علم الاجتماع

نظريات علم اجتماع الجريمة والانحراف

نظريات علم اجتماع الجريمة

اختلفت وتعددت النظريات المفسرة للسلوك الاجرامي في علم اجتماع الجريمة حيث كان لبعضها توجه بيولوجي عضوي وأخرى كانت قانونية، بينما ركز بعضها على الجانب النفسي والبعض الآخر على العوامل الاجتماعية ومساهمتها في بروز مثل هذه السلوكيات. وسنحاول فيما سيأتي توضيح أهم هذه المقاربات.

يهمك أيضا: كل ما يخص علم اجتماع الجريمة (مفهومها، أهدافها، وخصائصها.)

المقاربة الكلاسيكية في تفسير الجريمة

ظهرت هذه المدرسة نهاية القرن 19م، وقد اعتمد روادها تفسير السلوك الاجرامي للأفراد من منظور فلسفي، محاولة منهم إيجاد حلول لهذه السلوكات. ومن أهم راد هذه المدرسة نذكر:

1- سيزار بيکاريا Cesare Beccaria: يعتبر سيزار بيکاريا مؤسس المدرسة الكلاسيكية في علم الإجرام وتذهب نظريته التي عرضها في كتابه “جرائم وعقوبات” سنة 1764م، بأن الأعمال الخطيرة على الدولة أو الناس الآخرين هي التي ينبغي منعها أو تحريمها، وأن العقوبات لا ينبغي أن تكون أكثر قسوة عما يمنع الناس من ارتكاب الجرائم، أي تحريم الأفعال الخطرة فقط على الدولة.

كان ضد فكرة العقوبات القاسية كالإعدام والتعذيب حيث اعتبر أن معرفة العقوبة مقدما التي سوف تلحق بالجاني وإدراك الفرد مقدما مبلغ ما سيلقاه من عقاب كاف لمنعه عن ارتكاب الجريمة. وهو بذلك يحبذ مبدأ الوقاية عن الردع، طور فكرة المسؤولية الفردية المبنية على الطرح المسيحي الخاص بمبدأ الإرادة الحرة حيث افترضت أن الفرد يتأمل السلوك الخير والسلوك الشرير وبالتالي فهو يستطيع أن يختار بينهما. الألم وعلى ذلك يرتكب الانسان الجريمة لأن اللذة أو المتعة الصادرة من الفعل الاجرامي من أعظم من الألم الذي يمكن توقعه.

إقرأ أيضا:مراحل إدارة التغيير في المنظمات

2- جيرمي بنتام Jeremy Bentham: نشر عام 1811م كتابا شرح فيه نظريته العامة حول المنفعة وعنونه “نظريات العقوبات والجزاءات”. وكان الافتراض الذي يكمن وراء هذا الاقتراح أن للإنسان آراء حرة ويستطيع أن يختار عما إذا كان سوف يستفيد شخصيا من ارتكاب الجريمة من عدمه بمعنى ذلك أن بنتام يخضع السلوك الاجرامي لنظريته العامة في المنفعة.

يقول بنتام أن الفرد يحسب لأفعاله وفق ثنائية تكلفة (العقوبة) / فائدة (اللذة)، فالفرد يبحث عن اللذة وتجنب العقوبة. فإذا كان العقاب أو الألم أكثر من اللذة أو المتعة أو الفائدة الناجمة عن الجريمة، فإن المجرم سوف يتعقل ويبتعد عن ارتكاب الجريمة والمخالفة. وبالتالي يظهر الدور الوقائي للعقوبة. ومازال هذا الرأي الكلاسيكي والفلسفي والقضائي عن الجريمة تعتنقه كثيرا من المحاكم المعاصرة.

3- فيليب بينال Philippe Pinel: وهو طبيب فرنسي كان له الفضل في إقحام الجانب العضوي والطبي في تفسير الجريمة، وخاصة اعتماد ما يسمى بـ”المسؤولية العقابية” فيما يرتبط بالمرضى العقليين والمتخلفين عقليا. حيث وضع تصنيفا أوليا للأمراض العقلية وأبرز تأثيراتها الإيجابية أو السلبية على سلوك الأفراد، ومن ثم مسؤوليتهم. كما أشار إلى أنه يمكن الشفاء الذي لن يتحقق إلا بالعلاج والتداوي في مؤسسات مختصة ومكيفة لذلك.

المقاربة الوضعية في تفسير الجريمة

انطلقت المدرسة الوضعية بعد ظهور کتاب شارلز داروین Charles Darwin “أصل الأنواع” بالإضافة إلى التطور الفكري المتعلق بالطبيعة الإنسانية. وتنطلق أفكار هذه المدرسة من المبدأ القائل بأن كل الأحداث أو السلوكيات الإنسانية لها أسباب وتبريرات كافية، لذلك نجدها تؤكد على ضرورة البحث التطبيقي أو التجريبي (مثل العلوم الطبيعية) في هذه الأسباب.

إقرأ أيضا:مفهوم الدافعية للتعلم، ووظائفها

ترى المدرسة الوضعية أن السلوك الإنساني تقدره قوى خارجة عن السيطرة والوعي الفردي مرتبطة بتكوينه العضوي أو النفسي. ويتفرع عن هذه المقاربة ثلاث مدارس أساسي: المدرسة الإيطالية، المدرسة البيولوجية أو الأنثروبولوجيا الأمريكية والمدرسة النفسية.

1- المدرسة الوضعية الايطالية:

ترجع المدرسة الإيطالية الوضعية في تفسير الجريمة الى الطبيب الإيطالي سيزار لومبروزو Cesare Lambros وهو طبيب إيطالي يعتبر مؤسس أو أب علم الإجرام. حيث كانت جل أبحاثه في المدة ما بين عام (1878-1846) على العساكر والسجناء، محاولا هو وأتباعه أن يؤسسوا نتائجهم على معطيات موضوعية وتجريبية جديدة.

كانت نظريته في الأول تقول إن النزعات الاجرامية وراثية أي أنها موروثة أو موجودة من الميلاد في الفرد ولم يكتسبها من التعلم أو الاحتكاك والتفاعل بالبيئة المحيطة به، والصفات الوراثية تنتقل من الآباء والأجداد للذرية عبر ما يعرف باسم ناقلات الوراثة أو الجينات، لذلك يمكن معرفة وتشخيص المجرم من مجرد ملاحظة مورفولوجيته وصفات جسمه. حيث يكون شكل المجرم مرتد إلى الوراء أي إلى المراحل المبكرة والأنواع البدائية من البشر وعلى ذلك نلمس أن لومبروزو قرر الحقائق الآتية:

  • أن الانسان المجرم يختلف عن الانسان العادي في التكوين الجسماني والوظيفي الداخلي وهذا النقص في التكوين يؤثر بدوره على التكوين النفسي ويؤدي بالفرد إلى ارتكاب الجريمة مثلما يرتكب المصابون بالأمراض العقلية والعصبية أفعالا إجرامية تحت تأثير النقص العقلي.
  • المجرم مرغم وليس مخير فليس في جريمته خطيئة شخصية بل هي تعود إلى عوامل خارجية.
  • كل شخص صدر عنه فعل إجرامي يجب أن يتخذ معه التدابير الكفيلة بألا يقع في الجريمة مرة أخرى، ويستوي أن يكون الشخص مجنونا أو عاقلا.
  • الجريمة هي نتيجة تفاعل ظروف شخصية بالأساس وبالتالي فإنه يتعين على القاضي دراسة الحالة الشخصية بصفة شاملة.

في المرحلة الثانية من أبحاثه أدرك لومبروزو ما للمؤثرات الاجتماعية من تأثير على ارتكاب الفرد للجريمة بعد أن كان يعزوها كلية للسمات الجسمية الفيزيقية والتي ترتد إلى الوراثة. وقد خلص لومبروزو المجرمين إلى خمس طوائف:

إقرأ أيضا:ماذا نقصد بالدافعية للإنجاز، مكوناتها وأبعادها
  1. المجرم بالولادة: ويتميز عن الانسان العادي من النواحي الخلقية والعضوية كاختلاف حجم وشكل الرأس عن النمط الشائع في السلالة والمنطقة التي ينتمي اليها، وكبر زائد في أبعاد الفك وعظام الوجنتين، وكبر زائد أو صغر غير عادي في حجم الأذنين أو بروزهما من الرأس والتواء الأنف واعوجاجه أو وجود بروز فيها امتلاء الشفتين وبروزهما، والطول أو القصر الملحوظ في الأنف أو فلطحته، والطول الزائد للذراعين، أما السمات الداخلية والنفسية للمجرم بالميلاد-الولادة – فمنها: ضعف حاسة السمع، انعدام أو ضعف الإحساس بتأنيب الضمير.
  2. المجرم المجنون: وهو الشخص المصاب بنقص عقلي يفقده ملكة التمييز بين الخير والشر وينبغي أن يوضع في مصلحة عقلية.
  3. المجرم بالعادة: وهو الشخص الذي يرتكب جرائمه تحت تأثير ظروفه الاجتماعية التي أهمها الاتصال بالمساجين وإدمان الخمر والوقوع في البطالة مما يكسبه استعدادا اجراميا، وتكاد تنحصر جرائم هذا النوع في الاعتداء على الأموال.
  4. المجرم بالصدفة: وهذا النوع من المجرمين لا يرتكب الجريمة بسبب ميل أصيل لديه، وانما بسبب مؤثرات خارجية، وقد يرتكب جريمته بدافع حب التقليد أو الظهور وهذا النوع يسهل علاجه.
  5. المجرم بالعاطفة: وهو الشخص الذي يتسم بحساسية مفرطة تجعله سريع الخضوع للانفعالات العابرة والعواطف المتباينة كالحب والغضب والحقد والغيرة.

هكذا نلاحظ كيف أن لمبروزو قد مهد لظهور علم جديد يهتم بالدراسة العضوية والنفسية للمجرم هو الأنثروبولوجيا الجنائية.

2- المدرسة الأنتروبولوجية الأمريكية:

جاءت هذه المدرسة كردة فعل طبيعية على الانتقادات الموجهة للمدرسة الوضعية الايطالية ومن أهم روادها نذكر:

أ- أرنست هوتون Ernest Hooton: وهو عالم أمريكي مختص في علم الأنثروبولوجيا البيولوجية قام بدراسة السجناء وتوصل إلى النتائج التالية:

  • إن المجرمين يتوزعون على فئات مختلفة تتميز بصفات معينة حددها في: حجم الأذنين، شكل الأنف، مدى ضخامة الفكين، العينين، طول القامة، الوزن، شكل الجمجمة.
  • المجرمون يعانون من انحطاط خلقي يتمثل في وجود تشوهات في تكوين أعضائهم وهي في عمومها موروثة.

 ب- وليام شيلدون William Scheldon: استعان كثيرا بعلم الجينات والتصوير في تفسير مسألة الانحطاط المرتبط بالمجرمين وتوصل إلى تصنيف هؤلاء في ثلاث مجموعات هي:

  • النموذج الداخلي: يضم الأفراد الذين يتميزون بضخامة الجهاز الهضمي وترهل أعضاء الجسم وبالتالي يكونون في حالة ارتخاء دائم، فهم يميلون إلى الراحة وقلة الحركة بخلاف السلوك الاجرامي الذي يفترض من صاحبه الخفة والحذر والانتقال السريع.
  • النموذج العظمي: ويضم الأفراد الذين يتمتعون بقوة بدنية وعضلات مفتولة. فضخامة الجسد تغري صاحبها بالمغامرة وابراز القدرات والرغبة في السيطرة على الآخرين. لديهم ميول عدوانية تتجسد في ارتكاب الجرائم الواقعة على السلامة والتكامل الجسدي كالقتل، الضرب والاغتصاب.
  • النموذج الدقيق: ينطبق على ذوي الضعف البدني والهزال، أجسادهم ضعيفة وصدرهم منخفض ولديهم ضمور في الجهاز العضلي والعظمي والهضمي، مما يجعلهم بعيدون عن المغامرة والتصرفات الطائشة التي لا تمثل طموحاتهم وتصوراتهم في الحياة الاجتماعية.

3- مدرسة التحليل النفسي:

يعتبر عالم النفس النمساوي “سيجموند فرويد” Sigmund Freud مؤسس مدرسة التحليل النفسي التي أولت عناية خاصة للعوامل النفسية التي تميز كل مجرم، فيكفي أن نجري تحليلا لشخصية المجرم حتى نتعرف على مدى استعداده للسلوك الاجرامي. وعرفت نظريته باسم النظرية التحليل النفسي في تفسير السلوك الاجرامي الجانح.

وفقا لهذه النظرية الانسان يبدأ حياته بغريزتين أساسيتين هما غريزة الجنس أو الحب أو الحياة وغريزة الموت أو الكره، أما شخصية الراشد الكبير فتتكون من ثلاث عناصر هم:

  • الأنا الدنيا أو الهو: هي مستقر للميول الفطرية والنزعات الغريزية والشهوات، تسعى للإشباع الآني المباشر والفوري للشهوات. وهي تسير وفقا لمبدأ اللذة حيث تسعى للحصول على أقصى درجات الاشباع والمتعة وتجنب الألم ولا تهتم بالواقع أو بالحقيقة كما لا تولي أي اعتبار للقيم والضوابط الاجتماعية وليس لديها فكرة عن الزمن أو الواقع.
  • الأنا الوسطى: هي بمثابة النفس العاقلة التي تعمل على كبح جماح الهو وترويضها وإقامة الانسجام بين النزعات الغريزية وما يعد مقبولا اجتماعيا. فضبط الشهوات وجعلها تتوافق مع المحيط الطبيعي الخارجي يمثل أحد المهام الرئيسية المسندة إليها، من خلال خلق التوازن بين النزعات الغريزية وبين العادات والتقاليد والمبادئ الاجتماعية التي تمثل ضمانة رئيسية لاستمرار الحياة الطبيعية في المجتمع. وتقوم مقام الضمير الخلقي الذي يؤدي وظيفتين هما:
    • وظيفة الردع والمحاسبة والعقاب الداخلي على كل ما يرتكبه الفرد من ذنوب ومعاصي وآثام وكل ما يأتيه من الخصال الخاطئة، ويشبه عمله هنا بعمل القاضي الذي يفرض العقاب على الأعمال السيئة.
    • وظيفة منع وقوع الجريمة قبل وقوعها والوقوف ضد ما توسوس به النفس الأمارة بالسوء، ويشبه عمل الضمير هنا عمل رجل الشرطة أو رجل الجمارك الذي يمنع الجريمة قبل وقوعها.
  • الأنا الأعلى: وتمثل مجموع القيم والمبادئ السامية المستقاة من الدين والتعليم والأخلاق والقانون أو مجموع العادات والتقاليد الموروثة. فهي تعد بمثابة الضمير وكل ما هو خير في الانسان وتراقب وتوجه الأنا وتمنحها قوة التروي والكبت وتحملها المسؤولية عن أي تقصير في أدوار وظيفتها.

وتميل مدرسة التحليل النفسي أو النظرية التحليلية في تفسير الجريمة إلى القول بوقوعها يتجه الى أي من الأسباب الأربع الآتية:

  1. العجز عن التحكم في الدافع الاجرامي “الذات الدنيا” بسبب ضعف أو عجز الذات الوسطى أو العليا ووقوفهم دون النمو المطلوب ويقال أن المجرم لديه قدرة قليلة لكبت الدوافع الغريزية أي الدوافع الاجرامية وذلك نتيجة لوقوع خطأ في النمو، وعلى ذلك يصبح الفرد الذي تسيطر عليه الذات الدنيا مجرما نتيجة لذلك.
  2. قد يؤدي النمو الزائد عن الحد في الذات العليا الى تكوين ما يسمى بالمجرم العصبي، ذلك لأن الضمير الحاد جدا لا يوفر أي اشباع لمطالب الذات ومؤدى هذه النظرية أن المبالغة في اهمال تكوين ذوات الانسان أو التشدد الزائد في تكوين الذات العليا قد يؤدي إلى حدوث الجريمة.
  3. تقع الجريمة نتيجة عجز الأنا عن تكييف الميول والنزعات الغريزية باتجاه ينسجم مع التقاليد الاجتماعية السائدة أو عجزها عن التسامي بها أم كبتها في اللاشعور.
  4. تقع الجريمة نتيجة لتخلف الأنا الأعلى أو ضعف دورها في الرقابة والتوجيه والردع وفي جميع هذه الأحوال فإن الهو تجد نفسها بدون رقیب فتنطلق على هواها لتشبع حاجاتها بأية وسيلة بما فيها السلوك الاجرامي. وعندما تستعيد الأنا الأعلى بعد ذلك قوتها أو وجودها تقوم بتوجيه اللوم الى الأنا التي سمحت بهذا السلوك وهنا يتولد الشعور بالذنب لدى الفرد الذي قد يؤدي به إلى ارتكاب جريمة ثانية للتحرر من هذا الشعور عن طريق تحمله العقوبة المقررة لها ويطلق على هذا النوع من التحليل النفسي عقدة الذنب.

فالمجرم وفق هذا التحليل يعيش ويعاني من وضع نفسي متوتر للغاية وبشكل مستمر يدفعه إلى ارتكاب جرائم مختلفة، وتزداد نسبة ارتكاب الجرائم كلما اقترن ذلك بوجود ظروف تزيد من انفعال المجرم. لقد كان لهذه المدرسة التأثير الكبير على تطور علم الإجرام لكن يبقى عملها مقتصرا على البحث مع الأفراد الذين يعانون أمراضا نفسية دون غيرهم، مما ينفي إمكانية تعميمها على كل الحالات.

المقاربة الاجتماعية في تفسير الجريمة

لم تلقى النظريات العضوية والنفسية في تفسير الجريمة استحسان دعاة التفسير الاجتماعي الذين قابلوها برفض شديد کون الجريمة هي نتاج تداخل مجموعة من العوامل الخارجية سواء كانت اجتماعية، اقتصادية أو ثقافية أو ما يسمى بالبيئة الخارجية. وتضم هذه المقاربة مجموعة من النظريات أهمها:

1- المدرسة الجغرافية أو الخرائط:

تتلخص أفكار هذه المدرسة في أن السلوك الاجرامي له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالتغيرات المناخية أو الأحوال الجوية، حيث تبين وجود علاقة طردية بين بعض الجرائم والعوامل الطبيعية كالحرارة والبرودة. فقد لاحظ جيري Guerry وجود اختلاف بين الأقاليم الفرنسية وطبيعة الجرائم حيث تنتشر في الشمال جريمة الاعتداء على الأموال، فيما نجد في الجنوب جريمة الاعتداء على الأشخاص ومنه استنتج أن العامل الحرارة تأثير على سلوك الأفراد، سماه قانون الحرارة الاجرامي. وأشار كيتلي لوجود علاقة بين الجريمة والعوامل الطبيعية وأكدت تحليلاته الاحصائية تأثير عوامل سوسيولوجية كالسن، الجنس، مستوى الفقر والتعليم وتقسيم الثروة على انتشار الجريمة.

2- المدرسة الاقتصادية في تفسير الجريمة:

تعتبر هذه النظرية أن السلوك الاجرامي هو نتيجة حتمية ومنطقية لنظام اجتماعي واقتصادي ينعدم فيه التوازن ويكرس مبدأ الطبقية في المجتمع. ويعتقد أصحاب هذه النظرية أن تبني نظام يعتمد الملكية الشائعة أو المشتركة يضع حدا لأي تفاوت بين الأفراد ويجعلهم في حالة اكتفاء واستغناء عن البدائل الأخرى ومنها الجريمة. وقد أرجع بونجر Bonger الأفعال الاجرامية وخاصة الجرائم ضد الممتلكات إلى الفقر الذي يعانيه أبناء الطبقة العمالية في ظل نظام التنافس الرأسمالي. فالفقر ينبع من المنافسة الاقتصادية الغير ناجحة وتقلبات السوق التي تعتبر من لوازم المجتمع الرأسمالي. ومن هنا يصبح علاج الجريمة وفقا لهذه النظرية من خلال إعادة تنظيم وسائل الإنتاج وقيام مجتمع لا طبقي.

3- المدرسة الاجتماعية:

أصحاب هذه المدرسة يعتبرون المجرم هو من صنع المجتمع. ومن روادها نجد:

أ- غبريال تارد Gabriel Tarde: يعتبر أن الجريمة هي نتيجة مباشرة للتطور العمراني والحضري خاصة في المدن الكبرى حيث يتعلم الأفراد الجريمة في الشارع مكونين عصابات الاجرام المختلفة. أنشأ القانون التقليد” فالأفراد مولعون بتقليد الأشخاص الذين يرون فيهم مثلهم الأعلى ويبرز ذلك في المدن الكبرى. فالسلوك الاجرامي ليس وراثيا بل مكتسبا من جيل إلى جيل ومن قرية إلى المدينة. فالمجرم لا يسلك طريق الاجرام نتيجة خلل عضوي بل هو نتيجة مؤثرات خارجية كالتحريض والاختلاط التي ترتبط بالبيئة الجغرافية ومن أهم الجرائم التي ينطبق عليها هذا القول جرائم المخدرات والدعارة وغيرها.

ب- إيميل دوركايم Emile Durkheim: يعتبر الجريمة ظاهرة طبيعية وضرورية لتطور المجتمع وهي مرتبطة بنظام المجتمع وثقافته، كما يرى أنه في حالة بلوغ الجريمة حدا معينا، فإن مرد ذلك أن النظام الاجتماعي لم يعد قادرا على أداء دوره كضابط اجتماعي لسلوكيات الأفراد. كما أن ضعف الروابط الاجتماعية من شأنه أن يؤدي إلى ضعف الاحساس بالانتماء إلى الجماعة. فالأفراد الذين لا يستطيعون ابرام علاقات اجتماعية يفشلون في تحقيق مشاريعهم، هم أكثر تهميش وبالتالي يفقدون القدرة على مجاراة الواقع الاجتماعي ويعتقدون أنهم غير معنيين بالقوانين التي تنظم المجتمع. فيجعل سلطة الالتزام ضعيفة وبدون معنى فيكون ذلك سببا في النزوع إلى الجريمة.

ج- ميلتون Melton: تشير نظريته إلى أن ضعف الروابط والتواصل بين الأفراد يخلق وضعا يتميز بالتصدع والتفكك وانعدام الانسجام وزيادة النزعة الفردية محل الولاء، التي تظهر أهم مؤشراتها في زيادة معدلات الجريمة كما ونوعا. فكلما زاد حجم المجتمعات البشرية اشتد التباين فيما بينها وزادت الهوة بين فئات المجتمع: فقراء وأغنياء، جاهلين ومتعلمين … إلخ. وهذا التعارض في المصالح والأهداف يشكل خطرا على المجتمع ويستوجب تدخل الدولة أو السلطة لإعادة النظام فتصبح القيم الاجتماعية رسمية قانونية يجب احترامها.

4- المدرسة الثقافية:

يعتبر العالم الأمريكي ساترلند Sutherland أبرز ممثلي هذا الاتجاه الذي يعتبر السلوك الإجرامي يكتسب عن طريق التعلم كما هو الشأن في الحرف والصناعات، ووسيلة هذا التعلم هو الاتصال عبر التخاطب العادي أو عن طريق الإثارة والتقليد.

ويرى أن الفرد يعيش في وسط اجتماعي لابد أن يتأثر بثقافته ما لم توجد ثقافة أخرى محيطة تتصارع معها. فالفرد يكون في مواجهة عدة نماذج ثقافية وجميع الأفراد متساوون في تعرضهم للمؤثرات الخارجية غير أنهم يتفاوتون في القدرة على المقاومة، فمن كانت له ميول اجرامي اختار هذا السلوك والعكس وهذه الأنماط السلوكية يكتسبها الفرد عبر التنشئة الاجتماعية منذ الصغر.

المقاربة التوفيقة

حاول أصحاب هذه المقاربة التوفيق بين الرأي القائل بتأثير العوامل النفسية والعضوية على سلوك الأفراد والرأي القاضي بتأثير العوامل الخارجية ومن بين روادها بنينيو دي تيليو Benigno di tillio الذي اعتبر الجريمة سلوك فردي بيولوجي اجتماعي فالفرد المجرم له استعداد لذلك مع ترافق ذلك مع استجابة الدوافع الغريزية للمؤثرات الخارجية. فالمجرم يتميز بضعف المقاومة وسرعة الاستجابة لهذه المؤثرات، أرجع السلوك الاجرامي إلى العوامل التالية:

  • عوامل تكوينية: هي عوامل سابقة على الاجرام.
  • عوامل مهيأة: تعمل على إيقاظ الاستعداد الاجرامي وإثارته.
  • عوامل مفجرة: تؤدي مباشرة لارتكاب الجريمة.

يشير هذا الباحث أن الجريمة لا تتحقق إلا بوجود عامل اجتماعي خارجي يتحول بدوره إلى دافع نفسي لارتكاب الجريمة، لذلك كان من الضروري البحث في كل العوامل المرتبطة بالمجرم.

المقاربة الحديثة

تركز معظم الدراسات الحديثة على مدى مسؤولية الضحية في إثارة المجرم وتشجيعه على أداء هذا السلوك. ودراسة السلوك الاجرامي يكون وفق مقاربة دينامية تقوم على ثلاث عناصر هي: شخصية المجرم، الظروف التي تتم فيها الجريمة والضحية وموقعها من هذه الدينامية. ومن أهم أفكار هذه المقاربة نذكر:

  • ارتكاب الضحية لخطأ جسيم ينجر عنه مباشرة وقوع فعل الاجرام ويشجع المجرم على ذلك مثل: عدم بذل أي جهد من قبل الضحية لتجنب المجرمين أو الاقتراب من الأماكن التي يتردد عليها المجرمين دون أي احتراس.
  • في بعض الجرائم قد يكون للضحية دور حاسم في وقوع الجريمة مثل جريمة الاغتصاب التي يزداد انتشارها في المجتمعات التي تمنح حرية جنسية كبيرة للمرأة.
  • تقع الجريمة نتيجة علاقة تفاعلية بين المعتدي والضحية، مما يقتضي تحليل الظروف النفسية والاجتماعية والثقافية المحيطة بكل طرف في إطار علاقة دينامية ترتبط ارتباطا وثيقا بالمكان والزمان الذي وقعت فيه الجريمة.
  • تركز هذه المقاربة على الأحاسيس التي تتكون لدى المجرم الذي يتوجب عليه التحرر من أحاسيسه الداخلية والعاطفية ويتخلص من كل ما من شأنه أن يثيره تجاه الضحية وإلا فإنه سيقع في فخ تأنيب الضمير.
  • اقتناع المجرم بمشروعية سلوكه الاجرامي تحت تأثير الصورة النمطية المكونة في ذهنه عن الضحية (فرد تعيس يستحق الألم دون شفقة).
السابق
مفهوم وأهداف ومناهج علم اجتماع الجريمة
التالي
أعراض مرض باركنسون الشائعة

تعليق واحد

أضف تعليقا

  1. التنبيهات : مفهوم وأهداف ومناهج علم اجتماع الجريمة - تدوينة

اترك تعليقاً