الحياة والسياسة

نبذة عن الفيلسوف أفلاطون: حياته وفكره السياسي

الفيلسوف افلاطون

بيئته ونشأته

هو فيلسوف يوناني ولد في 427 ق.م بمدينة أثينا لأسرة أرستقراطية، فكان بحكم مولده هذا شديد التطلع إلى الحكم، وقد مارس محاولات عديدة في هذا الصدد باءت كلها بالفشل فصدم في الواقع، ثم كانت صدمته الثانية عندما قامت حكومة أثينا بإعدام سقراط الذي كان يمثل بالنسبة إلى أفلاطون أستاذه ومثله الأعلى وأرجح الرجال عقلا في زمنه، ونظرا لهذه الصدمات وغيرها راح أفلاطون ينصرف عن الواقع ويتجه بفكره إلى عالم الروح (عالم الميتافيزيقا أو عالم ما وراء الطبيعة)، فيقول: “لا حقيقة في العالم المادي المحسوس (عالم الواقع) وإنما الحقيقة هي من شأن عالم الروح السابق على عالم المادة (الميتافيزيقا)”، وقد زار أفلاطون ما يعرف الآن بمنطقة الشام حيث ازدهرت الحضارة الفينيقية في زمنه، وانتشرت ديانة التوحيد ( اليهودية وقتذاك)، حيث تأثر أفلاطون بهذه الديانة لذلك ينقل عنه أنه قال برغم أنه ابن الحضارة وثنية “إن ثمة إلها واحدا أبدع الكون وخلق البشر وألهمهم القيم. هكذا كان لبيئته، ونشأته الأثر البالغ في منهجه، وفكره السياسي، كما سنوضح فيما يلي.[1]

منهجه

يعتبر أفلاطون رائد المنهج الفلسفي المثالي، ويمثل فكره نموذجا لمنهج فلسفي مثالي (استنباطي) يبدأ عملية المعرفة من مقدمات ميتافيزيقية، ثم يدخل عليها سلسلة من عمليات الاستنباط أو التدليل العقلي، مستهدفة الكشف عما يجب أن يكون عليه المجتمع (الواقع) حتى يكون مثالي فاضلا.

إقرأ أيضا:نبذة عن شارل بودلير: من أعظم شعراء فرنسا

فكره السياسي

قدم أفلاطون ثلاث محاورات (كتب) في مجال الفكر السياسي ومن خلال مدرسته المعروفة بالأكاديمية، وتتمثل هذه المحاورات في: الجمهورية، والسياسي، والقوانين.

1- محاورة الجمهورية: وقدم فيها صلب فكره السياسي المعروف بنظرية المثل ولعل أهم أفكاره في هذه المحاور فكرة المدينة الفاضلة والتي تعرّض لها فيما يلي:

أسس أفلاطون مدينته الفاضلة ارتباطا بمسلمتين (فرضيتين) هما:

  • الفضيلة هي المعرفة.
  • تقسيم العمل هو أنسب السبل النجاح الحياة الاجتماعية (للرجل الواحد وظيفة واحدة).

وبنى المدينة هذه على منوال جسم الإنسان معتبرة أن هذا الجسم هو خلق مثالي لأن الله هو الذي خلقه، وبالتالي فقد خلقه على فضيلة ومثالية، والإنسان في تصور أفلاطون هو ذكاء وطاقة وأعضاء، وبناء عليه فإن المدينة الفاضلة يجب في رأيه أن تتكون من ثلاث طبقات هي الفلاسفة (وتقابل الذكاء في جسم الإنسان) والمحاربون (وتقابل الطاقة في جسم الإنسان) والحرفيون (وتقابل الأعضاء في جسم الإنسان).

ثم يقسم أفلاطون العمل بين الطبقات الثلاث كالتالي:

  1. أما الحرفيون فوظيفتهم هي القيام بعملية الإنتاج لمد أفراد المدينة بما يلزم من غذاء وملبس…إلخ.
  2. وأما المحاربون فتنحصر وظيفتهم في الدفاع عن أرض المدينة (أي الحرب)، ولا يحق لهم التدخل في أمور السياسة والحكم (ما نسميه اليوم الاحتراف العسكري).
  3. أما الفلاسفة ونظرا لأن الفضيلة هي المعرفة فوظيفتهم الحكم، لأنهم هم الحكماء القادرون بعقولهم الراجحة على الوصول بسفينة المدينة إلى بر الأمان، فيقول:

“على الفلاسفة أن يكونوا ملوكا، وعلى الملوك أن يكونوا فلاسفة “، ويقول كذلك: “لن ترى المدن (أي الدول) خيرا ما لم يصبح الفلاسفة ملوكا أو يتشبع ملوك هذه الدنيا بروح الفلسفة”، وعلى ذلك فإن أمثل أشكال الحكومات عند أفلاطون هي “حكومة الفلاسفة”، وهي حكومة مطلقة لا تتقيد بأي قانون، لأن تقييد الفلاسفة بقانون يعني وضع قيود على إبداعهم وعبقريتهم وعقولهم المستنيرة، وبالتالي الحد من قدراتهم الفذة على الحكم. فالقانون في رأي أفلاطون هو” كالرجل الأحمق الذي لا يغير رأيه مطلقة مهما كان خاطئة”.

إقرأ أيضا:نبذة عن الدكتور ألويس ألزهايمر: طبيب ألماني ومكتشف مرض (الزهايمر)

وبالنسبة للكيانين الاقتصادي والاجتماعي للمدينة ظهر في محاورة الجمهورية ما يعرف بشيوعية أفلاطون حيث رفض نظام الملكية الخاصة لأنها تصرف الناس عن الاهتمام بالصالح العام فلا يهتمون إلا بممتلكاتهم. كما رفض أفلاطون نظام الأسرة لأنه سيشغل الناس بأبنائهم وزوجاتهم عن الآخرين من أبناء المدينة.

وهكذا جاءت أفكار أفلاطون في محاورة الجمهورية بعيدة عن الواقع محلقا في عالم الخيال.

2- محاورة السياسي: يعتبر أهم ما قدمه أفلاطون في هذه المحاورة من فكر سياسي هو قوله بأن للسياسة علم وفن، بالإضافة إلى تعريف للسياسي، أما علم السياسة فيعرفه بأنه: القدرة على العودة إلى عالم الروح واستلهام حقائق الحكم منه. (لاحظ أن كافة الحقائق في رأي أفلاطون هي في عالم الروح). وبناء عليه فالسياسي هو القادر على العودة إلى عالم الروح واستلهام حقائق الحكم منه.

أما فن السياسة عند أفلاطون فهو: حكم الناس عن غير طريق الإكراه، أي حكم الناس برضاهم (لاحظ المثالية).

3- محاورة القوانين: قدم أفلاطون محاورته هذه في أواخر حياته وبعد فشل محاولات عديدة لتطبيق فكره في بعض المناطق، لذلك نجده قد تخلى عن بعض مثاليته في هذه المحاورة، فمثلا قال بأنه يمكن أن يحكم الفلاسفة استنادا إلى قوانين ولكنه اشترط أن تضع هذه القوانين جمهرة الفلاسفة، وبالنسبة للكيانين الاقتصادي والاجتماعي للمدينة تراجع عن الشيوعية وقال بأن الواقع يفرض ضرورة الأخذ بنظام الملكية الخاصة، ونظام الأسرة، وهكذا جاءت أفكار أفلاطون في محاورته الأخيرة متصالحة إلى حد ما مع الواقع الذي كان يرفضه تماما في محاورته الأولى (الجمهورية).[2]

إقرأ أيضا:نبذة عن أجاثا كريستي: أشهر كاتبة روايات بوليسية في العالم

وقد توفي أفلاطون في عام 347 ق.م.


المصادر

[1]  أحمد محمد وهبان، تاريخ الفكر السياسي، دار خوارزم، القاهرة، 2002، ص310.

[2]  نظام بركات، مبادئ علم السياسة، مكتبة العبيكان، الرياض، 2008، ص298.

السابق
ماذا تعني الماركسية
التالي
نبذة عن أرسطو (أرسطوطاليس): حياته وفكره السياسي

اترك تعليقاً