تعاريف ومفاهيم منوعة

نماذج، عمليات واستراتيجيات إدارة المعرفة

مفهوم وأهمية وأهداف إدارة المعرفة

إن المعرفة بمختلف أنواعها والمشتقة من مختلف مصادرها، لا تساوي شيئا لدى المنظمة إذا لم تستخدمها وتستغلها بطريقة تجعلها مفيدة وقيمة ومصدرا من مصادر تحقيق ميزتها التنافسية. ولا يتم ذلك إلا من خلال تطبيق جملة من العمليات عليه.

يهمك أيضا: مفهوم، خصائص وأهمية المعرفة

إن تطبيق هذه العمليات على المعرفة لا يعني بالضرورة أنها فعالة وأن المنظمة قد استفادت منها جيدا، ولتقدير ذلك لابد من اعتماد مجموعة من المقاييس التي تسمح بمعرفة وضعية المنظمة اتجاه استعمال إدارة المعرفة بها. وهذا ما يسمح لها باعتماد الإستراتيجية المناسبة والتي تتوافق مع إستراتيجيتها العامة والتي تساعدها على تحقيق أهدافها المسطرة.

نماذج إدارة المعرفة

لقد قدمت العديد من النماذج لإدارة المعرفة في محاولة لفهم وتوجيه جهود وأنشطة المنظمة فيما يتعلق بإدارة المعرفة وبناء استراتيجيتها وافتراضاتها الأساسية، وسنحاول تناول ثلاث نماذج فقط.

يهمك أيضا: مفهوم، أهمية وأهداف إدارة المعرفة

نموذج “ليونارد بارتون” (Leonard Barton) لإدارة المعرفة

يقوم هذا النموذج على أساس أن المعرفة في المنظمة تمثل “مقدرة جوهرية”، وأن هذه المقدرة الجوهرية توجد في أربعة (04) أشكال هي:

إقرأ أيضا:مداخل وأبعاد إدارة المعرفة
  • المعرفة قد تكون في شكل مادي : وهذه يمكن أن تكون مثلا في شركة تصميم متمثلة في براءات اختراع، هذه هي المعرفة التي يمكن أن نراها ونلمسها لأنها ملموسة.
  • المعرفة قد تكون مجسدة أيضا في الأنظمة الإدارية : وهذه يمكن أن تكون مجسدة في طرق التعلم لعمل الأشياء الأكثر فاعلية.
  • المعرفة قد تتجسد في المهارات الصريحة والكامنة للعاملين : أي في القدرات الفردية التي تجلب إلى المنظمة أو تطور ضمنها من خلال التجربة والخبرة.
  • أخيرا المعرفة قد توجد أيضا فيما يسمى “القيم الصغيرة” للعمل مع معايير السلوك في موقع العمل أو ما يدعوه الآخرون الثقافة التنظيمية.

نموذج موئل إدارة المعرفة

هذا النموذج قدمه “دينس وينسكاي” (D.E.Winnosky) في المنظمة للاستجابة لحاجات المستفيدين. ويقوم هذا النموذج على أن المعرفة هي خبرة بدون بداية ولا نهاية، لهذا فإن هناك سلسلة دائرية لإدارة المعرفة، وفي هذا النموذج ذي السلسلة الدائرية هناك أربعة مكونات متفاعلة كل واحد منها يعمل بشكل مستقل إلا أنها في نفس الوقت ذات اعتماد متبادل. هذه المكونات هي:

إقرأ أيضا:مزايا وعيوب تطبيق نظام التكاليف المبني على الأنشطة ABC
  • القاعدة الأساسية لإدارة المعرفة (ماذا يتم ويتابع الآن ؟): وتتمثل بكل البيانات والمعلومات المتداولة من خلال أدوات إدارة المعرفة في المنظمة، إنها الهيكلية الفنية لإدارة المعرفة التي تستخدم وتنشئ إمكانات موئل إدارة المعرفة.
  • ثقافة إدارة المعرفة (ما هو المهم ؟): وهذه الثقافة هي التي تحدد الاتجاه والقيم والتفضيلات في إدارة المعرفة، وهذه الثقافة هي التي تأتي بالاستراتيجية وليس الاستراتيجية هي التي تنشئ الثقافة. كما أن الثقافة هي التي تحدد التكنولوجيا
    والممارسات الملائمة.
  • أهداف إدارة المعرفة (ما هو الهدف الأساسي ؟): وهذه الأهداف تتمثل عادة في تحسين قدرات المنظمة سواء في تحسين استغلال المنظمة لمواردها أو تحسين قدراتها وكفاءتها في استغلال مواردها في منتجات وخدمات وعمليات المنظمة.
  • معايير إدارة المعرفة (ما هو ممكن التحقيق ؟): وهذه تشير إلى الممارسات الأفضل التي تستخدمها المنظمة بالعلاقة مع الموردين، الموزعين، الزبائن وكذلك مع التكنولوجيات والقدرات المتحققة بالمقارنة مع المنافسين.

يهمك أيضا: مداخل وأبعاد إدارة المعرفة

نموذج البنك الكندي التجاري

ويركز هذا النموذج على مفهوم الثقافة المعرفية ونشر قيم المعرفة، ووضع هذه المعرفة في خدمة الزبون وجعلها أكثر ديمقراطية من خلال إشاعة استخدامها وتنوع القيم والتأثير في هرم القيادة التنفيذية، فيصبح المديرون مدربين ومستشارين ورؤساء فرق، وتوافر شبكة المعرفة التي تعد الأداة لفحص معرفة منظمة.

إقرأ أيضا:مفهوم النقود الالكترونية وظهورها

وينطلق هذا النموذج من أربعة عناصر أساسية التي تمكن المنظمة من إدارة المعرفة، وهي:

  1. التعلم الفردي: حيث وضعت مسؤولية التعلم المستمر على الأفراد أنفسهم.
  2. تعلم الفريق: تحميل المجموعة المكلفة بإدارة المعرفة مسؤولية التعلم الذاتي.
  3. تعلم المنظمة: عن طريق نشر المعرفة المتولدة في التنظيم من خلال شبكة التعلم.
  4. تعلم الزبون: أدرك المصرف أن الزبون بحاجة إلى المعرفة، وخاصة المتعلقة بالعمل المصرفي فلجأ إلى إدخال أكثر من 3400 زبون من دورات عامة.

العمليات الجوهرية لإدارة المعرفة

لقد اختلفت الآراء حول عدد عمليات إدارة المعرفة وتسميتها وترتيبها، فمنهم من ذكر أربع عمليات فقط بينما هناك من فصل حتى ثماني عمليات لها. لكن ما يجدر الإشارة إليه أن هذه العمليات متكاملة فيما بينها ومتسلسلة، أي أن كل عملية تؤدي إلى العملية التي بعدها.

وسنعتمد على عمليات إدارة المعرفة الأكثر تداولا كما يلي:

تشخيص المعرفة

هي التي تشير إلى وضع سياسات وبرامج العمليات الأخرى، لأن من نتائج عملية التشخيص معرفة ما نوع المعرفة المتوافرة، ومن خلال مقارنتها بما هو مطلوب يمكن تحديد الفجوة. وعملية التشخيص أمر حتمي لأن الهدف منها هو اكتشاف معرفة المنظمة، وتحديد الأشخاص الحاملين لها ومواقعهم.

وتعد عملية التشخيص من أهم التحديات التي تواجه المنظمة لأن النجاح في مشروع إدارة المعرفة يتوقف على دقة التشخيص. تعتمد عملية التشخيص على استخدام آليات الاكتشاف وآليات البحث والوصول العديدة. وقد تكون عملية ذات مراحل متعددة.

اكتساب المعرفة

بعد عملية تشخيص المعرفة، تأتي عملية اكتساب المعرفة من مصادرها المختلفة الداخلية منها، مثل المشاركة في الخبرات وحضور المؤتمرات والندوات والاتصال بين جماعات العمل أو من البيانات المالية والاقتصادية… وغيرها، أو الخارجية كالأنترنت وتحليل الاستخبارات التسويقية والأبحاث عن الصناعة والاندماج واستقطاب عاملين جدد…وغيرها.

توليد المعرفة

تشير عملية توليد المعرفة إلى تلك العمليات التي تعني شراء، امتصاص، أسر، ابتكار، اكتشاف، اكتساب، واستحواذ المعرفة.

فالشراء يشير إلى الحصول على المعرفة عن طريق الشراء المباشر أو عن طريق عقود الاستخدام والتوظيف، والامتصاص يشير إلى القدرة على الفهم والاستيعاب للمعرفة الصريحة، والأسر يشير إلى الحصول على المعرفة الضمنية في أذهان وعقول المبدعين، والابتكار يشير إلى توليد معرفة جديدة غير مكتشفة، والاكتشاف يشير إلى التعرف على المعارف والكفاءات المفيدة والتي تحتاج المنظمة لإدارتها، وخاصة الكشف عن المعرفة الضمنية الموجودة لدى الكفاءات العاملة بالمنظمة.

إن عملية توليد المعرفة تبدأ بفكرة يقدمها الفرد الذي حصل عليها أو ابتدعها، ومن الممكن أن يتم توليد المعرفة الجديدة من خلال أقسام البحث والتطوير، والتجريب وتعلم الدروس والتفكير الإبداعي.

وأكد “نوناكا و تاكوشي” (Nonaka & Takeuchi) أن توليد المعرفة يقود إلى توسيعها من خلال مجموعتين من الديناميكيات التي تدفع عملية توسيع المعرفة هما:

  • الأولى تحويل المعرفة الضمنية إلى معرفة ظاهرة.
  • الثانية تحويل المعرفة من المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي.

وقدما أربع طرق تتولد بها المعرفة من خلال التفاعل والتحول بين المعرفة الضمنية والمعرفة الظاهرة وهي:

  • الاشتراك : ويتضمن تحويل المعرفة الضمنية إلى معرفة ضمنية عن طريق المشاركة والملاحظة مثلما يتشارك عاملان في إجراء تجربة معينة، وحلقات الجودة…الخ.
  • الاتجاه إلى الخارج : التحويل من المعرفة الضمنية إلى المعرفة الظاهرة عن طريق الحوار والتعبير الذاتي، فعندما يعبر الفرد عن معرفته لفظيا وتترجم على شكل كتاب أو نشرات يمكن قراءتها من قبل أي شخص تصبح المعرفة الضمنية معرفة ظاهرة.
  • التجميع : وهي تحويل المعرفة الظاهرة إلى معرفة ظاهرة عن طريق التجميع وتنظيم المعرفة الموجودة أصلا ووضعها في شكل قواعد معلومات يمكن للجميع الوصول إليها. لكن هذا التجميع لا يزيد من حجم القاعدة المعرفية في المنظمة.
  • الداخلية : تحويل المعرفة الظاهرة إلى معرفة ضمنية من خلال تكرار أداء المهام لتصبح المعرفة الظاهرة مستوعبة مثل المعرفة الضمنية.

خزن المعرفة

باتت عملية خزن المعرفة والاحتفاظ بها مهمة جدا لا سيما المنظمات التي تعاني من معدلات عالية لدوران العمل والتي تعتمد على التوظيف والاستخدام بصيغة العقود المؤقتة والاستشارية لتوليد المعرفة فيها، لأن هؤلاء يأخذون معرفتهم الضمنية غير الموثقة معهم.

أما الصريحة فتبقى مخزونة وموثقة في قواعدها، كالذاكرة التنظيمية التي تحتوي على المعرفة الموجودة في أشكال مختلفة بما فيها الوثائق المكتوبة والمعلومات المخزنة في قواعد البيانات الالكترونية والمعرفة الإنسانية المخزنة في النظم الخبيرة والمعرفة الموجودة في الإجراءات والعمليات التنظيمية الموقعة.

تطوير وتوزيع المعرفة

إن تطوير المعرفة يركز على زيادة قدرات ومهارات وكفاءات عمال (صناع) المعرفة، وهذا يقود إلى ضرورة الاستثمار في رأس المال البشري الذي ينعكس على قيمة المنظمة ويعزز من جدارتها التنظيمية، ويساعدها في ذلك جذب واستقطاب أفضل العاملين في مجال المعرفة من سوق عمل المعرفة الذي يتميز بالمنافسة العالية.

المهم في التوزيع هو ضمان وصول المعرفة الملائمة إلى الشخص الباحث عنها في الوقت المناسب، ومن أساليب توزيع المعرفة ما يلي :

  1. فرق المشروع المتنوعة معرفيا للتوزيع الداخلي.
  2. شبكة المعلومات الداخلية )الانترانت .(Intranet
  3. التدريب من قبل الزملاء القدامى من ذوي الخبرة.
  4. مجتمعات داخلية عبر الوثائق.
  5. فرق الخبرة وحلقات المعرفة وحلقات التعلم.
  6. الندوات، الملتقيات والمؤتمرات.

تطبيق المعرفة

وذلك باستعمال المعرفة والاستفادة منها، فجميع الأنشطة والعمليات السابقة لجمع وإنتاج ونشر المعرفة لا يمكن أن يكتب لها النجاح إذا لم تتوج بالتطبيق العملي للمعرفة في الأنشطة والممارسات اليومية من قبل الأفراد في المنظمة.

إن تطبيق المعرفة يسمح بعمليات التعلم الفردي والجماعي الجديدة، والتي تؤدي إلى ابتكار معرفة جديدة، ومن هنا جاءت تسمية عمليات إدارة المعرفة بالحلقة المغلقة. وقد استخدمت العديد من الأساليب لتطبيق المعرفة منها:

  • الفرق متعددة الخبرات داخليا ومقترحات الخبير الداخلي.
  • مبادرات العمل.
  • اعتماد مقاييس للسيطرة على المعرفة.
  • التدريب الفرقي من قبل خبراء متمرسين.

يهمك أيضا: مصادر وتصنيفات المعرفة

استراتيجيات إدارة المعرفة

أشار عدد من الباحثين إلى بعض الاستراتيجيات لإدارة المعرفة التي تختلف حسب طبيعة عمل المنظمة والمدخل الذي تتبناه، ويعود سبب اختلاف هذه الاستراتيجيات إلى نظرة المنظمة إلى المعرفة بحد ذاتها وقيمتها لديها، وكذا إلى موقفها من المعرفة أي هي منظمة تنشر المعرفة أو تطلبها لأنها بحاجة إليها.

ويمكن التمييز بين الاستراتيجيات التالية:

الاستراتيجية الترميزية مقابل الاستراتيجية الشخصية  

تشير إلى أن المنظمات تستخدم استراتيجيتين مختلفتين هما:

  1. استراتيجية الترميز : تعتمد على المعرفة الصريحة بوصفها معرفة قياسية رسمية قابلة للوصف والتحديد والقياس. وبموجب هذه الاستراتيجية يتم من خلال الحاسوب ترميز وخزن المعرفة في قواعد البيانات حيث يمكن الوصول إليها، وتلائم هذه الاستراتيجية المنظمات المصنعة لمنتج واحد.
  2. الاستراتيجية الشخصية : تركز على المعرفة الضمنية وهي المعرفة غير القابلة للترميز القياسي وغير الرسمية. هذه الاستراتيجية لا تلغي دور الحواسيب لكنها تعدها أدوات مساعدة في توصيل المعرفة، وتطبق هذه الاستراتيجية من قبل المنظمات الاستشارية مثل شركة ماكينزي ومجموعة بوسطن الاستشارية.

إن الميل إلى تطبيق إحدى الاستراتيجيتين ليس أمرا اعتباطيا وإنما يعتمد على الطريقة التي تخدم بها المنظمة زبائنها، والأشخاص الذين تستخدمهم والنموذج الاقتصادي الذي تطبقه.

ومنظمات الأعمال في العادة لا تستخدم واحدة من الاستراتيجيتين وتهمل الأخرى، فأغلب المنظمات الناجحة استخدمت الاستراتيجيتين معا ولكن بنسب متفاوتة، أي تستخدم إحدى الاستراتيجيتين مهيمنة والأخرى داعمة لها.

يهمك أيضا: دورة حياة المعرفة والعوامل المؤثرة عليها

استراتيجية العرض مقابل استراتيجية الطلب

تشير أيضا إلى استخدام المنظمة إحدى الاستراتيجيتين المبنيتين على أساس عرض وطلب المعرفة كما يلي:

  1. استراتيجية جانب العرض : تميل إلى التركيز فقط على توزيع ونشر المعرفة الحالية للمنظمة، فهي تركز على آليات المشاركة في المعرفة ونشرها. تصلح هذه الاستراتيجية للمنظمات الاستشارية التي تسوق الحلول المعتمدة على المعرفة.
  2. استراتيجية جانب الطلب : التي تركز على تلبية حاجة المنظمة إلى معرفة جديدة، وهي تتجه نحو التعلم والإبداع أي التركيز على آليات توليد المعرفة. وتصلح هذه الاستراتيجية للمنظمات الصناعية التي تنتج السلع.
    إن الفصل المطلق بين هاتين الاستراتيجيتين في عالم الأعمال صعب جدا، لذا فإن خيار الدمج بينهما أفضل، ولكن بنسب متفاوتة تبعا لطبيعة التركيز والتوجه الاستراتيجي للمنظمة، بما في ذلك المنظمات التي تعمل كبيوت للخبرة فإنها تحتاج إلى الاستراتيجيتين معا.

اعتمادا على نموذج “نوناكا” (Nonaka) لإدارة المعرفة، ظهرت إسهامات قيمة تربط إدارة المعرفة بسياسات المنظمة أهمها:

  • سياسات نمطية : فالمنظمة تحافظ وتنشر وتستخدم المعرفة دون إدراك لذلك، وللمخاطر المحتملة، وبالتالي هذه السياسة مرتبطة بسياق الإنتاج وغير نابعة من رغبة المدراء في الاهتمام بإدارة المعرفة.
  • سياسات رسمية : حيث نجد أن المدراء يهيئون بيئة المنظمة عبر مجموعة من العمليات بغية تحقيق استراتيجية تهدف إلى إدارة المعرفة المتوفرة.
  • سياسات اندماجية : إن إدراك المدراء لأهمية المعرفة يجعلهم يقومون بإدارتها بشكل فعال، هذه السياسة تعد الأكثر انتشارا في المنظمات اليابانية التي كانت محل دراسة نوناكا” ) ،(Nonakaحيث لا تتوقف إدارة المعرفة على مستوى معين بل يتعداه ليشمل تنظيم المنظمة كدليل على ضرورة التعلم والتحسين المستمر للمنتوجات.

يهمك أيضا: مجالات ووظائف إدارة المعرفة

السابق
دورة حياة المعرفة والعوامل المؤثرة بها
التالي
مفهوم، أنواع وأشكال المنافسة

اترك تعليقاً