قصص وشخصيات

نبذة عن أبو العلاء المعري: شاعر الفلاسفة العرب

ابو علاء المعري

شاعر الفلاسفة أو فيلسوف الشعراء وعالم بالمذاهب والفرق الإسلامية او عقائدها وحجة في التاريخ والأخبار والنحو.

بيئته ونشأته

هو (أحمد بن عبد الله بن سليمان) ينحدر من قبيلة (تنوخ) العربية الجنوبية، ولد في بلدة (معرة النعمان) شمال سوريا عام 973م وفقد بصره وهو في الرابعة من عمره بعد إصابته بالجدري فأصبح لا يذكر من الألوان إلا اللون الأحمر.

نشأ في بيت كان فيه جده ثم أبوه من القضاة واخوته من الشعراء، درس النحو على أبيه وعلى بعض كبار اللغويين في المعرة مثل ابن مسعود النحوي. أرسله أبوه إلى حلب حيث يعيش أخواله والتقى بالنحوي (ابن سعد) الذي كان يروي شعر المتنبي، وبدأت علاقة المعري بشعر المتنبي منذ ذلك الحين وحتى آخر عمره.

انطلق إلى طرابلس الشام على الساحل السوري ليطلع على أمهات الكتب في مكتباتها، ثم إلى إنطاكية التي كانت تقاوم آخر العهد البيزنطي، ومنها إلى اللاذقية التي أخذ فيها بعض العلوم اليونانية والفلسفة عن الرهبان الموجودين فيها وبدأ شغفه بالفلسفة.

عاد إلى المعرة وتوفي أبوه وكان عمره 14 سنة ورثاه. ارتحل بعدها إلى بغداد عاصمة العلوم والثقافة في تلك العصور، وتعرف على (عبد السلام البصري) الذي كان أمين وخازن (دار الكتب)، وبدأ نجم أبي العلاء يلمع، شاعرا وعالميا، لكن خصومة شديدة قامت بينه وبين المرتضى العلوي، أخو الشاعر الشريف الرضي بسبب تعصبه الشديد للمتنبي، كما ثارت غيرة معاصريه منه فاتهم بالزندقة، فتصدى لهم بأبيات شعر غاية في الإيجاز والبلاغة: (وعبدت ربي ما استطعت ومن بریته بریت)! سمع أبو العلاء بمرض أمه فغادر بغداد إلى المعرة في رحلة طويلة وشاقة لكنها توفيت قبل قدومه مما أحزنه وألمه بشدة وقال فيها:

إقرأ أيضا:قصة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام كاملة

(الا بارك الله في الدنيا إذا انقطعت.. أسباب دنياك من أسباب دنيانا)، واعتزل الناس بعد ذلك وحبس نفسه في بيته ولم يفارقه إلا مرة واحدة وذلك للتوسط لدى حاكم حلب وليشفع لأهل مدينته لديه، وكان الحاكم قد خرج بجيش لقتال أهل المعرة، لكنه استجاب لوساطة المعري وعاد بجيشه.

حياته وإرثه

شارك أبو العلاء وهو في داره في الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية، حيث تحول بيته إلى مجلس العلم بعد أن سمح للناس بزيارته. وتتلمذ على يده: (خلق لا يعلمهم إلا الله عز وجل) كما جاء في كتب اللغة وكانوا قضاة وأئمة وخطباء وأهل ديانات وعلم. وكان يملي شعره وأفكاره على أربعة من كبار الكتاب في زمانه لينقلوا للناس أقواله.

سجل في شعره المعارك بين الروم والعرب، كما سجل الصراعات الفكرية والمذهبية ودون في رسائله تاريخ ظهور بعض الفرق الدينية. ورغم ضيق حاله كان يأبى أن يأخذ أموالا إلا ما يأتيه من (وقف) وكان المبلغ هزيلا فكان يقتسم طعامه مع خادمه الذي لازمه حتى مات، وكان يقول:

(لا أطلب الأرزاق والولي يفيض على رزقي)، وفي هذا كان يختلف تماما مع المتنبي.

إقرأ أيضا:نبذة عن لورانس العرب: سياسي وعسكري بريطاني شخصيته متناقض حولها

أطلق أبو العلاء المعري على نفسه اسم (رهين المحبسين)، محبس عماد ومحبس بيته، لكنه أضاف إليهما محبس روحه في جسده.

عُرف المعري بأنه كان نباتيا لا يأكل اللحم ولا مشتقات الحيوان. وقيل إن ذلك كان لشدة فقره. وكان شديد الحفظ والذكاء. وكان عفيف النفس يرفض أي مال. كان زاهدا يلبس الخشن من الثياب طيلة عمره، وقد صام المعري الدهر، فلم يكن يفطر إلا أيام الأعياد.

كان يكره المرأة برغم حبه الشديد لأمه، وقد قسا على المرأة في أشعاره بعد موت أمه، التي كتب فيها أحلى الأشعار خاصة في رثائها. وقيل إن فشله في علاقاته مع المرأة كانت السبب في قسوته عليها، فقد كان يدعو إلى عدم إقامة الأفراح والأعراس لها: (يا ليت آدم كان طلق أمهم – أو كان حرسها عليه ظهار). وكان يصف المرأة بالأفعى. لكنه في (رسالة الغفران) التي كتبها وعمره 60 سنة، عرف النساء والخمر والمتعة الحسية كتعويض عن حياته، كما قال نقاده.

عاش المعري في صراع مع العقائد، وتأرجح بين الإيمان والشك واليأس والأمل. وتساءل كثيرا عن مكان الإنسان في الكون. في شعره فکر إنساني وحكمة ورؤية فلسفية. وقد اتهم (باللادينية) أو (الزندقة) لقوله: (أفيقوا أفيقوا يا غواة، فإنما دياناتكم مكر من القدماء).

إقرأ أيضا:نبذة عن الخديوي إسماعيل باشا: مؤسس مصر المدنية

أو يقول: (في اللاذقية ضجة ما بين أحمد والمسيح، هذا بناقوس يدق، وذاك بمئذنة يصيح، كل يعظم دينه يا ليت شعري ما الصحيح) ؟!

لكن العالمة بنت الشاطئ وجدت لديه إيمانا قويا يغلب الشك، حيث يقول: (خالق لا يشك فيه قديم وزمان علی زمان تقادم).

تراث ابو علاء المعري

ترك أبو العلاء المعري تراثا شديد الأهمية في الفلسفة والشعر والأدب، وقد أعدمت معظم مؤلفاته بالحريق أو الضياع، ولكن وصل منها الكثير أيضا مثل: (لزوم مالا يلزم) وعرفت باللزوميات وهي من (13) ألف بيت، وديوان (سقط الزند)، ومن رسائله: (رسالة الغفران) وهي أهمها. و(رسالة الملائكة)، ورسالة (الفصول والغايات) ورسالة (الصاهل والشاهج) عن حوار بين حصان وبغل، على نمط (كليلة ودمنة).

كان يهاجم الحكام عامة، وكان يتكلم عن شرورهم وعن الشرور الكبرى التي ضمنها ديوانه (اللزوميات). والشك كان جزءا من فلسفته، لكنه لم يكن يخالط إيمانه فقد كان يقول: (ومغفرة الله مرجوة – إذا أصبحت أعظمى من الرمم).

كان معتزلي المذهب، يؤمن (بالجبر) في الحياة والممات، لكنه كان أيضا يؤمن بالحرية في اختيار الأفعال على عكس (القدرية)، وإيمانه (بالجبر) في حياته، هو الذي ولد لديه اليأس، فقد كان ناقما على (شكله)، برغم أنه لم يكن يرى نفسه وظهر ذلك في قوله:

(لو كان كل بني حواء يشبهني فبئس ما ولدت للناس حواء)، وقد أوصى أبو العلاء المعري أن يكتب على قبره كلمته الشهيرة: (هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد).

وقد توفي أبو العلاء المعري عام 1057م عن 86سنة تقريبا.

السابق
نبذة عن مصطفى كمال أتاتورك: مؤسس تركيا الحديثة
التالي
نبذة عن أبو زيد الهلالي: بطل تاريخي وأسطورة شعبية

اترك تعليقاً