علم الاجتماع

مفهوم وأهداف ومناهج علم اجتماع الجريمة

علم اجتماع الجريمة

يعتبر علم اجتماع الجريمة من الميادين الأولى ظهورا في علم الاجتماع خلال القرن التاسع عشر. وقد كان ظهوره استجابة لحاجة اجتماعية ملحة ارتبطت بزيادة نسب الجرائم في المدن الكبيرة لاسيما بعد تصنيعها وارتفاع كثافتها السكانية التي لم تلق الاهتمام الكافي بتلبية حاجياتها. وسنحاول في هذا المقام التعرض إلى هذا الميدان بنوع من التفصيل.

يهمك أيضا: نظريات علم اجتماع الجريمة.

ماهية الجريمة

عرفت الجريمة وفق عدة مقاربات أهمها:

1- التعريف الاجتماعي للجريمة:

تعددت التعريفات الخاصة بهذا المفهوم أهمها:

  • الجريمة هي كل سلوك مخالف لما ترتضيه الجماعة. فهو بمثابة خروج عن السلوك الذي يضعه المجتمع لأفراده.
  • الفعل الذي يتعارض مع روح المجتمع ومبادئه الاجتماعية، ويتعارض مع القيم والأفكار المجتمعية.
  • ويعرفها راد كليف براون: بأنها انتهاك العرف السائد مما يستوجب توقيع الجزاء على منتهكيه.

2- التعريف النفسي للجريمة:

يركز المنظور النفسي للجريمة على ما يلي:

  • الجريمة هي حقيقة واقعية وإشباع الغريزة إنسانية بطريقة شاذة لا يسلكه الرجل العادي حين يشبع الغريزة نفسها، وذلك لأحوال نفسية شاذة انتابت مرتكب الجريمة في لحظة ارتكابها بالذات.
  • الجريمة هي انطلاق للدوافع الغريزية انطلاقا حرا لا يعوقه شيء في عملية إشباعها، وهي ثلاث أنواع: غريزة القتال والدفاع، غريزة الاقتناء وغريزة الجنس.

3- التعريف القانوني للجريمة:

إقرأ أيضا:نظريات علم اجتماع الجريمة والانحراف

تعددت التعاريف القانونية لهذا المفهوم حيث يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  • السلوك الذي يخرق قانون العقوبات.
  • الواقعة المنطبقة على أحد نصوص التجريم إذا أحدثها إنسان أهل للمسؤولية الجنائية.
  • سلوك يجرمه القانون ويرد عليه بعقوبة جزائية أو تدبير.
  • ارتكاب فعل أو الامتناع عن القيام بواجب منصوص عليه قانونا ومعاقب عليه بمقتضى هذا القانون.

4- التعريف الإسلامي للجريمة:

يركز علماء الشرع في تعريفهم للجريمة على:

  • إن الجريمة هي نتاج لانحراف الفرد عن الطريق السوي الذي وضعه له الخالق وهي كذلك نتاج عن إغواء الشيطان للإنسان.
  • هي كل عمل أو قول يخالف الشريعة التي شرعها الله لعباده سواء بفعل ما نهى الله ورسوله عن فعله أو الامتناع عما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بفعله أو الهدف من العقوبة هو تحكيم الشرع الله تعالى وحفظ مصالح وأمن المجتمع وإقامة العدل وزجر المحرم وتقويم اعوجاجه وردع غيره.

انطلاقا مما سبق يمكن القول أن الجريمة تشير إلى كل سلوك محرما قانونا أو عرفا. يؤدي إلى الإضرار بالمصالح الفردية أو الاجتماعية أو بهما معا، مع توافر عنصر الحرية واختفاء عنصر الإكراه في صاحبه.

إقرأ أيضا:مراحل إدارة التغيير في المنظمات

التصنيف الاجتماعي للجريمة

تصنف الجرائم من الناحية الاجتماعية الى عدة أنواع أهمها:

  • جرائم ضد الممتلكات، كالسرقة والحريق العمد وتسميم الماشية. جرائم ضد الأفراد كالقتل والضرب وهتك العرض. جرائم ضد النظام العام كجرائم أمن الدولة إشاعة الفوضى والتخريب.
  • جرائم ضد المصادر الحيوية للمجتمع مثل: الصيد في غير موسمه، أو صيد الطيور المحرم صيدها، أو تبديد ثروات المجتمع. – جرائم ضد الأسرة كالخيانة الزوجية وإهمال الأطفال.
  • جرائم عامة ضد الأخلاق كالأفعال الفاضحة والخادشة للحياء في المناطق العامة.

مفهوم علم اجتماع الجريمة

يشير علم اجتماع الجريمة إلى عملية البحث في العوامل ذات الصفة الاجتماعية في أسباب وممارسة الجريمة أي مدى مسؤولية المجتمع عنها، فدراسة عوامل الجريمة وشؤون العقاب تستهدف في النهاية وضع السياسة الملائمة لمكافحة عواملها وتكييف الرد الاجتماعي على الجريمة بما لا يقع بالضرر على المجتمع وبما ينفع إن أمكن.

ويقول صلاح الدين عباسي في تعريفه لهذا العلم: “هو ببساطة العلم الذي يهتم بدراسة الجريمة، الفرد المجرم والاجرام في إطار محیط محدد ومنظومة علاقات محددة وفي زمن محدد.”

وتركز مختلف التعاريف التي خصت هذا العلم على مجموعة من النقاط أهمها:

إقرأ أيضا:مصادر وأنماط القوة
  • هو علم السلوك الاجرامي من حيث مظاهره وأسبابه وآثاره القريبة والبعيدة.
  • علم دراسة الجريمة والمجرمين وضحاياهم من الأفراد الذين وقعت عليهم الجريمة دون أي ذنب من جانبهم.
  • العلم الذي يدرس أسباب ونتائج وعلاج الجريمة التي تقع في المجتمع.

أهداف علم اجتماع الجريمة

وعليه يتضح أن علم اجتماع الجريمة يهدف إلى بلوغ غرضين أساسيين هما: غرض اجرائي متعلق بدراسة الجريمة والمجرمين للحد من آثارها السلبية. وغرض علمي والمنهجي يهدف الى تنمية وتطوير الدراسات الإجرامية وزيادة عدد الاخصائيين في علم اجتماع الجريمة وبقية العلوم السلوكية.

ويسعى علم اجتماع الجريمة إلى تحقيق الأهداف الإجرائية الآتية:

  1. معرفة أسباب ونتائج الجريمة على الفرد والمجتمع.
  2. تشخيص العوامل الموضوعية والذاتية للوقاية من الجريمة مع تحديد طبيعة الإجراءات التي يمكن أن تتخذ لمعالجتها وتطويق أسباب بلورتها وانتشارها في المجتمع.
  3. تحديد العوامل الشخصية المؤثرة في الجريمة كعامل العمل، العمر، الجنس…إلخ وتحديد العوامل البيئية والاجتماعية والحضارية المؤثرة كطبيعة العائلة وعمليات التنشئة الاجتماعية ووسائل الضبط الاجتماعي.
  4. تحديد أهم الجرائم التي يعاني منها المجتمع في الوقت الحاضر ومقارنتها بالجرائم التي يعاني منها سابقا.

أما الأهداف العلمية والمنهجية لعلم اجتماع الجريمة فتتجسد في:

  1. تثبيت الحدود العلمية والمنهجية بين علم اجتماع الجريمة والعلوم السلوكية الأخرى من جهة وبين علم الاجتماع والعلوم البيولوجية والطبية من جهة أخرى.
  2. العمل على زيادة وتراكم المعرفة العلمية لحقل علم الاجتماع الجريمة بزيادة الأبحاث والدراسات العلمية والنظرية منها والميدانية.
  3. زيادة عدد الباحثين والمتخصصين في علم اجتماع الجريمة وفي مختلف أنواع الجريمة.

مناهج علم اجتماع الجريمة

يعتمد البحث في علم اجتماع الجريمة طرقا منهجية مختلفة أهمها:

1- الطريقة التاريخية:

تعتبر الطريقة التاريخية من أولى الطرق التي استعملها علم اجتماع الجريمة في جمع الحقائق والمعلومات. فالباحث الذي يعتمد هذه الطريقة في دراسته للظواهر أو السلوك الاجرامي لا يكتفي بالوصف والتحليل في الحاضر بل يدرس الماضي والجذور التاريخية، حتى يستطيع التنبؤ بمستقبلها واشتقاق القوانين التي تفسر مسيرتها ومظاهرها وتغيرها من نمط الى آخر.

وقد تمكنت هذه الطريقة من إبراز أهم المراحل التي مر بها التفسير العلمي للجريمة والذي يمكن تلخيصه فيما يلي:

  • التفسير اللاهوتي الديني حيث كان الناس ينظرون إلى الجريمة على أنها شر يلحق بالجماعة أو المجتمع من قبل الله الذنب اقترفه أفراد هذه الجماعة.
  • المرحلة الفلسفية حيث أصبح للجريمة تفسيرا مثاليا وأخلاقيا يستند إلى التناقض الموجود بين السلوك المنحرف وبين المثل والقيم والمقاييس التي يعتقد بها المجتمع كمعايير محددة للسلوك والعلاقات.
  • مرحلة عصر التحضر والتنمية والتصنيع الذي اعتمد التفسيرات العلمية الواقعية التي تأخذ بالأسباب الموضوعية والذاتية للجريمة وعلاقتها بالمرض النفسي والعوامل الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالمجرم، إضافة إلى تأثير النضج الحضاري للمجتمع في السلوك الاجرامي، فكلما تقدم المجتمع ماديا وحضاريا كلما ارتفعت معدلات الجريمة فيه والعكس صحيح.

2- طريقة المقارنة:

يقصد بهذه الطريقة مقارنة البيانات الخاصة بالجريمة على مستويين: الأول خاص بالمقارنة بين المجتمعات المتباينة في درجة نموها وتحضرها وتطورها الحضاري. أما الثاني فهو يخص الفترات الزمنية المتباينة في نفس المجتمع، لأنه لا يمكن إدراك خطورة الجرائم ومظاهرها والقوانين التي تسيرها دون مقارنتها بالجرائم في المجتمعات الأخرى بمختلف مستوياتها وعبر مختلف الأزمنة.

فمثلا كلما ينمو المجتمع يتطور ماديا وحضاريا كلما ترتفع معدلات الجرائم والعكس. كما أن معدلات الجرائم في المناطق الصناعية والحضرية أكثر من معدلات الجرائم في المناطق الريفية والقروية.

هكذا نلاحظ أن طريقة المقارنة تساعدنا على فهم ظاهرة الارتفاع التدريجي في معدلات الجرائم المرتكبة في المجتمعات كما تساعدنا على معرفة خطورة الجريمة خلال الحقب التاريخية المختلفة ومقارنة معدلاتها بين مجتمع وآخر، وكذا مقارنة النظم والمؤسسات العقابية والاصلاحية التي تستخدم في الوقاية من الجريمة ومعالجتها.

3- طريقة المسح الميداني:

تعتبر طريقة المسح الميداني أكثر طرق البحث استخداما في علم اجتماع الجريمة، كون هذه الطريقة تساعد على جمع حقائق ومعلومات جديدة عن العلم وظواهره السلوكية والمؤسسية، مما يساهم في التأكد من صحة ومصداقية نظرياته الأساسية. كما تساعد هذه الطريقة على اجراء الدراسات الميدانية حول المشكلات الاجتماعية بغية تشخيصها وتحليل أسبابها ونتائجها ثم علاجها.

وتستعين طريقة المسح الميداني في البحث والدراسة وتقصي الحقائق الخاصة بالجريمة والسلوك الاجرامي على العينات الإحصائية واستمارات الاستبيان والمقابلات الرسمية وغير الرسمية، كذلك طرق ومناهج الإحصاء المستعملة في تبويب المعلومات وتحليلها تحليلا كميا وعلميا. فأول ما يبدأ به الباحث دراسته هو تحديد موضوعه الدراسي الذي يريد بحثه والتخصص فيه، فمثلا البحث في العوامل السببية للجريمة، الدور الوقائي للعائلة من الجريمة، دور القانون والعدالة في الحد من ظاهرة الجريمة، الخصائص الاجتماعية والثقافية لضحايا الجريمة والظروف الاجتماعية للسجناء .. وغيرها من المواضيع الاجتماعية التي تمس هذا الميدان.

صعوبات البحث في علم اجتماع الجريمة

يمكننا تحديد المشكلات الإجرائية والعلمية التي تواجه الدراسة في هذا الميدان في النقاط الآتية:

  • صعوبة الدراسة والتشخيص للسلوك الاجرامي كونها قد تشمل أكثر من اختصاص إضافة إلى کون عوامله قد تكون متشعبة يمكن معرفة الظاهر منها فقط.
  • صعوبة تحديد الأضرار الناتجة عن السلوك الاجرامي، إذ يمكن أن تتسع دائرة الضحايا لتشمل الجماعة، المؤسسة والمجتمع الكبير.
  • إن إجراءات الردع والعقاب والإصلاح الاجتماعي قد لا تحرر المجرم المدان من سلوكه الإجرامي لاسيما إذا كان سبب الجريمة قائما.
  • صعوبة تحديد المفاهيم وبالتالي التفسيرات نتيجة الاختلافات الواضحة بين المجتمعات سواء من حيث الأيدولوجيا، العقيدة، الحضارة… إلخ.
  • حساسية الموضوعات التي يدرسها علم اجتماع الجريمة لا تساعد المختص على بحثها وتحليلها بصورة حيادية فمثلا عند التطرق إلى موضوع الاغتصاب قد لا يكون تعامل الباحث مع الفاعلين في هذه الظاهرة من معتدين أو ضحايا محايدا، كما أن عملية جمع المعلومات قد تكون صعبة بسبب حساسية الموضوع.
السابق
تعريف وخصائص وأهداف علم اجتماع الصحة
التالي
نظريات علم اجتماع الجريمة والانحراف

تعليق واحد

أضف تعليقا

  1. التنبيهات : نظريات علم اجتماع الجريمة والانحراف - تدوينة

اترك تعليقاً