ثقافة عامة

نشأة وتطور مفهوم الجودة الشاملة، إضافة إلى أهداف وشروطها

مفهوم وأهداف وأسس الحودة الشاملة

منذ أزيد من عقد من الزمن ومع زيادة شدة المنافسة العالمية، لم تعد فكرة الجودة تستند على مطابقة المنتوج لمجموعة من المعايير المحددة، لأنها تتجسد في المنتوج فإن الأمر يتطلب الوصول إلى الجودة، وتحقيقها في جميع المهام والنشاطات ذات التأثير المباشر وغير المباشر على العملية الإنتاجية أو بالأخص المنتوج في حدّ ذاته، لذلك فهي تشمل جميع العمليات الداخلية والخارجية في المؤسسة، وهذا ما يسمى بالجودة الشاملة، وسنتطرق لهذا المفهوم في هذا المقال.

مفهوم الجودة الشاملة

لقد انتقل اهتمام الباحثين الاقتصاديين خاصة في ظل المنافسة العالمية من النظرة الضيقة للجودة على أنها جودة المنتوج النهائي فقط إلى نظرة أشمل تشمل جودة كل نشاطات ووظائف ومهام المؤسسة ومواردها يطلق عليها “الجودة الشاملة” التي سنحاول توضيح معناها من خلال بعض التعاريف:

  • هناك من يعرّف الجودة الشاملة بأنها: «التكيف المستمر مع حاجات الزبائن والمستعملين، وتطوراتها بواسطة التحكم في جميع نشاطات ووظائف المؤسسة.»
  • وتعرف بأنها: «تميز السلعة أو الخدمة في تلبية كافة مطالب الزّبون وتوقعاته مثل: حسن المعاملة، السعر، الوفرة، الخدمات الإضافية، تقديم السلعة في الوقت المطلوب.»
  • كما تُعرّف بأنها: «تضمين مبادئ الجودة في كافة جوانب العمل بدءًا من تحديد احتياجات الزّبون، وانتهاءً بالتقييم الدقيق للأداء، للتعرف على درجة رضا الزّبون أو تعني تضامن فرق عمل المؤسسة كل على حدا لتحقيق جودة كل العمليات.»
  • أما Royal Mail فيعرفها بأنها: «الطريقة أو الوسيلة الشاملة للعمل التي تشجع العاملين للعمل ضمن فريق واحد مما يعمل على خلق قيمة مضافة لإشباع حاجات المستهلكين».
  • كما تُعرف الجودة الشاملة بأنها: «جودة كل شيء، أي جودة عناصر التنظيم والإنتاج وكل مرافق المؤسسة من أجل تحقيق رضا وإشباع المستهلك».
  • وتعرف أيضا بأنها: «الجودة التي يتحمل مسؤوليتها كل فرد في المؤسسة».
  • هناك أيضا من يميز الجودة الشاملة ببعدين هما: البعد الاقتصادي والذي يتعلق بجانب تخفيض أو تثبيت تكاليف الحصول على الجودة، والبعد الاجتماعي والذي يتعلق بجانب تعبئة وتحفيز الأفراد بالمؤسسة، بجانب إرضاء الزّبون، فهذين البعدين يساهمان في أمثلية طاقة المؤسسة للتحكم في الجودة، والتكيف بسرعة مع محيط متحرك ومتغير.

إذن فمجمل هذه التعريفات تبين كيف أن الجودة الشاملة لا تقتصر على جودة مواصفات السلعة أو الخدمة فقط، وإنما تتوسع أكثر من ذلك لتشمل جودة كل العمليات وأنشطة ومراحل العمل بتكامل جهود كل أفراد المؤسسة الذين يعملون في هذا الإطار الجديد كفريق واحد من أجل تحقيق الإشباع لحاجات ومتطلبات المستهلكين وكسب رضاهم.

إقرأ أيضا:تعريف، أهمية وأهداف التدريب

أسباب نشأة الجودة الشاملة

لقد ساهمت جملة من الأسباب والعوامل في نشأة وظهور الجودة الشاملة، واعتمادها من قبل المؤسسات، وسنقوم بالتطرق لبعض من هذه الأسباب فيما يلي:

هناك من يلخص أسباب ظهور الجودة الشاملة في العناصر التالية:

1.المتغيرات الدّاخلية: حيث أن المؤسسة التي تريد التركيز على الجودة لابد أن تحترم المبادئ التالية:

  • البحث عن الإتقان (الامتياز).
  • خدمة الزبون والمستهلك.
  • جعل العلاقة بين المورّد والزبون مبنية على الثقة المتبادلة.

2. المتغيرات الخارجية: وتتمثل في التغيرات العديدة التي تزامنت مع النصف الثاني لسنة 1970، ونذكر منها:

  • التعقيد المتزايد للسلع والخدمات.
  • الأزمة الاقتصادية التي زادت من حدّة المنافسة العالمية، وحدّة تنافسية المؤسسات.
  • المتطلبات والحاجات الجديدة للزبائن والمستهلكين.
  • غزو المنتجات اليابانية للأسواق الغربية، والتي كانت تتميز بجودتها العالية خاصة في مجال المركبات الإلكترونية، صناعة السيارات …إلخ.

3. تكاليف الحصول على الجودة (COQ): وتتمثل في تكاليف التقييم والوقاية مثل تكاليف الفحص، الاختبار …إلخ، وكذا تكاليف الوقاية وتكاليف الاعتمادية.

أما البعض الآخر فيرجع أسباب اعتماد المؤسسة للجودة الشاملة للعوامل المالية، التقنية، والاجتماعية التالية:

إقرأ أيضا:مفهوم العولمة الاقتصادية وآثارها وأسباب بروزها

1.عولمة السوق: حيث أن هذه العولمة ساهمت في زيادة حدّة التنافسية بين المؤسسات، التي تسعي كلّها لجذب أكبر عدد ممكن من المستهلكين الذين أصبحت الجودة هي العامل المحرّك لسلوكهم ومصدر جذب لهم.

2. التطور التقني والتنظيمي: حيث أصبحت المؤسسات تسعى للإنتاج بحجم كبير مع تحقيق النوعية والجودة بأقل تكاليف ممكنة، وإلى تحقيق مرونة في الإنتاج أي التكيف مع تغيرات السوق، وذلك باستخدام أساليب جديدة في تسيير الإنتاج، والتي ساهمت في تغير تنظيم النشاطات وتغير ذهنيات (عقليات) الأفراد تبعًا للتغيرات التنظيمية والتقنية.

3. التطور الاجتماعي: حيث ساهم هذا التطور في تغير حاجات الأفراد إلى:

  • حاجات تحقيق وحب الذات بالنسبة لأفراد المؤسسة.
  • حاجات الإشباع والرّضا بالنسبة للمستهلكين والزّبائن.

فهذه الأسباب وما قبلها تشترك في نقاط أساسية وهي أن اعتماد المؤسسات للجودة الشاملة كان رغبة منها لمسايرة التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية السائدة الناتجة عن عولمة السوق، سعيا منها للتكيف مع الحاجات الجديدة للزبائن والمستهلكين الذين أصبحت الجودة هي العامل المحرّك لسلوكهم، وكذا رغبات وحاجات أفراد المؤسسة نفسها، حيث أن مبادئ الجودة الشاملة تسعى لتحقيق الرّضا والإشباع لكلا الطرفين سواء لأفراد المؤسسة أو المستهلكين والزّبائن، ومن هنا ظهرت أهمية اعتماد المؤسسة لهذه الفلسفة الجديدة للجودة كوسيلة لتحسين مكانتها التنافسية حيث أصبحت مسعى العديد منها.

إقرأ أيضا:أشكال النقود الالكترونية

أسس وأهداف الجودة الشاملة

إن مفهوم الجودة الشاملة يقوم على جملة من الأفكار تعتبر كأسس يقوم عليها، من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف، وسنقوم بالتطرق إلى الأسس التي تقوم عليها الجودة الشاملة وأهدافها في هذا الجزء.

أسس الجودة الشاملة

تقوم الجودة الشاملة على مجموعة من الأفكار والأسس تتلخص في:

  • توسيع مجالات تحسين النشاط.
  • أولوية الرقابة.
  • تحديد الأسباب وتحليلها.
  • اللاّجودة مرفوضة وتساوي صفر خطأ وتساوي طموح، إتقان (جودة)، إرادة.
  • الرقابة مسؤولية جميع أفراد المؤسسة كلّ في مستواه.
  • الزّبون هو المستعمل.
  • التحكم في التكاليف من خلال التقييم.
  • الجودة مصدر للرّبح.
  • الجودة محتواة (متضمنة) في كامل نشاطات المؤسسة.
  • ثقة الزّبون والمستهلك ترتبط بسمعة المؤسسة.

إذن فهذه جملة من الأسس التي تسعى المؤسسة انطلاقا منها تحقيق جملة من الأهداف، والتي يلخصها البعض في:

أهداف الجودة الشاملة

  • تخفيض تكاليف الإنتاج: حيث أن الجودة الشاملة تقوم على نظم تسييرية تخطط للإنتاج وفقا لأسس فنية تساهم في تخفيض نسبة عدم المطابقة والوقت والجهد الضائعين وبالتالي تخفيض التكاليف.
  • تلبية حاجات ورغبات الزّبائن والمستهلكين: وذلك بإنتاج وتقديم سلع وخدمات مطابقة للمواصفات ولحاجات ورغبات هؤلاء الزبائن والمستهلكين، مع مسايرة تطوراتها وتغيراتها مع مرور الزّمن.
  • تحقيق الميزة التنافسية للمؤسسة في الأسواق العالمية: ذلك أن تحقيق الهدفين السابقين للجودة الشاملة، يساهم في تعزيز قدرة المؤسسة على تحقيق الجودة، مع تخفيض الأسعار دون أن يؤثر ذلك على أرباحها، وبالتالي تعزيز القدرة التنافسية لهذه المؤسسة، وتحقيقها لميزة تنافسية في السوق.

هذا وهناك من يلخص أهداف الجودة الشاملة في:

  1. أهداف خارجية: تتمثل في تقديم أفضل السلع والخدمات للزبائن والمستهلكين، وتحقيق أقصى إشباع لهم، من خلال تخفيض الأسعار، ويتطلب هذا الهدف تحديد الزبائن والمستهلكين والاستماع لحاجاتهم ورغباتهم.
  2. أهداف داخلية: وتصنف إلى هدفين: اجتماعي: يتمثل في تحقيق المنفعة لأفراد المؤسسة وزيادة إنتاجيتهم من خلال تشجيع العمل الجماعي، وتنمية إحساس الاعتزاز لدى هؤلاء الأفراد بالانتماء إلى المؤسسة وتحفيزهم. واقتصادي: ويتمثل في تعزيز القدرة التنافسية للمؤسسة، من خلال تحقيق الكفاءة والفعالية.

فمما سبق ذكره نستنتج أن الجودة الشاملة عبارة عن فلسفة تقوم على جملة من الأفكار والأسس التي تسعى لتحقيق جملة من الأهداف للمؤسسة تساعد على تحقيق التميز تنافسيا، من خلال تحقيق الجودة في كامل وظائف المؤسسة ونشاطاتها ومهامها التي تساعد على تخفيض التكاليف، وتحقيق الإشباع والرّضا لكل من أفراد المؤسسة والمستهلكين، بواسطة تلبية حاجاتهم ورغباتهم.

مبادئ نجاح الجودة الشاملة

إنّ نجاح تطبيق الجودة الشاملة بالمؤسسة يتوقف على احترام مجموعة من المبادئ والشروط، وتقوم الجودة الشاملة على جملة من المبادئ التي تساعدها للوصول وتحقيق أفضل أداء ممكن، والتي نذكر منها:

  1. المطابقة: ويُقصد بها تحقيق المطابقة في السلع والخدمات مع حاجات ورغبات الزّبائن والمستهلكين، من خلال ضمان مطابقة هذه السلع والخدمات للخصائص المُحددة من طرف الزّبون أو المستهلك، وكذا الحاجات الواضحة والضمنية له.
  2. الوقاية: وتتمثل في الإجراءات التي تمنع حدوث الأخطاء، وتكتشفها.
  3. القياس: ويُقصد به قياس نسبة مطابقة السلع والخدمات المحققة والمقدّمة للزّبون أو المستهلك مع الحاجات الواضحة له، من أجل تحقيق التحسين المستمر.
  4. الإتقان (الامتياز، الجودة): وهي البحث والسعي لتحقيق صفر خطأ، من خلال التحكم الكلّي في الجودة، رغم أن ذلك يكلف المؤسسة وقتًا وجهدًا كبيرًا.
  5. المسؤولية: والتي توّزع على جميع أفراد المؤسسة في كل المستويات والوظائف. هذا وهناك من يرى أن مبادئ الجودة الشاملة تتمثل في:
  6. الاندماج الكلي للإدارة: فالإدارة مسؤولة على إنشاء سياسة للجودة واتخاذ القرارات المتعلقة بالابتكار وتطوير المنتوج وتطبيق نظام الجودة بالمؤسسة.
  7. تماسك وترابط كل أفراد المؤسسة: من اجل تحقيق أهداف الجودة الشاملة من خلال تحفيز وتدريب وتأهيل هؤلاء الأفراد لتطبيق أفكار الجودة الشاملة بالمؤسسة.
  8. الاحتياط من الأخطاء الوظيفية: وتتمثل في القيام بنشاطات وقائية لاكتشاف الأخطاء والمشاكل قبل وقوعها.
  9. قياس الجودة: وتتمثل في قياس مدى فعالية المؤسسة في تحقيق أهداف الجودة بالاعتماد على إنشاء معايير موحدة للإنتاج وتحديد الأهداف ليتم مقارنتها بما هو منجز، تحديد انحرافات الأداء.
  10. تضافر كل الجهود من أجل تحقيق الأصفار الخمسة (5 Zéros): والمتمثلة في: صفر مخزون، صفر ورق، صفر مدّة، صفر خطأ، صفر عطب.
  11. التحسين المستمر للجودة (استمرارية نشاط الجودة)

هذا بالنسبة للمبادئ التي تدعم نجاح تطبيق الجودة الشاملة بالمؤسسة، أما بالنسبة للشروط التي يتوقف ويقوم عليها هذا النجاح فنذكر منها:

شروط الجودة الشاملة

  1. إعداد قاعدة للجودة.
  2. الانطلاق في تطبيق الجودة الشاملة بتحفيز الإدارة العامة.
  3. المشاركة الجماعية لكل إطارات وأفراد المؤسسة.
  4. اعتماد التسيير بالمشاركة وتجنب المركزية في اتخاذ القرارات.
  5. تكوين وتدريب وتحفيز أفراد المؤسسة على مفاهيم الجودة الشاملة من أجل تحقيق فعالية في تنفيذ الأهداف.

هذا وهناك من يرى أن نجاح تطبيق الجودة الشاملة بالمؤسسة يتوقف على إنتاج سلع وخدمات تتوفر فيها الشروط التالية:

  1. ترد على حاجات الزبائن والمستهلكين، وتحقق الأهداف الموضوعة للجودة.
  2. تشبع وتلبي انتظارات وحاجات المستهلكين ومتطلباتهم.
  3. تطابق المواصفات والخصائص الموضوعة والمطبقة.
  4. تطابق المتطلبات التعديلية والمنظمة للمؤسسات الأخرى.
  5. تساعد على تخفيض تكاليف المؤسسة وزيادة أرباحها.
  6. تحقق ميزة تنافسية للمؤسسة، وتعزز قدرتها التنافسية.

هناك من يرى أيضا أن نجاح تطبيق الجودة الشاملة بالمؤسسة يستدعي:

  1. دراسة لوضعية المؤسسة في السوق لفترة طويلة.
  2. اعتماد التكنولوجيا كوسيلة لتطور المؤسسة وليس كأساس لتحويلها.
  3. مساهمة كل أفراد وعناصر المؤسسة في دراسة أي مشكلة تتعرض لها المؤسسة أي جعل الأفراد مسؤولون في كل المستويات.
  4. الاستعانة بوسائل تشخيصية وتحليلية مكملة لتقييم وتحسين الجودة.

إذن فحتى تضمن المؤسسة تطبيق جيد للجودة الشاملة على أكمل وجه، من أجل تحقيق أقصى إشباع لكل من أفراد المؤسسة والمستهلكين والزبائن، لابد عليها أن تحترم المبادئ والشروط السالفة الذكر.

الخلاصة

ومن خلال كل ما سبق ذكره نستنتج أن الجودة الشاملة هي:

  • التكيف المستمر مع حاجات ورغبات الزبائن والمستهلكين.
  • تحقيق أقصى إشباع للزبون والمستهلك، ولأفراد المؤسسة، وتلبية كافة متطلباتهم.
  • تضمين مبادئ الجودة في كافة نشاطات ووظائف ومهام المؤسسة.
  • جعل الجودة مسؤولية كل فرد بالمؤسسة.
  • وسيلة لمسايرة عولمة السوق، وما رافقها من تغيرات اقتصادية، تكنولوجية، اجتماعية.
  • وسيلة لتحقيق الميزة التنافسية للمؤسسة، وتعزيز قدرتها التنافسية.

وبذلك فقد أصبحت الجودة الشاملة مسعى العديد من المؤسسات، والتي تعمل على تنسيق وتوجيه الجهود من أجل تحقيقها وتجسيدها في المؤسسة وهذا ما يطلق عليه إدارة الجودة الشاملة، أو تسيير الجودة الشاملة.

السابق
مفهوم، أهمية وأصناف الجودة
التالي
مفهوم، أهداف وأهمية إدارة الجودة الشاملة

اترك تعليقاً