الحياة والسياسة

مفهوم وأنواع الشرعية

تعريف وانواع الشرعية

بالرغم من أن مصطلح الشرعية مصطلح مركزي في العلوم السياسية إلا أن معناه لا يزال غامضا، يتطلب العديد من الدراسات والأبحاث لوضع هذا المصطلح ضمن مفهوم موحد له مقاييس ومعايير يمكن من خلالها قياس الشرعية، يمكن النظر من خلالها إلى طبيعة السلطة والنظام السياسي الذي تتحرك خلاله الفعاليات المختلفة، في مسعى منها لتحقيق أهدافها وتأمين استقرارها واستمرارها.

تعريف الشرعية

إن مفهوم الشرعية من أكثر المفاهيم تعقيدا من منظور علم السياسة المعاصر، وذلك لمركزيته في العلوم السياسية، فضلا عن اختلاف الباحثين والمنظرين حول تحديد مفهومه والمفاهيم الإجرائية التي تندرج تحت عنوانه، ومع وجود هذا الاختلاف في إطار مفهوم الشرعية فذلك لا يعكس اختلافا أساسيا حول مضمون المفهوم بقدر ما يعكس اختلاف توجهات الباحثين والمفكرين بخصوص هدف دراسة الشرعية، وهذا ما أدى إلى وجود تعبيرات مختلفة للدلالة على ظاهرة واحدة، الأمر الذي من شأنه أن يحدث خلطا والتباسا عند الكثيرين.

إن مطلب الشرعية ليس وليد العقود الأخيرة فقط، بل كان مطلبا تاريخيا عرف مند القديم وتناوله بالبحث فلاسفة ومفكرون ركزوا على العلاقة التي تربط الحاكم بالمحكوم، وبحثوا في شرعية السلطة والنظام السياسي القائم، وقد تناول علماء السياسة والاجتماع المحدثون مفهوم الشرعية من خلال محاولاتهم لتحديد العلاقة التي تربط الحاكم بالمحكومين، أي أنهم بحثوا في مصادر الحكم وفي مواقف الناس تجاه حكوماتهم ومؤسساتهم السياسية ونتائج ذلك، وقد كان الاتفاق العام حول موضوع و مضمون الشرعية في أنها قبول الأغلبية العظمى من المحكومين بحق الحاكم في أن يحكم وأن يمارس السلطة بما في ذلك استخدام القوة.

إقرأ أيضا:نبذة عن جون لوك: حياته وأفكاره السياسية

من هذا التعريف الموجز لمفهوم الشرعية نجد أن محور وأساس الشرعية هو القبول الطوعي غير القسري من المحكومين بالحكومة وبما تقوم به من أعمال، أي قبولهم لحق فرد أو مجموعة من الأفراد في أن يمارسوا السلطة عليهم.[1]

تعريف الشرعية في الفكر الإسلامي

إذا عدنا إلى التراث العربي الإسلامي فإننا نجد مفهوم البيعة كمقابل لمفهوم الشرعية كما يقول ابن خلدون :”هي العهد على الطاعة كأن المبايع يبايع أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهدهم جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد”، وهكذا تبنى الشرعية السياسية في المنظور السياسي الإسلامي على الطاعة المجتمعية، تلك الطاعة المؤسسة على الاختيار والرضا والقبول، فهناك توافق على المرجعية التي تجمع النظام السياسي والجماعة، تلك المرجعية القائمة على الأسس العقدية والأخلاقية المعيارية والقانونية الإجرائية وهكذا تتأسس الشرعية في الفقه السياسي الإسلامي على مقتضيات موضوعية هي:

  1. التزام السلطة السياسية بالحفاظ على المرجعية الإسلامية.
  2. التزام السلطة السياسية بإقامة العدل والحفاظ على الحقوق والمصالح والدفاع عن الأمة.

إذا أخذنا التعاريف المطروحة السابقة بتعمق، يمكن أن نصل إلى بعض النتائج الأساسية حول موضوع الشرعية يمكن ذكرها بإيجاز فيما يلي:[2]

إقرأ أيضا:نبذة عن جون لوك: حياته وأفكاره السياسية
  1. أن مفهوم الشرعية مفهوم سياسي مركزي يركز على علاقة قائمة بين الحاكم والمحكومين، تتضمن توافق العمل والنهج السياسي للحكم مع المصالح والقيم الاجتماعية للمحكومين، بما يؤدي إلى القبول الطوعي بقوانين وتشريعات النظام السياسي، “فإلى جانب طاعة المحكومين للأوامر الصادرة عن السلطة يقوم الحاكم بتقديم الدليل على قدرته على خدمة شعبة عامة وفي الأوقات الحرجة خاصة”.
  2. “إن التبرير للسلطة وللطاعة في آن واحد هو الرهان الأول للشرعية، ويعتمد على هذين الإثباتين حق الحكم وما ينتج عنه من الالتزام السياسي، ولكي تنجح هذه العملية يجب أن تتوافر لها ثلاثة شروط كاملة متكاملة تتعلق بمجالات الرضا، القانون والضوابط”، ويظهر ذلك كون القانون شرطا للشرعية في هذا الوضع بالمشاركة مع رضا الأفراد والضوابط الأساسية للمجتمع.
  3. إن ما يمكن ملاحظته من التعريفات السابقة للشرعية هو أنها تركز على الشرعية التي يجب اكتسابها من قبل النظام السياسي القائم دون التطرق لشرعية المعارضة، ومن ثم شرعية ممارستها تجاه هذا النظام، ويظهر ذلك في حصول المعارضة على الدعم الشعبي لها حين تتطابق مطالبها وأهدافها مع مبادئ وقيم فئات المجتمع وشرائحه، الأمر الذي يجعل من هذه المعارضة أو الحركة تعبر عن مصالح هذه الفئات، وبذلك تتدعم شرعيتها وتواجدها.
  4. لا يمكن فصل الحكم الصادر عن المحكومين المتعلق بشرعية النظام السياسي عن الوضع الذي يحتله هذا النظام وسط مجتمع معين، لأن حكم الوظيفة السياسية هو الترجمة المنطقية لمفهوم سلطة القيادة من منظور الشرعية، ومن خلال هذا المنظور يقاس حق الحكم بقدرة رجال السياسة على إثبات كونهم بمستوى القيم التي تشكل أساس المجتمع، وتعتمد شرعية الحكام على أهليتهم في الاضطلاع بالمسؤوليات المفروضة عليهم”.

أنواع الشرعية

يمكننا أن نجد عدة أنواع للشرعية، وذلك حسب المصدر الذي تستند إليه السلطة وتستمد منه شرعيتها، وذلك كما يلي:[3]

إقرأ أيضا:تعريف الهوية، وظائفها وأنماطها

الشرعية الثورية

“وتعني أن الثورة – سواء من أجل نيل الاستقلال، أو من أجل التخلص من الأنظمة التي حكمت بعده – هي في حد ذاتها مصدر شرعية من تولوا الحكم في أعقابها”، فالشرعية هنا تستمد قوتها من أهدافها وليس من إرادة الشعب واختياره، “فهذه الشرعية تبيح للثورة اللجوء إلى إجراءات استثنائية لتحول مبادئها وبرامجها إلى قوانين ونظم، ولا تستحق هذه الأخيرة صفة الشرعية إلا إذا كانت لصالح الأغلبية المطلقة”، “فالحركة الثورية بتركيزها على مستقبل واضح تسعى أن تثبت أنها الأقدر والأصلح لبناء هذا المستقبل، وذلك انطلاقا من المساندة الشعبية التي ولا بد لها أن ترضى بما تراه هذه الحركة، إذ يجب في فترة بناء النظام السياسي الجديد وتطوير وإصلاح المؤسسات الاجتماعية أن تجعل الأدوار الجديدة الاجتماعية، أو العودة إلى القديمة مقبولة من كل فرد أو من كل زمرة”.

ومهما تكن الطريقة التي تحل بها المشكلة، فلا بد للنظام الجديد وسلطته أن تبين الحدود والمحرمات، أي أن تسوغ اللجوء إلى القوة ضد التصرفات المنحرفة، ولا بد أن ينتقل هذا الوضع إلى العمل وفق المؤسسات الرسمية التي لا بد أن تحوز على القبول وتعمل وفق القانون والدستور، وإلا بقي الحكم معرضا للانقلاب وعدم الاستقرار.

الشرعية الدستورية

“وتعني أن تكون مبادرات الحكم قابلة للتوقع لأنها مشروطة في أصولها وفي نتائجها بشبكة من القوانين المعروفة والمتفق عليها، أي أن النظام السياسي يعتمد الديمقراطية والمشاركة في الحكم، وتؤدي فيه المؤسسات دورا فاعلا في العملية السياسية”.

“إن الاعتقاد في أن الشرعية الدستورية القانونية) إنما قائمة على الرضا وتفترض شرعية النظام القانوني، يسمح بتأكيد الفكرة القائلة بأن سير عمل القانون يعتمد بقدر أكبر على الاعتراف بصلاحية الإرغام الذي تفرضه الشروط الرسمية للتطبيق”.

وهنا نلاحظ أن الشرعية الدستورية قائمة على الرضا بالقوانين الموضوعية التي تحكم أي مجتمع، وهذا ما يسهل عملية تطبيقها، ولكن مهما تكن المواصفات الشكلية لأي دستور أو قانون فإنه لن يكون قادرا على التعبير عن الواقع السياسي واستخدامه معيارا حقيقيا للأنشطة السياسية، ما لم تكن القواعد والإجراءات التي تستخدمها تساير المصالح الأساسية للمجتمع.

إن الشرعية الدستورية متغيرة ومتطورة حسب متطلبات كل مرحلة، فلا بد أن يسایر القانون الدستور التطورات الحاصلة داخليا أو خارجيا، وذلك على أن تجد تلك القواعد القبول والدعم والرضا من طرف المحكومين، باعتبارهم مصدر السلطة وبوصفهم خاضعين لهذه القوانين، وبذلك يكون على النظام السياسي الاستجابة إلى مدخلا ته المتأتية من القاعدة الاجتماعية، من خلال إصدار قوانین نابعة من الحاجة ومسايرة للوضعية القائمة والرامية إلى خدمة الجماعة الاجتماعية.

وبذلك تكون الشرعية الدستورية مرهونة بمدى توافق العمل القانوني مع متطلبات الجماعة أو المحكومين.

الشرعية الشعبية

“بما أن المؤسسات السياسية تضمن المجال العام أي العلاقة المشتركة بين الأفراد في مجتمع معين، فإنه من المنطقي ألا يكون دورها في تنظيم وقيادة الشؤون الجماعية ذا صفة قانونية إلا في نطاق حصولها على موافقة الشعب”، وبهذا فإن هذه المؤسسات تتطلب مشاركة فعالة من قبل أعضاء المجتمع، وهذا يمنحها شيئا من الشرعية المستمدة أساسا من الشعب، هذا ما يؤسس الشعور بالالتزام ويجعل الحياة السياسية تبحث عن قواعد وإجراءات يتفاهم من خلالها أفراد المجتمع ويتبادلون الالتزام.

فالنظام السياسي وسلطته يستمدان شرعيتهما من الإرادة الشعبية المعبر عنها بالمشاركة الفعالة المؤيدة لهذا النظام، والرافضة لإجراء تغيرات جذرية في أسسه ومبادئه العامة، ومن هنا تظهر أهمية المشاركة السياسية للقاعدة الاجتماعية في إضفاء صفة الشرعية على السلطة الحاكمة والعاملة ضمن نظام سياسي يتمتع بالشرعية الشعبية.

وعليه فإن الدعوة إلى المشاركة السياسية تتجه نحو تحقيق الديمقراطية باشتراك الجماهير في العمل السياسي، ودعم وتحريك النظام السياسي القائم.

ومن أجل تحقيق هذا فإن النظام السياسي يتجه إلى التعبئة الاجتماعية من أجل كسب الرضا الشعبي، وقد يتجه النظام في ذلك إلى عدة أساليب، فقد يتخذ في ذلك العمل الاقتصادي سببا لتوسيع قاعدة المؤيدين لسياساته، وقد يعمد إلى العمل على الصعيد الخارجي، وقد يوظف النظام الدين لحساب السياسة، فالنظم السياسية توظف الدين لتدعيم شرعيتها وتأمين استمرارها، أما الجماعات المناوئة لها فتوظفه لتبرير معارضتها لهذه النظم، ولتعزيز شعبيتها واستقطاب قطاعات أوسع من الجماهير في صفوفها.

إذن الشرعية الشعبية إنما تستقي من الإرادة الشعبية الراضية عن إنجازات النظام القائم والسلطة الحاكمة، الأمر الذي يجعل هذه الإرادة متجهة اتجاها إيجابيا نحو تأكيد النظام، عن طريق المشاركة الفعالة إما عن طريق الأحزاب السياسية أو عن طريق التعبير المباشر عن قناعاتها أثناء عملية التصويت في الانتخابات.


المصادر

[1]  محمد عبد الخالق المذيولي، الشرعية والعقلانية في التربية، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 1999، ص87.

[2]  أحمد بهاء الدين، شرعية السلطة في العالم العربي، مركز الحضارة العربية، القاهرة، 2005، ص49.

[3]  محمد نصر مهنا، علم السياسة بين التنظير والمعاصرة، مطبعة الأطلس، القاهرة، 1985، ص102.

السابق
مفهوم المشاركة السياسية
التالي
نظريات التوافق النفسي ومؤشراتها

اترك تعليقاً