة الإنتاجية وتحقيق الأهداف المنشودة.
  2. زيادة ثقافة العامل نفسه مما جعله يستجيب بطريقة أفضل للطرق المستخدمة في العلاقات الإنسانية، فبدأ يهتم بالتعليم والتدريب وممارسة الأسلوب والمنهج العلمي السليم والمشاركة في اتخاذ القرارات، وهذا جعل العامل يدرك مشكلات العمل والمطالبة بقيادة إدارية أفضل.
  3. تقدم البحوث في العلوم الإنسانية والتطبيقية، حيث كان لهذه البحوث أهميتها الفعالة في إقناع رجال الإدارة وإثارتهم إلى الطريق السليم في إتباع الأساليب الإدارية السليمة مع المفاهيم والوسائل التي يمكن استخدامها التنمية العلاقات الإنسانية.
  4. كبر حجم المنظمة أدى إلى خلق الكثير من المشكلات إذ أصبح من العسير على الإداري الاتصال الشخصي بمعظم العاملين وجعل العامل بشخصية المسئول عنه في الإدارة وعدم توفر أدوات العمل لإنجاز المهام المنوطة به.
  5. التخصص وتقسيم العمل أدى إلى خلق الكثير من المشكلات وذلك نتيجة التوسع في التخصص وازدياد حجم العمل مما أدى إلى التنازع والصراع بين الجماعات المتخصصة وبين رجال الإدارة والعاملين في مجال الإنتاج وبين المفتشين وقسم الإنتاج وأقسام التصميم والهندسة. ومن شأن هذا الصراع أن يستدعي الاستعانة بوسائل العلاقات الإنسانية للتغلب على هذه المشكلات.
  6. زيادة تكلفة العمل والإنتاج جعل الإدارة تبذل جهدها للاستفادة من القوى العاملة إلى أقصى مدى ولا يمكن تحقيق هذا إلا بتنمية العلاقات الإنسانية، ومن أساليب ذلك المكافآت الشخصية ، الترقيات، العلاوات حيث تلعب دورا في إثارة العامل ورفع إنتاجيته.
  7. ارتفاع المستوى المعيشي يؤكد الاهتمام بالعلاقات الإنسانية، فإن ارتفاع متطلبات ونفقات الحياة جعل العامل في شغل شاغل بالنسبة لتلبية حاجاته الفسيولوجية والتزاماته العائلية مما قد يشغل ذهنه عن العمل الأساسي الذي يقوم به ومن هنا نجد أن العلاقات الإنسانية تعوضه عن التفكير هذه المشكلات فيتعرف إلى عمله مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج وازدياد مكاسبه.

تجارب هوثرن: Hawthorne

أجرى ألتون مايو (Mayo) مع فريق من معاونيه تجارب تتعلق بأهمية العلاقات الإنسانية في تحقيق إنتاجية عالية من 1927- 1932م في مصنع هوثرن التابع لشركة وسترن الكتريك (Western Electric) وكان الهدف الأساسي لهذه الدراسة هو معرفة العلاقة بين ظروف العمل المادية وإنتاجية العمال.

إقرأ أيضا:ما هو الفرق بين الإدارة العامة وإدارة الأعمال

لقد ركز مايو ومساعديه اهتماماتهم على مجموعة العوامل والمتغيرات الآتية:

  1. مجموعة من التجارب تهدف إلى تحديد أثر المتغيرات في الإضاءة على إنتاجية العمل.
  2. مجموعة من التجارب كان هدفها تحديد أثر المتغيرات في ساعات العمل وطول فترات الراحة على إنتاجية العاملين.
  3. مجموعة من التجارب تستهدف معرفة أثر الصداقة في الإقبال على العمل وبالتالي زيادة الإنتاجية.
  4. مجموعة من التجارب لمعرفة أثر الحافز المادي في ارتفاع الإنتاجية.
  5. برنامج مقابلات شخصية استهدفت دراسة اتجاهات ومشاعر العاملين بالمنظمة.
  6. تحديد وتحليل التنظيم الاجتماعي في مجال الإدارة.

ولقد خرج مايو ومعاونوه من تجاربهم بنتائج مهمة من أبرزها أن العامل ليس عبارة عن أداة طيعة في يد الإدارة تحركه كيفما شاءت، إنما العامل له شخصيته المستقلة التي تتعامل مع الجماعة، تؤثر فيها وتتأثر بها، وأن الاهتمام بهذا الفرد يعتبر أمرا ضروريا، ولا يمكن النظر إلى العامل على أن ما يربطه بالمنظمة هو مجرد علاقة اقتصادية تتمثل في المرتب أو تغيرات ظروف العمل وإنما هناك متغير أساسي يربط العامل بعمله وهو معنويات العامل، قبل معاملته على أنه عنصر من عاصر الإنتاج لا بد من معاملته كإنسان.

لذا فإن الدراسة أثبتت أنه لا بد أن ينظر إلى العامل باعتباره إنسان يستمد تصرفاته من جماعة العمل، وكل ما يسعى إليه هذا العامل كمكافأة للعطاء والإنتاج، هو أن يشعر بذاته في داخل المجموعة، وأن تصرفاته وأنماط سلوكه دائما تتأثر بقرارات هذه المجموعة.

إن تصرف العامل قد ينشأ عن مشاكله الشخصية التي تتولد بسبب ماضيه أو حاضره الاجتماعي وقد ثبت أن المقابلة وسيلة جيدة للتحليل الإنساني. إن الجماعات العمل غير الرسمية تأثيرا قويا في تحديد الإنتاجية داخل المنظمة، وأن هناك أنواع متباينة للقيادة والإشراف وأكثر هذه الأنواع فعالية هو النوع الذي يعتمد على إشراك العاملين في اتخاذ القرارات.

نظرية X ونظرية Y

قدم ماكجروجر (McGregor) تصوره للفروض التي تقوم عليها النظريات الكلاسيكية فيما يتعلق بالطبيعة الإنسانية وهي ما يطلق عليه أسم النظرية التشاؤمية X ثم قدم أيضا بعض الفروض لنظرية مضادة يطلق عليها اسم النظرية التفاؤلية لا وهي التي يؤمن بها والتي تصور تأثره بحركة العلاقات الإنسانية.

النظرية التشاؤمية ( نظرية x)

  • الإنسان أو الفرد لا يحب العمل – أي بطبيعته كسول ويتصف بكراهية متأصلة للعمل.
  • الإنسان لا يريد تحمل المسؤولية في عمله – أي بطبعه خامل.
  • الإنسان دائما يفضل أن يجد شخصا يقوده ويوضح له ماذا يعمل ويوجهه إلى عمله.
  • إن العقاب أو أي نوع من أنواع التهديد أحد الوسائل الدافعة للإنسان على العمل بمعنى أن الإنسان يعمل من دافع الخوف وليس حبا في العمل.
  • لا بد من الرقابة الشديدة والدقة على الإنسان حين يعمل حيث لا يؤتمن الشخص على شيء هام دون إشراف ومتابعة.
  • إن الأجر والمزايا المادية من أهم حوافز العمل، بمعنى أن الشخص على أتم الاستعداد للتضحية بأي شيء في سبيل الحصول على مزيد من المرتب والمكافأة أو أي خصائص مادية أخرى.

ويرى ماجروجر أن التنظيم الرسمي القائم على مبادئ نظرية x لا يقدم للإنسان إلا فرصا محدودة لإشباع حاجاته الاجتماعية والذاتية وهي الحاجات الإنسانية التي ترتبط بارتفاع وعلو القيمة الإنسانية. النظرية التفاؤلية (نظرية Y):

يرى ماكجروجر أن الإدارة عمدت إلى تغيير سياساتها وإلى انتهاج برامج وخطط تهدف إلى تحسين أمور العاملين والرعاية الأفضل لهم. لذلك قدم ماجروجر النظرية التفاؤلية والتي تقوم على الفروض الرئيسية التالية:

  • الفرد يحب العمل ويرغب فيه لذاته.
  • الإنسان يسعى إلى تحمل المسئولية.
  • يتطلب الفرد الحرية في العمل والتحرر من القيود ويفضل أن يكون فاعلا مبدعا وليس تابعة.
  • الرغبة في زيادة الأجر أو المكافأة يدفعه إلى نتائج إيجابية – بمعنى أن الإنسان يعمل ليس بدافع الخوف من العقاب ولكن للحصول على المكافأة.
  • ليس هناك حاجة ضرورية للرقابة الدقيقة أثناء العمل، ويكتفي بتحديد الأهداف المنشودة ويترك الاختيار للفرد في الوصول إليها وهو جدير باختيار أفضل الطرق وأحسن الوسائل.
  • ليس الخبز هو الوحيد الذي يعمل الإنسان من أجله ولكن هناك أشياء أخرى يرغب على مركز اجتماعي مرموق والرضا، من الأداء الشخصي.

تلك الفروض للنظرية Y – X ساهمت في توجيه أساليب الإدارة في العصر الحديث تجاه ما يسمى بالعلاقات الإنسانية. وهذه النظريات مجرد افتراضات علما بأنها ليست اقتراح أو وصفة أو إدارة استراتيجية ولم تكن ناتجة عن دراسة تحليلية أو بحث علمي. وأخيرا فإنها لم تتضمن صعوبة أو سهولة الإدارة.

أما فيما يخص الانتقادات التي وجهت للعلاقات الإنسانية، نذكرها كما يلي:

  • عدم استخدام الطريقة العلمية في الوصول إلى النتائج التي انتهت إليها التجارب.
  • إن النتائج التي خرج بها الباحثون تعكس كثيرا من تحيز القائمين على التجارب حيث كانوا يميلون أساسا إلى الاهتمام بالعامل الإنساني حتى قبل إجراء هذه التجارب ومن ثم كانت رؤيتهم واستقراؤهم لنتائج التجارب محصورة داخل هذا الإطار المتغير مسبقا.
  • معارضة رجال الأعمال لما تحتويه التجارب من أفكار واتجاهات تناقض مصالحهم.
  • اعتقاد علماء النفس والاجتماع بأن النتائج لم تضف أفكارا جديدة وأن فائدة النتائج محدودة.
  • اعتقاد رجال الفكر في الإدارة بأن النتائج لم تقدم حلا إيجابية في حد ذاتها يمكن للإدارة أن تتبعه للوصول إلى علاقات أفضل مع موظفيها.
  • أغفلت التنظيم الرسمي ولم تبين أثره في تشكيل سلوك أعضاء التنظيم.
  • لم تقدم نظرية كاملة ولا شاملة لتفسير ظاهرة التنظيم والسلوك التنظيمي بل إن الحركة ركزت اهتمامها على دراسة جانب واحد من جوانب التنظيم المتعددة وهو العنصر البشري.
  • أنها تعتبر حركة استقلالية ، الهدف منها تطوير السلوك الإنساني التحقيق أهداف الإدارة في الدرجة الأولى.
السابق
نظريات المدرسة الكلاسيكية أو التقليدية في علم الإدارة
التالي
مدرسة العلوم السلوكية في الإدارة

اترك تعليقاً