علوم الإدارة

مفهوم وخصائص البيئة التسويقية

البيئة التسويقية بالمؤسسة

إن المنظمة لا توجد في فراغ وإنما هي نسقا فرعيا لنسق أكبر وأشمل يمثل البيئة التي تعمل فيها، والتي هي مصدر إمدادها لاحتياجاتها والمتلقي النهائي لمخرجات عملياتها التحويلية، والتي تعتمد عليها في تأمين استمرارها وبقائها والتي ترتبط معها بعلاقات تفاعل وتأثير متبادل والتي في ضوئها تتحدد معالمها وأبعادها باعتبارها نظام مفتوح، لذا يجب دراسة هذه البيئة وتحليل متغيراتها.

تعريف البيئة التسويقية للمنظمة

في الواقع لا يوجد اتفاق عام بين الباحثين حول مفهوم محدد للبيئة، وربما يرجع ذلك إلى التعقد والتراكب وتداخل مكوناتها، كما أن أي محاولة لوضع تعريف محدد للبيئة إنما يعكس في الواقع وجهة نظر القائم بالتحليل أو الدراسة وفقا للإشكالية التي سعى لحلها من خلال البحث، ويمكن عرض بعض المحاولات الخاصة بتعريف البيئة على النحو الآتي:

أن البيئة التسويقية هي “مجموعة من القيود التي تحدد سلوك المنظمة كما أنها تحدد نماذج وطرق التصرف اللازمة لنجاحها وبقائها“.

ويمكن القول إن البيئة هي” مجموعة من المتغيرات أو القيود أو المواقف أو الظروف التي هي بمنأى عن رقابة المنظمة ولكن يمكن الاستفادة منها.[1]

كما أن البيئة هي ” كل شيء وأي شيء خارج حدود المنظمة” هذا التعريف يتضمن أو يشير إلى وجود ميادين تحيط بنشاط المنظمة والتي يجب عليها أن تتفاعل وتتكامل معها.

إقرأ أيضا:مفهوم التسعير، أهميته وأهدافه في التسويق

وهناك وجهة نظر أخرى تقول أن البيئة هي “الأشياء الكلية التي تحيط بالمنظمة (كل المضامين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية.)

بينما هناك من يقول أن البيئة هي: “مجموعة القوى أو المتغيرات التي تتأثر بها المنشأة (المنظمة) ولا تستطيع الرقابة عليها ولكن يمكن الاستفادة منها.

وهذا يعني أن البيئة تتكون من مجموعة من المتغيرات التي لا تتحكم فيها المنظمة ولكن يمكن لها أن تستفيد منها.

إنّ علاقة المنظمة ببيئتها التسويقية هي علاقة تبادلية أي أنّ كل منهما يؤثر ويتأثر بالآخر، فالبيئة تقدم للمنظمة الخدمات الأساسية التي لا تستطيع أن تعمل بدونها كالمياه والكهرباء والطرق العامة …الخ، كما تقدم لها الأفراد المتعلمون والمدربون والذين يتولون عبء القيام بالعمل الفعلي داخل المنظمة، و تقدم لها كذلك المواد الأولية والإمدادات المختلفة لتصنيع مخرجاتها، والأهم من كل هذا أن البيئة التسويقية تقدم للمنظمة السوق الذي تصرف فيه منتجاتها، ولك أن تتصور كيف تستطيع المنظمة أن تستمر إذا لم تجد أين تبيع منتجاتها، فالسوق جزء لا يتجزأ من بيئة المنظمة.[2]

وبالمثل فإن المنظمة تأثر هي الأخرى في بيئتها، ويظهر أول تأثير للمنظمة في بيئتها عن طريق ما تقدمه هذه المنظمة من سلع أو خدمات ومن فرص للعمل التي تمكن أفراد المجتمع من إشباع حاجاتهم المتعددة كالمأكل، والمشرب والملبس والحماية والانتماء وتحقيق الذات، فمن منا لا يريد أن يثبت للآخرين قدراته ومهاراته ومعرفته

إقرأ أيضا:تحليل قوى التنافس

كما تقدم المنظمة للمجتمع بعض الخدمات الاجتماعية مثل التأمين الصحي على العاملين وتخصيص معاشا للأفراد عندما يصلون إلى سن التقاعد، وتوفير مكافآت للأفراد في نهاية عملهم بالمنظمة، وبناء حضانات لأبناء العاملين أو القيام برحلات ترفيهية، أو كتابة اسم الفرد المجد في عمله في لوحة الشرف، وغيرها من الخدمات الاجتماعية التي تحسس الفرد بانتمائه إلى المنظمة.

ولكن إذا كانت المنظمة تعمل على إشباع حاجات المجتمع (و هذا شيء إيجابي) فإنها لا تخلو من التأثيرات السلبية، مثلا قد تسبب المنظمة تلوثا في البيئة عن طريق ما تفرزه العملية الإنتاجية من نفايات وعوادم (مثلا المنظمات التي تقوم بصناعة الأسمدة تفرز بعض الغازات التي تلوث الهواء الجوي) كما قد تسبب المنظمات التي تقدم الكثير من الحلوى للأطفال في ضعف البناء الصحي لهم وتعرضهم لمشاكل خاصة بأسنانهم، وكذلك المنظمات التي تنتج السيارات كبيرة الحجم التي تساهم في تفاقم مشكلة الطاقة، إذن من الخطأ أن نتجاهل هذه التأثيرات السلبية للمنظمة على بيئتها، بل يجب الاعتراف بها والعمل على الوصول إلى طرق جيدة وملائمة لمواجهتها.

خصائص البيئة التسويقية للمنظمة

يمكن تمييز ستة خصائص للبيئة التسويقية الأكثر شيوعا، والتي يجب على المنظمة أخذها بعين الاعتبار عند اتخاذ أي قرار استراتيجي أو تكتيكي، هذه الخصائص هي:[3]

إقرأ أيضا:أهداف ومكونات الحكومة الالكترونية ومتطلبات نجاحها

1- التعقد:

تشير إلى تعدد و تنوع واختلاف المكونات والعوامل التي تعمل في إطارها المنظمة، والتي تحتاج فيها إلى تراكم المعرفة الأدائية (Know How) للتعامل معها بالإيجاب، و طبقا لهذا فإن بيئة أي منظمة تقع على مقياس يتدرج من البساطة إلى التعقد.

2- الاستقرار:

إن الاستقرار يشير إلى معدل التغيير في عوامل ومكونات البيئة، وله درجات بحيث يمكن وضع مقياس يتدرج من البيئة المستقرة الساكنة إلى البيئة غير المستقرة الديناميكية، وبالتالي كلما ارتفع معدل التغير وغابت إمكانية التنبؤ به كلما انخفضت درجة الاستقرار، لذا يقال عن البيئة أنها غير مستقرة إذا كانت ذات تغيرات كبيرة.

3- عدم التأكد:

تعتبر خاصية عدم التأكد من المتغيرات الأساسية التي نالت عدة تعاريف، إلا أنها أجمعت على أنها الحالة التي يصعب فيها على متخذ القرار تحديد احتمالات وقوع الحدث، لافتقاده إلى المعلومات الكافية عن العوامل والمتغيرات البيئية المحتملة، وهو ما يزيد من احتمالية أخطار الفشل والتكاليف المصاحبة، ويحصر عدم التأكد في ثلاث جوانب هي:

  • نقص المعلومات عن العوامل البيئية المتعلقة بموضوع القرار.
  • عدم القدرة على توقع تأثير المتغيرات البيئية على مستقبل المنظمة.
  • استحالة تحديد درجة احتمالية الحدث.

4- العدائية:

تتصف البيئة العدائية بشح الموارد وعدم قبول العملاء لمخرجات المنظمة، أو رفضهم لها، وتكون المنافسة بين أعضاء الصناعة الواحدة عنيفة على عكس البيئة الهادئة. إن درجة العدائية تعكس مدى التحدي الذي يواجهه متخذ القرار في تحقيق أهدافه والذي من المحتمل أن يعصف بمستقبل المنظمة أو يلحق بها أضرار بليغة، ويجب الإشارة إلى أن حالة العدائية لا يمكن قياسها كميا.

5- التنوع:

إن تنوع العوامل والمتغيرات البيئية يشير إلى وجود قطاعات عديدة من العملاء والموردين، وكذا الموزعين، ذوي تفضيلات ومطالب متمايزة، وعلى انتشار جغرافي واسع وهو ما يجعل طبيعة كمال المنظمة متنوعة، ويمكن التعبير عن هذه الخاصية بمقياس متدرج من التجانس التام إلى التنوع العالي بالنسبة للمنتجات، السوق، المجتمع، الملكية.

6- حالة التجانس:

تشير هذه الحالة إلى التشابه والتماثل بين العناصر البيئية على عكس عدم التجانس، أو تنوع خصائص مكونات البيئة، وقد تم التعبير عن درجة التجانس من خلال مقياس متدرج أحد طرفيه العناصر والمتغيرات المتشابهة وعلى الطرف الآخر العناصر غير المتجانسة أي المتمايزة، كما يذكر أن حالة التجانس يمكن قياسها كميا.

أسباب دراسة البيئة التسويقية للمنظمة

بالرغم من اختلاف المنظمات في طبيعة أهدافها وأنشطتها ونوع ملكيتها (عامة، خاصة) إلا أن هناك عدد من الجوانب تعتبر قاسما مشتركا بين جميع المنظمات، وعن طريق دراستها يتبين لنا أسباب دراسة البيئة، هذه الجوانب هي:[4]

  • يعتبر تزويد المجتمع بالسلع والخدمات من الوظائف الرئيسية لأي منظمة، فالمجتمع الذي تعمل فيه هذه المنظمة يعتبر المورد الأساسي لمدخلات عملياتها (مواد خام، أيدي عاملة، أرض، رأسمال)، وغيرها من عوامل الإنتاج ما هي إلا نواتج المجتمع الذي تعمل فيه المنظمة، لذلك فإن كل من المنظمة والمجتمع يؤثر ويتأثر بالآخر، فالبيئة التي تعمل فيها أي منظمة تقدم فرص النجاح أو الفشل، وتحدد سلوكها وخططها واستراتيجياتها لتحقيق أهدافها.
  • إن ممارسة أو تنفيذ المهام الإدارية المتعارف عليها (التخطيط، التنظيم، التنسيق، التوجيه، الرقابة) في جميع المنظمات على اختلاف أنواعها يجب أن تتم في ضوء المتغيرات البيئية المؤثرة على كل من المدخلات ومخرجات كل منظمة.
  • إن درجة تأثير المتغيرات والقيود البيئية تختلف باختلاف أهداف المنظمة، فانخفاض متوسط دخل الفرد مثلا يؤثر على هدف الربحية، بينما لا يتأثر هذا الهدف بانخفاض الوعي الديني أو الثقافي.
  • إن اختلاف درجة فعالية أو نجاح المنظمات في تحقيق أهدافها قد تختلف باختلاف قدرتها على التكيف مع بيئتها التسويقية، أي أنه من المتوقع أن تزداد درجة فعالية المنظمة بزيادة قدرتها على التكيف مع متغيرات البيئة التي تعمل فيها، فكلما زادت القدرة على استغلال الفرص المتاحة أو اكتشاف فرص جديدة بالإضافة إلى تجنب التهديدات والمخاطر البيئية كلما كان من المحتمل أن تزداد فعالية المنظمة.
  • إن استراتيجية و سياسات و كذلك أهداف أية منظمة تتأثر بالظروف البيئية مثلما تتأثر بأسلوب ممارسة النشاط داخله، فلا شك أن استراتيجية المنظمة في حالة تعاملها مع بيئة تسويقية يغلب عليها طابع احتكار القلة  وتقييد الاستيراد و تكرار تعديل قوانين الاستثمار والضرائب، لا بد أن تختلف عن استراتيجية نفس المنظمة في بيئة تسويقية مختلفة.

وخلاصة القول أن دراسة و تحليل مكونات البيئة التسويقية يعد أمرا ضروريا عند وضع الاستراتيجيات المناسبة للمنظمة، حيث أن نتائج هذه الدراسات تساعد في التعرف على جانبين رئيسيين يمثلان نقطة الارتكاز في صياغة و رسم أية استراتيجية وهما:

  • الفرص التي يمكن للمنظمة استغلالها.
  • المخاطر و التهديدات التي يجب على المنظمة أن تتجنبها أو أن تحد من آثارها.

بعد دراسة وتحليل حالات البيئة التسويقية نلاحظ أن مستقبل المنظمة مرهون بتشخيصها واكتشافها، وما تحتويه من فرص وتهديدات كأساس لتحقيق التكامل والترابط بين العمليات والأنشطة داخل المنظمة، وإحداث التوائم والتوافق بين معالمها وأبعادها.


المصادر

[1]  عبد الغفار حنفي، أساسيات الإدارة وبيئة الأعمال، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، مصر، ص151.

[2]  علي الشرقاوي، إدارة الأعمال: الوظائف والممارسات الإدارية، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، 1983، ص59-60.

[3]  علي عبد الله، أثر البيئة على أداء المؤسسات العمومية الاقتصادية، دكتوراه دولة، كلية العلوم الاقتصادية، جامعة الجزائر، الجزائر، 1999، ص117-118.

[4]  عبد الغفار حنفي، أساسيات الإدارة وبيئة الأعمال، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، مصر، ص159.

السابق
تعريف المقارنة المرجعية، أنواعها ومراحلها
التالي
مفهوم وظيفة البحث والتطوير، أهدافه وأهميته

اترك تعليقاً