الحياة والسياسة

نبذة عن نيكولو مكيافيلي: حياته وأفكاره السياسية

نيكولو مكيافيلي

بيئته ونشأته

ولد نيقولا مكيافيلي بفلورنسا الإيطالية عام 1469، حيث كانت إيطاليا وقتذاك مقسمة إلى خمس دويلات من ضمنها فلورنسا. وقد غني مكيافيلي منذ نعومة أظفاره بقراءة التاريخ حيث كان يجيد اللغة اللاتينية. وفي ظل أجواء سياسية فاسدة عاش مكيافيلي حياته، حيث حالة من الحرب الدائمة بين الإمارات الإيطالية تقوم عليها عصابات من المرتزقة المأجورة التي لا تدين بالولاء إلا للمال، كما سادت الإمارات المؤامرات والدسائس، وانتشر الفساد الأخلاقي، بحيث أصبح الإيمان والصدق والخير مجرد وساوس صبيانية لا يؤمن بها من يرى نفسه مستنيرا من البشر، وأصبحت القوة والحيلة والخديعة هي مفاتيح النجاح، غير أن هذه الحقبة كانت في ذات الوقت بداية ما يعرف بعصر النهضة في أوربا حيث بدأ العقل الأوربي يدير ظهره لمملكة السماء و يعطي وجهه لمملكة الأرض فيفصل بين الدين الكنيسة والدولة (فكرة العلمانية) الأمر الذي أسهم دون شك في استشراء الانهيار الأخلاقي، وفي المقابل بدأ عصر الكشوفات الجغرافية كالأمريكيتين، كما اخترعت الطباعة.

وقد عمل مكيافيلي في شبابه أمينا لهيئة العشرة للحرية والسلام التي تمثلت وظيفتها في الاتصال بممثلي فلورنسا الدبلوماسيين في الخارج، وقد هيأت هذه الوظيفة له أن يزور دولا أوربية موحدة عديدة حال إسبانيا وفرنسا وإنجلترا، وأصبح حلم حياته أن يرى بلاده إيطاليا وقد توحدت في دولة واحدة.

إقرأ أيضا:نبذة عن الخميني: مؤسس إيران الإسلامية الحديثة

غير أنه بحلول عام 1512 وصلت إلى الحكم في فلورنسا أسرة من الصيارفة هي أسرة المديتشي بعد أن أطاحت بالجمهوريين، وسرعان ما ألغت الحكومة الجديدة هيئة العشرة للحرية والسلام ففقد مكيافيلي وظيفته، وجلس في بيته الريفي حزينا لكي يؤلف كتابه الشهير في عالم فن السياسة والحكم ألا وهو كتاب الإمارات والذي اشتهر بمسمى الأمير، وهو الكتاب الذي تضمن مجموعة من قواعد فن الحكم والسياسة قدمها مكيافيلي للأمير الجديد على هيئة نصائح، نصحه بالتزامها حتى يدوم سلطانه ويرسخ حكمه وتتوطد أركان عرشه، ويكون قادرا على تحقيق حلم الإيطاليين في الوحدة. وهي نصائح كلها قامت على الفصل التام بين السياسة والأخلاق.[1]

منهجه

هو المنهج الاختباري الصرف (الاستقرائي) القائم على ملاحظة الواقع، بهدف تقديم صورة للواقع كما هو دون تفسير أو تعميم، حيث كل ما قام به مكيافيلي كما قلنا هو تقديم مجموعة من قواعد العمل السياسي المصورة من الواقع، دونما تدخل من جانبه بالتفسير أو التعميم، وبذلك فهو يعتبر رائدة لفن السياسية لا علم السياسة.

فكره السياسي

قدم مكيافيلي للأمير مجموعة من النصائح تتعلق بالسياسة الداخلية (أي سياسة الأمير لرعاياه)، وأخرى تتعلق بالسياسة الخارجية (أي علاقة الأمير بأمراء الدول الأخرى)، وهي كلها قائمة على الفصل بين السياسة والأخلاق، ويرى مكيافيلي أن اتباع هذه النصائح (أو قواعد العمل السياسي) من شأنه أن يديم حكم الأمير ويرسخ سلطانه، ويوطد أركان عرشه ويجعله قادرا على توحيد إيطاليا، حيث يبدأ كلامه للأمير مذكرا إياه بأن جموع الإيطاليين تتطلع إلى بيته كي يجمع شتاتهم في دولة واحدة.[2]

إقرأ أيضا:نبذة عن جوناثان سويفت: أديب إيرلندي صاحب رواية (رحلات جاليفر)

السياسة الداخلية للأمير

نصحه مكيافيلي ألا يعبأ بالفضائل بل وأن يلجأ إلى الرذائل إن كان ذلك يحقق مصلحته، فلا يجب على الأمير أن يكون كريما لأن الكرم يؤدي إلى الفقر وهو إن افتقر سيخسر هيبته لدى رعاياه، وعليه ألا يكون طيبا لأن ذلك يثير روح الثورة عليه في نفوس رعاياه، أما القسوة فتقيم النظام وتمنع الفوضى وتحقق الوحدة وتقضي على الفتنة وهي في المهد، كما أن رضا الرعايا متغير فلا تعتمد في استمرار حكمك على رضاهم، بل اعتمد على قوتك فهي إن دامت سيدوم حكمك.

ويضيف مكيافيلي: أنا لا ألوم الحاكم الروماني رومیلوس الذي قتل أخاه وشريكه في الحكم لكي ينفرد بالسلطة ويوطد سلطانه، ولا ألوم الروماني الآخر بروتس الذي حكم على أولاده الخمسة بالموت لكي يستمر عرشه، فإذا كانت الواقعة (أي القتل) تتهمه فإن الغاية النبيلة (أي دوام سلطانه) تبرؤه. ويضيف: ربما يكون هذا الكلام ليس طيبا لو أن الناس كانوا طيبين لكن الواقع أن الأصل في بني البشر أنهم كذابون منافقون غشاشون جشعون نهمون شريرون مراؤون لا يتطلعون إلا إلى ما ليس في أيديهم، كما أنهم ربما يسامحونك إن قتلت أباهم لكنهم أبدا لن يسامحوك إن سلبت أموالهم.

السياسة الخارجية للأمير

أما بصدد السياسة الخارجية أي علاقة الأمير بأمراء الدول الأخرى فقد بدأ بوصف العلاقات الدولية وكأنها غابة، ونصحه بأن يجمع بين أسلوب الإنسان وأسلوب الحيوان، فإن اختار أسلوب الحيوان فعليه أن يكون ثعلبا وأسد في ذات الوقت، أي يتبع أسلوب الثعلب القائم على الحيلة والمكر والخداع والمراوغة والنفاق والرياء، وأسلوب الأسد القائم على القوة والعنف والبطش. (ذكاء الثعلب وقوة الأسد).

إقرأ أيضا:مفهوم الأنظمة الشمولية وخصائصها

فبالنسبة الأسلوب الثعلب على الأمير ألا يفي بالعهود التي يقطعها على نفسه للأمراء الآخرين إلا إذا كان في الوفاء بالعهد مصلحة له، وعلى الأمير أن يتزين أمام العالم الخارجي بحلل زائفة من الصدق والسلام والعدل والوفاء (ذئب في جلد شاة)، وأن يظهر أمراء الدول الأخرى بأنهم هم الكاذبون وخالفو العهود، إن الأمراء الذين أجادوا أساليب الثعالب وأفلحوا فيها فعرفوا كيف يحيكون الغش والخداع كان التوفيق حليفهم الدائم.

كذلك على الأمير أن يكون أسدا فيبني جيشه النظامي القوي الذي يدين بالولاء له، فلا يجب أن يعتمد الحاكم على المرتزقة الأوغاد الذين لا يدينون بالولاء إلا للمال، القوة ثم القوة فإن الأمير الذي لا يهتم ببناء قوته (جيشه) كمن يركض إلى هلاكه، وويل للأمراء منزوعي السلاح. إذن علي الأمير أن يكون ثعلبا وأسدا في ذات الوقت لأنه إن كان مجرد ثعلب عجز عن التعامل مع الذئاب والغابة الدولية مليئة بالذئاب، وإن كان مجرد أسد عجز أن يتبين ما ينصب له من فخاخ والغابة الدولية مليئة بالفخاخ.

عليك أن تبدأ بأسلوب الثعلب فإن لم يفلح أسلوب الثعلب في خطف عنقود العنب فليسمع زئير الأسد (أي إن لم تجد الدبلوماسية فلتدق طبول الحرب).[3]

تقويم فكر مكيافيلي

اختلف المفكرون والساسة ورجال الدين حول أخلاقية هذا الفكر، حيث مجده البعض على النحو التالي:

  • كتب أحد الأمراء الإيطاليين على نصب تذكاري أقامه على قبر مكيافيلي (ارقد في سلام لا كلمات ترقى إلى شرف هذا الرجل).
  • المفكر الإنجليزي فرانسيس يقول: كم نحن مدينون لهذا الرجل، فهو الذي أرانا حقيقة عالم السياسة، إذ علمنا الفارق بين براءة الحمامة ورياء الثعبان على نعومة ملمس كليهما.
  • نابليون الثالث كان لا يقرأ ليلة الحرب إلا كتاب واحد هو كتاب الأمير.
  • في المقابل اعتبرت الكنيسة أن مكيافيلي هو شيطان رهيب هبط على الإنسانية فارا من الجحيم، وأن كتابه الأمير هو كتاب أودعته يد الشيطان.

المصادر

[1]  محمد طه بدوي، النظرية السياسية: النظرية العامة للمعرفة السياسية، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1986، ص188.

[2]  نظام بركات، مبادئ علم السياسة، مكتبة العبيكان، الرياض، 2008، ص250.

[3]  أحمد محمد وهبان، تاريخ الفكر السياسي، دار خوارزم، القاهرة، 2002، ص213.

السابق
تعريف الديموقراطية، خصائصها وأشكالها
التالي
مفهوم علم السياسة وعلاقته بالعلوم الأخرى

اترك تعليقاً